فالمونديال بوصفه فضاءَ تعارف بين الشعوب، يحفّز جماهيره التي تتوافد لمباريات منتخباتها على تقديم صورة إيجابية عنها، ونسج تصوّر بنّاء حولها. مسكونة بالدهشة، والهَوَس، والشغف، تتسابق شعوب العالم على عرض ما لا يعرفه الناس عنها؛ زيٌّ شعبيٌّ قديم، آلة موسيقية خاصة بهم (الأُسكتلنديون، على سبيل المثال، لا يمكن أن يتوافدوا إلى استاد لتشجيع منتخبهم من دون أن يحضروا "القِربة" الأُسكتلندية معهم)، يتباهون برقصاتهم الأشهر (السامبا البرازيلية، أو التانغو الأرجنتينية، أو الرقصات الأفريقية التي يحضرون لأجلها في بعض الأحيان الطبول الصاخبة الكبيرة). وفي أسواق المدن التي تحتضن بعض المباريات ينفتح الأفق على أكلات شعبية، وأعلام وطنية، وأحلام وردية. فحين ينطلق المونديال، لا تتسابق المنتخبات وحدها نحو الكأس؛ بل تتقدم الشعوب أيضًا نحو بعضها بعضًا، حاملةً أعلامها وأغانيها ولهجاتها وذاكرتها. وبين ضجيج المدرجات وصخب السوق العالمية، يبقى الإنسان هو الحكاية والرواية والسردية الكبرى. كل ما تقدم وغيره يجعل المونديال احتفالًا عالميًا صاخبًا بالتنوّع، والمحبة، وقبول الاختلاف، ورفض الخضوع لمنطق السوق وعنجهيات القوة الغاشمة.
ورغم أن شعوب العالم جميعها تتصافح تحت راية كرة القدم، إلا أن ظلال السياسة والاقتصاد تأبى أن تغادر الملعب، فما معنى، مثلًا، حرمان رئيس اتحاد كروي من تأشيرة الدخول إلى بلد سيلعب منتخب بلاده (الذي يقوده هو) مباريات رسمية مونديالية فيه؟! حدث ذلك في المونديال الحالي، عندما لم تمنح العمّة أميركا تأشيرة دخول لعدد من أعضاء وفد المنتخب الإيرانيّ المشارك في النهائيات، من بينهم رئيس الوفد! بلاد العم سام لم تكتف بذلك، بل طلبت من لاعبي المنتخب الإيراني ومن معهم، أن يغادروا بعد كل مرّة يلعبون فيها مباراة داخل الأراضي الأميركية إلى المكسيك، رغم أن المنتخب الإيراني كان قد قرر سلفًا ذلك معربًا عن رغبته أن تكون إقامته خارج الملاعب في المكسيك، لكن أتباع ترامب أصرّوا أن يأتي سوء الضيافة من طرفهم بلا أدنى لباقة أو لياقة أو ترفّع عن السفاسف. وما معنى أن لا يُعطى الحكم الدوليّ الصوماليّ عمر عبد القادر أرتان تأشيرة دخول إلى "جنّة عدن" رغم أن مشاركته التحكيمية مقررة سلفًا من الاتحاد الدولي. الطُرفة المفجعة أن حجة حرمان أرتان من التأشيرة حملت أبعادًا أمنية و(إرهابية)، فهل يعقل هذا؟ وما معنى تأخير تأشيرة المدافع المغربي زكرياء الأحادي؟ وربما لا يحصل الأحادي على التأشيرة أبدًا.
كان من الممكن أن نقول نحن وهو (بالنّاقص)، ولكن اللاعب يريد أن يدافع عن ألوان بلده وحظوظ منتخبه الذي وصل في المونديال القطري (الأهم والأوجب) إلى مديات لافتة، وحقق نتائج لم يحققها العرب ولا الأفارقة من قبل، وحاجته للتأشيرة لا علاقة لها بهوس السفر إلى أميركا كما هو، للأسف الشديد، حال ملايين المهزوزين المهزومين في بلاد شرق الكوكب وجنوبه.
كل هذا وغيره يفتح الباب واسعًا على النقاش حول مدى عدالة النظام الكروي العالمي في ما يتعلق بالتأشيرات وحريّة التنقل والعقوبات والاعتبارات السياسية. وكثيرًا ما يطرح نقّاد المنظومة الرياضية سؤالًا مشروعًا: هل تستطيع الرياضة أن تكون محايدة حقًا في عالم غير محايد؟ فعندما يُحرم لاعب أو إداري أو صحافي من السفر لأسباب سياسية أو إجرائية أو أمنية، يشعر كثيرون أن شعار "الرياضة تجمع الشعوب" يصطدم أحيانًا بوقائع القوة والنفوذ والعلاقات الدولية. في المدرجات يبدو العالم متساويًا؛ علم إلى جوار علم، ومشجع إلى جوار مشجع. أما خارج المدرجات، فإن تفاوت القوة بين الدول يعود ليظهر في التأشيرات والحدود وإجراءات السفر وفرص التأثير.
المونديال لم يعد منذ زمن مجرد بطولة كرة قدم، بل صار ما يشبه معرضًا عالميًا متنقلًا لثقافات الشعوب. وحين نتابع مباراة بين ألمانيا، على سبيل المثال، ودولة لم نسمع بها من قبل اسمها كوراساو (ابني نطقها تندرًا كرواسان)، فإن دافعية الفضول تأخذنا مباشرة إلى مواقع الشبكة العنكبوتية، ومنصات المعلوماتية، لنعرف أكثر عن هذا البلد الصغير، خصوصًا أن جمهور هذه الجزيرة الصغيرة من بين جزر الأنتيل الصغرى، التي كانت، يومًا ما، مستعمرة هولندية، لم يتوقّف عن تشجيع منتخب بلاده رغم الأهداف التي ظلت تتوالى على مرمى منتخبهم حتى بلغت السبعة، وشعر بالامتنان للاعبيه الذين تمكّنوا من إحراز هدف في مرمى المانشافت. والأمر نفسه مع هاييتي والرأس الأخضر وعموم البلاد التي تصل النهائيات لتخبرنا من هي ومن هم أهلها. بلاد بعدد سكان لا يزيد أحيانًا على سكان حي في عمّان، أو في أي مكان، ومساحة بعض الدول المشاركة قد لا تزيد على مساحة أحياء في البلاد الكبيرة الشاسعة (عدد سكان كوراساو، على سبيل المثال، لا يتعدى 150 ألف نسمة، ومساحة دولة الرأس الأخضر التي تعادل منتخبها في مباراته الافتتاحية مع إسبانيا، لا تتعدى 4000 كيلومتر مربع)!
لعل أهم أهداف كأس العالم لا تُسجَّل داخل الشباك، بل داخل الوعي الإنساني؛ فكل منتخب يصل إلى المونديال لا يحمل أحد عشر لاعبًا فقط، بل يحمل معه ذاكرة شعبه ولهجته وأغانيه وأطباقه وأحلامه. وهكذا يتحول المونديال، مرّة كل أربعة أعوام، إلى أكبر مهرجان تتعارف فيه شعوب الأرض بدون حاجة إلى مترجم.
ولعل واحدًا من أهم منجزات أي مونديال هو تحطيم الصورة النمطيّة التي قد يكرّسها الإعلام المأجور، أو المستلب لأجندات ساسته وحزبه ومنظومته وعِرقه، إذ قد تكون دولة ما محاصرة بصورة نمطية في الإعلام، ثم يأتي المونديال ليقدمها بصورة أخرى؛ فإذا بالمشجع لا يرى في لاعبي منتخب البلد المستهدف بفرض صورة نمطية حول بلده وناسه، وفي جمهور هذا البلد، ما أراد له إعلامه المُضلِل أن يراه، لا يرى إرهابيين، ولا متجهّمين، بل يرى عائلات وأغاني ورقصات ولهجات وأعلامًا زاهية الألوان ووجوهًا تضحك وتبكي مثلها مثل بقية البشر.
يفتح المونديال أبوابًا مشرعة لِفرص تلاقي الشعوب في مواجهة الإقصاء والتهميش وهيمنة رأس المال على الرياضة بعد هيمنته على السياحة والسياسة والاقتصاد.
ولأن مونديال 2026 هو أكثر مونديال تشارك فيه دول للمرّة الأولى في تاريخها، فإن هذه التفصيلة تجعل من فاعلية التعارف والتقارب والتلاقح أكثر حيوية وإمكانية وذات معنى وقيمة، كما أنها تجعل إمكانية التعرف على المنسف الأردني في أول مشاركة للأردن في المونديال قائمة ومشوّقة، وأنتم جميعكم مدعوون على منسف سأولِم له في أي بلد تختارونه إن عاد إلينا أبناؤنا في المنتخب الوطني مرفوعي الرأس وهم يحملون الكأس الغالية... قولوا آمين.


تحميل المقال التالي...