والتهاون غير التسامح لو تعلمون، فنحن أحفاد التسامح منذ (أبونا) كنعان، فما يجري ليس شتيمة يمكن أن أتجاوز عنها وأسامح بتبعاتِها، إنه إصرار فاقد لكل شرعية على فرض سردية واحدة، ومنع أي عبادة إلا عبادة واحدة، طالّة برأسها من أوهن بيوت عنكبوت الخرافة. إنه الاستئثار الموبوء بالعزلة، الرافض أي جيرة، أو مشاركة، أو تقاسم دروب الأرض إلى السماء. إنه التشوّه الإنساني الأخلاقي الذي لا يرانا جميعنا أبناء هذا الكوكب بشرًا، أناسًا، بل نحن مجرد (آخرين) سعرنا بسعر البقّ والصراصير (وأنا هنا أستعير حرفيًا ما أطلقه حاخام يهودي من أوصاف على أبناء الطائفة السامرية، خلال تصويري في عام 2008، فيلمًا وثائقيًّا عن السامريين في نابلس، تناولت، ممّا تناولت، فيه الخلاف التوراتيّ بينهم وبين اليهود).
إننا قبس من نور الله... والقبّة استراحتنا ونحن في طريقنا نحو معراجنا الساعي إلى طرق أبواب السماء... والصخرة المعلقة ما هي إلا بريقنا وهو يحل رقائق الأسرار... ويستعيد فرص القيامة الناهضة، كل مرّة، من دروب الآلام جميعها... وكما سرقوا النجمة السداسية، يريدون أن يقفلوا أبواب الجمال داخل تفاصيل العمارة الثمانية والسباعية والخماسية، ويغلقوا كل تجريد تنفتح عليه رياضيات الأزمان، وفلسفات الأكوان، ومنجزات الإنسان. وعليه هدموا كل حجر من حجارة "المجدلية" (أو المجدل، أو مجدلا) قرب طبريا، ولكن، هل يستطيعون هدم كل المجدليات؟ ففي فلسطين أكثر من عشر قرى تحمل اسم مجدل، أو في مقطعَي اسمها مجدل، حتى "مجد الكروم" عروسة الجليليْن الأعلى والأوسط ومطلّات الشاغور، فإن هناك من يلفظها "مجدل الكروم".
بين الغنوصية والنسطورية
غاب التسامح، مما لا شك فيه، عن الاجتماع المغلق المتجهم الذي عقده (على عجل) المجمَع المسكوني في مدينة إفسس اليونانية (ربما الهمزة فوق الألف: أفسس، رغم أنها بالتركية: Efes) قبل زهاء 1600 عام ميلاديّ، وما كان لخلاف تفصيلي حمل خلاله نسطوريوس وجهة نظر مغايرة لرؤى أساقفة الإسكندرية وروما في آن معًا، أن يدفع المجمع لاتخاذ قرار بحرمانه وتجريده وإدانته. على كل حال ليس ما آلت إليه أحوال البطريرك نسطوريوس هو موضوعنا هنا (ينبغي الإشارة هنا إلى أن أفكاره ووجهات نظره وجدت لها أرضًا صالحة في إيران الزرادشتية في ذلك الزمان)، بل البحث عن المشترك بين الغنوصية والنسطورية هو ما قد يستحق الانتباه، إذا انطلقنا من دافعية ترى في الوجهتين (أو الهرطقتيْن إن شئتم وشاء رجال الدين) نفسًا روحيًا وجدانيًا يقطر بالحنين إلى السماء، ولكنه الحنين مشلوع الفؤاد الشبيه بحنين الفلسطيني لأرض كراماته وعطاءات أجداده، الحالم بالعودة كما لو أنها اليقين الغائب عن النصوص، المطعون بالحرمان، السابح عكس تيارات الأجندات جميعها. وترى فيهما، إلى ذلك، انزياحًا متحررًا من سلطة التلقين، ومن ضيق صدر حاملي المفاتيح والإجابات. وبعيدًا عن تفسير الألماني الأميركي إيريك فوغلين (1901-1985) للغنوصية وتحميلها ما لا تحتمله بوصفها، كما قوّلها، دافعيةً مطلقةً لدرء الفساد قد تتحوّل إلى قوة بطش، ومشانق تكفير (جاعلًا من الشيوعية والنازية مشتقات لها، ولو أضاف الصهيونية لاحترمْته)، فإني أراها، شخصيًا، مجرّدَ حالة حنين للغيبيّ غير المرئيّ فينا، غارقٍ بالسماويّ من عجينةِ خلقنا، وباحثٍ عن الجزء الزاهد العلويّ من أجسادنا.
في الأناجيل المخبأة، المسكوت عن بعضها، تمثّل مريم المجدلية روح المسيح، لِين معانيه، تسامح تفاعلاته. هكذا تراها غنوصية بلادنا (ترد المجدلية في بعض النصوص الغنوصية، مثل Gospel of Mary، وفيها تظهر كشخصية محورية جدًا: تلميذة مقرّبة من يسوع، تحمل "معرفة سرية" لم يفهمها باقي التلاميذ، تثير حسد القديس بطرس Peter the Apostle، أو، على الأقل، تدفعه إلى تنافس رمزيٍّ معها ومع أسرارها، وأصله (هذا التنافس) حين استقر به المقام في أوروبا)، وهكذا تتعامل معها نسطورية أنطاكيا؛ إنها سيدة قبل كل شيء، أجمل من حملن الطيب، وأبهى من عطّر أقدام النبوة بالناردين. ثم، وهو الأهم بالنسبة لشعب يسعى للقيام من الموت، أنها تمثّل انتصار الإنسان على الموت "المسيح قام من بين الأموات وهزم الموت بالموت". إنها تجسيدٌ ساطعٌ، طالعٌ من تاريخنا المعتّق، للإيمان والفِداء والحب. وبينما نتأمّل في تفانيها الذي لا يتزعزع، يمكننا أن نجد الإلهام في قصتها ورسالتها المتمثّلة في الأمل والتجديد، وما أحوج الشعب الفلسطيني للأمل والتجدّد، خصوصًا التجدّد المنبثق من حنّون الدماء التي ما تزال تروي منذ مطالع قرن مضى كل أرض فلسطين.
تمثّل مريم المجدلية، وفق مختلف ما تقدّم، رمز المعرفة الباطنية والحدس الروحي، ما دفع بعض الباحثين إلى التعامل مع منجزها ودورها وطريقة فهمها للأقانيم (جمع أقنوم) والتعاليم، وما قدّمته ليسوع من مساعدات حتى مادية (يقال إنها كانت ثرية) بوصفه صراعًا مبكرًا داخل المسيحية حول السلطة: هل هي سلطة مؤسساتية (بطرسية/كهنوتية) أم معرفة داخلية؟
صوفية المجدلية
كأني بمحيي الدين ابن عربي يرنو نحوها ونحو طيب الأسرار في جِرارها، هاتفًا: "يا حادِيَ العيسِ لا تَعجَل بِها وَقِفا... فَإِنَّني زَمِنٌ في إِثرِها غادي/ قِف بِالمَطايا وَشَمِّر مِن أَزِمَّتِها... بِاللَهِ بِالوَجدِ وَالتَبريحِ يا حادي". أو وهو يناجيها بلسان حالها ويطرق كهف أسرارها: "أنا عنقاءُ الوجودِ المشترك... قدّستْ ذاتي عن حبسِ الشّرك/ أنا مثنٌ والمَثاني صفتي... وأنا الثاني لسرٍّ مُشترك". وكأني بها تهز جذوع الشوق في أضلاع الحسين بن منصور الحلاج، فينشد ما يجيش به فؤادها نحو يسوعها: "وَلَيتَ الَّذي بَيني وَبَينَكَ عامِرٌ... وَبَيني وَبَينَ العالَمينَ خَرابُ/ إِذا نِلتُ مِنكَ الوُدَّ فَالكُلُّ هَيِّنٌ... وَكُلُّ الَّذي فَوقَ التُرابِ تُرابُ". إنها نسيم الريح التي يبث لها الحلاج بعض لواجعه وعطش فؤاده: "يا نَسيمَ الريح قولي لِلرَّشا... لَم يَزِدني الوِردُ إلا عَطشا/ لي حَبيبٌ حُبُّهُ وَسطَ الحَشا... إِن يَشَأ يَمشي عَلى خَدّي مَشى/ روحُهُ روحي وَروحي روحُهُ... إِن يَشَا شِئتُ وَإِن شِئتُ يَشا".
المجدلية هي، بالتالي، سرديّتنا المترعة العطاء، بئر أسرار صمود شعب يأبى الانكسار. وإذا كان السؤال الذي تلتقي حوله معظم تجليات الغنوصية على اختلاف مدارسها هو: من أين يأتي الخلاص؟ فإن للمجدلية جوابها الحاضر عن سؤال وجوديٍّ إلى كل هذا الحد: يأتي خلاص شعبي من إيمانه... وفِدائه... وغرْفهِ من غدران الحب جميعها... يأتي من طيبٍ معتقٍ تدهن به نساء فلسطين أنبياء الفِداء أجمعين... فإذا بحجرٍ من أرضنا يصبح مقلاعَنا وداوودَنا ومنجنيقَنا ومسِيرات عودتنا ومسيّرات انقضاضِنا... نركبه كما بساط الريح فيصبح تحليقَنا في يوم طوفانِنا... ويصعد بنا نحو خلاصنا الذي ما بعده ولا قبله خلاص.


تحميل المقال التالي...