يطلّ مسرح بصرى الروماني اليوم ككتلة بازلتية هائلة خرجت من أعماق الزمن، حاملةً على حجارتها ذاكرة مدينة كاملة. فالمبنى الذي يراه الزائر الآن بمدرجاته السوداء وواجهته المشهدية الضخمة عاش أكثر من حياة، مسرحًا رومانيًا، ثم جزءًا من قلعة، ثم فضاءً مسكونًا ومطمورًا مجهولًا، ثم أثرًا عالميًا أعادته أعمال التنقيب إلى الضوء.
تقع بصرى الشام في جنوب سورية، عند تخوم حوران والبادية، وقد منحتها الجغرافيا دورًا تجاريًا وعسكريًا ودينيًا مهمًا عبر العصور. عرفت المدينة حضورًا مبكرًا في المصادر القديمة، ثم صارت مركزًا نبطيًا بارزًا، وبعد ضم المملكة النبطية إلى الإمبراطورية الرومانية سنة 106 للميلاد أصبحت عاصمة الولاية العربية الرومانية. في هذا السياق الحضري الواسع شُيّد المسرح في القرن الثاني للميلاد، ضمن مرحلة ازدهار عمراني جعلت من بصرى مدينة كبرى في جنوب بلاد الشام.
اختيار البازلت الأسود مادة للبناء منح المسرح شخصيته الفريدة. الحجر البركاني القاسي، القادم من طبيعة حوران نفسها، تحوّل في يد البنّائين إلى هندسة دقيقة تتضمن أقواسًا، ممرات، مدرجات، واجهة مشهدية، وكتلة عمرانية متماسكة. يقوم المسرح على أرض مستوية، وهذا يميّزه عن المسارح التي اعتمدت على سفوح طبيعية. هنا شُيّدت البنية الحاملة بكاملها، فصارت الأقواس والممرات الداخلية تحمل المدرجات وتوزع حركة الجمهور. يبلغ قطر المسرح نحو مائة متر، وتتسع مدرجاته لآلاف المتفرجين، في صورة تكشف حجم المدينة ومكانتها آنذاك.
كان المسرح في الأصل فضاءً للفرجة والاجتماع العام. الأوركسترا في الوسط، المدرجات حولها، وبناء الخشبة في الجهة المقابلة يشكل خلفية عالية للعروض والاحتفالات. هذه العمارة تحمل رسالة سياسية وثقافية واضحة، فمدينة بصرى هي عاصمة الولاية العربية، تتكلم لغة المدن الرومانية الكبرى. والمسرح هنا جزء من نظام حضري، ومن تصور للمدينة بوصفها مكانًا للإدارة والاحتفال والتمثيل الرمزي للسلطة.
مع تعاقب القرون تغيّرت وظيفة المبنى. المسرح دخل مرحلة جديدة حين أُحيط بتحصينات قوية في العصور الوسطى، وتحول إلى قلب قلعة دفاعية. البنية الرومانية الضخمة قدمت قاعدة مثالية للتحصين: جدران سميكة، مداخل محددة، فراغات داخلية، ومدرجات يمكن تحويلها إلى مستويات صالحة للاستعمال. هكذا صار المسرح مبنى داخل مبنى، وصارت الواجهة القديمة جزءًا من جهاز دفاعي يحمي المدينة والطريق والموقع.
أقدم مرحلة مذكورة في مراجع بصرى تتصل بإغلاق المسرح جاءت في سياق الصراع القبلي في أواخر العصر الأموي: يذكر دليل Ifpo (مركز الدراسات الفرنسية) عن بصرى أن زعيم القيسيين في دمشق أغلق مداخل المسرح الروماني بأبواب بازلتية كبيرة وأسكن القيسيين داخله لحماية عائلته وأهل القرية. هذا النص مهم جدًا لأنه يبيّن بداية تحويل المسرح إلى مأوى دفاعي داخلي، قبل التحصين الأيوبي الكامل.
أما الردم الذي غطى المسرح فنشأ من هذا التحول الطويل في الوظيفة. المدرجات امتلأت تدريجيًا بالأتربة والأنقاض ومواد البناء، وشغلتها أبنية لاحقة وسكنها الأهالي رويدًا رويدًا وبنيت فيها مرافق عسكرية ومعيشية. تعامل سكان العصور التالية مع الكتلة الرومانية بوصفها بنية جاهزة قابلة للتكييف. الحجر القديم منحهم جدرانًا وسقوفًا وممرات، والقلعة منحت المكان وظيفة جديدة. هكذا تراكم الردم عبر قرون من الاستعمال، نتيجة الحياة اليومية، والحاجة الدفاعية، والخراب الطبيعي، وإعادة توظيف الفراغات.
أما الردم العسكري الواضح للمسرح فتم أساسًا في العهد الأيوبي، في عهد الملك العادل أبي بكر بن أيوب، أخي صلاح الدين، بين 1200 و1218. في هذه المرحلة وسّع العادل النواة الدفاعية القديمة في القلعة، وأُحيط المسرح بستائر دفاعية وأبراج مستطيلة، وربطت هذه الأبراج بالمسرح عبر ممر دائري واسع. هذه الأعمال ثبتت شكل القلعة العام، وجعلت المسرح نواة داخلية لمنشأة عسكرية كبيرة.
ثم جاء ابنه الملك الصالح إسماعيل بعد وفاة العادل سنة 1218، وحوّل القلعة خلال نحو عشرين سنة إلى حامية عسكرية فعلية. فقد أقام في مركز المسرح بناءً ضخمًا من ثلاث طبقات، مؤلفًا من صهريج واسع تعلوه مخازن مقببة، وكان الصهريج يشغل كامل مساحة الأوركسترا، أي الفضاء نصف الدائري أمام الخشبة. هذا يعني أن قلب المسرح امتلأ ببناء عسكري-خدمي ثابت، مرتبط بحاجة القلعة إلى الماء والتخزين والحصار.
في منتصف القرن العشرين بدأت مرحلة الكشف الحديث. تولت مصلحة الآثار السورية مشروع تفريغ المسرح وإظهاره، وتشير المراجع الأثرية إلى أن أعمال الكشف والترميم امتدت بين 1946 و1970. وتبرز في هذه المرحلة شخصية سليمان مقداد، الذي تولى منذ سنة 1947 مسؤولية أثرية أساسية في بصرى، وارتبط اسمه بتنظيم العمل في الموقع. ضمن هذا السياق يمكن وضع سنة 1948 في قلب المرحلة الأولى من التنقيب، حين بدأت الكتلة الرومانية تظهر تدريجيًا من داخل القلعة والردميات والأبنية اللاحقة.
كان العمل شاقًا ومعقدًا. فالمسرح المحفوظ داخل القلعة احتاج إلى قراءة أثرية حذرة، لأن كل طبقة من طبقاته تحمل تاريخًا قائمًا بذاته. جرى تفريغ المدرجات، وتنظيف الأوركسترا، وإظهار الممرات والأقواس، ورفع الأنقاض التي غطت أجزاء واسعة من المدرجات. كما جرى التعامل مع الأبنية التي شغلت الفضاء الداخلي للمسرح، بهدف إعادة قراءة التكوين الروماني الأصلي وإظهار نظامه الهندسي. وفي سنة 1960 شاركت بعثة دنماركية بقيادة هِلغه فِنسِن في أعمال الرفع المعماري والمسح والتوثيق، ضمن تعاون تقني أفاد المديرية العامة للآثار والمتاحف في سورية. بقيت القيادة المؤسسية للعمل في يد مصلحة الآثار السورية، بينما أسهمت البعثات الأجنبية في التوثيق والدراسة.
خروج المسرح من الردم منح العالم واحدًا من أكمل المسارح الرومانية المحفوظة. المفارقة الكبرى في بصرى أن الردم والتحصين ساهما في إنقاذ الكتلة المعمارية. القلعة التي غلّفت المسرح حمت أجزاءه الكبرى من التفكك، والطبقات التي حجبت المدرجات حفظت كثيرًا من شكلها. لذلك بدت النتيجة بعد الكشف مذهلة حيث تبدت مدرجات واضحة، وواجهة مشهدية مهيبة، ممرات وأقواس قابلة للقراءة، وكتلة عامة متماسكة تمنح الزائر إحساسًا نادرًا بالمسرح الروماني كما كان في المدن الكبرى.
الصورة التي خرج بها المسرح جيدة من زاوية الحفظ والحضور البصري. فالبازلت الأسود أعطاه قوة استثنائية، والتحصينات الوسطى حفظت جسده، وأعمال التنقيب أعادته إلى المجال العام بوصفه معلمًا سوريًا وعالميًا. وقد ساهم هذا الكشف في ترسيخ مكانة بصرى ضمن قائمة التراث العالمي، وفي جعل المسرح رمزًا من رموز الذاكرة الأثرية السورية.
تطرح التجربة في الوقت نفسه سؤالًا نقديًا حول طبقات المكان. إبراز المسرح الروماني منح الأثر صورته الأشهر، بينما بقيت القلعة والتحولات الإسلامية والعيش اللاحق جزءًا من سيرته الطويلة. قوة بصرى تكمن في هذا التراكب تحديدًا من أثر روماني احتضنته القلعة، إلى قلعة حفظت مسرحًا، ومدينة واصلت استخدام الحجر وتبدل استخدامه وفق حاجاتها عبر العصور. لذلك تمنح بصرى درسًا في معنى حفظ الأثر الذي يعيش عبر وظائفه المتعاقبة، وكل استعمال يضيف طبقة إلى ذاكرته.


تحميل المقال التالي...