حين أطلّ من صفد على نوستالجيا الكتابة عن فلسطين، فهذا لا يعني أنني أهرب من استحقاقات اللحظة المتعيّنة، حيث يواصل المونديال فرض نفسه بوصفه موضوع الأحاديث والتنافسات والمراهنات والمكايدات الودودة والتجاذبات اللارياضية، وَحيث يتشارك الناس أجمعين، على سبيل المثال، صورة المشجع الكونغولي الذي يظل طيلة مباريات منتخب بلاده "الكونغو الديمقراطية" واقفًا متخذًا هيئة البطل الشعبي الرمز بالنسبة للأفريقيينَ جميعهم، مقلدًا طريقة وقوفه التي تحوّلت إلى شيفرة تحرّر من كل استعمار واستغْفال ونهب خيرات شعوب، وأقصد هنا المشجع ميشيل نكوكا مبولادينغا الذي بوقفته وملابسه وتعابيره وثباته وعزيمته وتحوّله إلى أيقونة من أيقونات مونديال الرياضة والسياسة، إنما يستحضر باتريس إيميري لومومبا قائد استقلال بلاده، وشهيد صرخة الحرية الباقية.
وحين أطلّ من عمّان على صفد وألقي على جليلها السلام، فكل ما أقدم عليه أنني أترك موّال بحرها يأخذني في رحلة فوق بساط الريح نحو الأندلس، ويدوْزن لي دقائق الرحلة بتراويدَ تشعل أوتار الروح، وتسكبُ فوق سجّادة الصلاة قرابين المجد، وتنسجُ أبهى جداريات الموزاييك الدافئة الحميمة المتصالحة مع مفردات ألوانِها وتجليّات فسيفسائِها.
صفد... المتربعة فوق الركن الجليل من بلادنا فلسطين، العامرة بالنّسيم، الشاهقةُ مثل معراج لا ينتهي، الطالعةُ من كرم عنب، البعيدةُ كزهرِ اللّوز أو أبعد، الزيتونيّة مثل كل فلسطين، البهيّة مثل أغنيةٍ عن مولاي جلال الدين، الكثيرةُ البساتين، العصيّة لولا الرهانات الخاسرة، الأبيّة رغم تغيّر المعالِمِ وتراكُم المظالِم، المشعّة بقبسٍ من بحر يافا وعكا وحيفا، المجدولة ببعض سيوف الظاهر، العليّةُ مثل جبل كنعان وأبناء كنعان، الحصينةُ مثل قلعة لا تنحني، الشهيةُ مثل كأس نعناع بالليمون، الدافئةُ مثل بحيرة طبريا، الراسخةُ رغم الزلازل كلّها، أثيرةُ الشّهابيين. يا شرفة الجليل هل ما تزال ساعتكِ القديمة تدق على مواعيد الانتظار الحر واليوم الجليل؟ هل ما يزال الهواء هو الهواء النديّ العليل؟ وما أخبار الحَواري المرصوفة بأحجار الزمان؟ وهل ما يزال الجوريّ الأبيض يعبق بالأمل؟ وهل ما يزال اليونسيّ مسجدًا أم صار خرابةً؟ من ترك البيوت يا صفد، تلك المزدانة بالحجر الورديّ الجميل؟ من هَجَرَ المواويل؟ وبأي أخلاق يقيم اللص في بيوت ليست له؛ لم يبنِ مداميكَها، لم يجبُل خلطةَ تشييدِها، لا يعرف طِباعها، لا تشبههُ ولا يشبهُها، أيّ لص قَميء ذاك؟ وأيّ عصابات شكّلت تضاريس خرافاتِهِ وأكاذيب سرديّته؟
شرفة الجليل
من معاني العطاء حملت صفد (أو صفت) اسمها... كنعانيةُ البدايات... تزهو، في أقصى شمال فلسطين، بإطلالتها على جبل عامل وبنت جبيل وأجمل الوشائج مع جنوب لبنان... وزمان، عندما لم يكن لا سايكس ولا بيكو، كانوا يجهّزون العروس الصفدية، أو الطبرانيّة، أو الظاهرية، من بنت جبيل (حيث سوقها من أشهر أسواق الجليليْن؛ اللبناني والفلسطيني)، يشترون لها الثوب الخَميل المطرّز بالجلال، وحليّ الذهب والفضة، والأدوات المنزلية... بعض قرى طبريا وصفد كانوا يجهّزون العروس من أسواق صوُر... فالمُفاضلة، هنا، بين صور وبنت جبيل، كانت تعتمد على عديد الاعتبارات من بينها قرب القرية من صور، أو قربها من بنت جبيل، كما أن بضائع صور كانت أغلى ثمنًا، وبالتالي كانت الأُسر الأيْسر حالًا هي التي تؤثر صور على بنت جبيل...
التسوّق من بنت جبيل لم يكن يقتصر على جهاز العروس فقط، بل كان يشمل، إلى ذلك، المقايضة، وتبادل البيع والشراء، بل حتى إن الأمر تعدّى كل المسائل الاقتصادية التجارية إلى المصاهرة الاجتماعية، والامتدادات الدينية الصوفية، وتنقُّلِ المعلمين بين المدينتيْن: صفد وبنت جبيل... وكذلك تبادل الأئمّة ورجال الدين... وربما كل هذا وغيره هو ما دفع كبار السن هنا وهناك لأن يقولوا "إن الحدود التي نشأت بعد الحرب العالمية الأولى ثم أُغلقت نهائيًا بعد 1948، قطعت نسيجًا اجتماعيًا واقتصاديًا كان قائمًا منذ قرون". عروس من صفد، أو الصفصاف تنتظر زفافها، يسافر والدها، أو والدتها رفقة شقيقتها، أو الثلاثة معًا (لا تسافر العروس، خجلًا وحشمةً، معهم)، إلى بنت جبيل ليعودوا بِقماش الثوب وحليّ الزينة وصندوق الجهاز، فإذا بِبنت جبيل تغدو جزءًا من الحكاية، ومن ذاكِرات العوائِل، ومن خفقات قلب عروس تنتظر المسرّات، وإذا بشرفة الجليل تعرف جيدًا من تُناظر، وعلى من تطِل، وإلى من تبثّ أشجان وجودها الراسخ في الأرض والأغنيات.
من أحياء صفد: الأكراد والديّانة والجُورة والقلعة أحسن أحيائها عمرانًا باشتمالِهِ على 100 بيت عريق، والبُرج والصّواوين وجامع الأحمر والوَطاة والسوق. وباستثناء ما يقرب من 400 بيت آجرية السقوف، حديثة الطراز، فإن بقية بيوت صفد مبنية على الطراز القديم بالحجارة البيضاء، ومتلاصقة بعضها ببعض. وتتألّف أكثر بيوت صفد من طابق واحد. تعبُرُ أراضيَ صفد أربعةُ أنهار هي: حاصبيّا وبانياس والدّان والبريغث. إنها أنهار كانت، قبل اليباب، تنبع من جبل الشيخ وتصب في نهر الأردن. كانت صفد تشتهر، ولا أدري إن كانت ما تزال، بأشجار اللوز والزيتون والعنب والبساتين... ينابيعها، كانت، كثيرة... وخيراتها، كانت، غزيرة. أكثر من 30 ألف كان عدد الأهل في صفد حين نكبتها في عام 1948. ولكن العصابات لا تريد من يذكّرها بجريمتها، فعملت على أن تخلو المدينة من أهلها، والبيوت من بُناتِها، والدّكاكين من تطلّعات أصحابها، فإذا بعائلاتها من شتّى الأصول والمنابت تغادرها مقهورة دامعة ساخطة؛ المغربي والحلبي والحجازي والقدسي والكردي والعباسي والعثماني، والوقّاد، وشمّوط، والباش، والنقيب، وأبو صالح، وحميد، ودنديس، ودرويش، والخطيب وشهاب، ناهيكم عن عائلات قرى صفد وما حولها: آل الأسعد، حسين، مصطفى، الخالدي، الطهّان ويونس وعائلاتٌ وحمائلُ وعشائرُ أُخرى كثيرة؛ تجاورت مع شقيقاتها من باقي مدن فلسطين، حملت، وما تزال، الأحلام نفسها، والعادات، والذكريات، والموروث والملامح واللهجات ومواعيد الحقل والبيدر وأغاني الحصاد نفسها، كلهم، وأكثر من مليون فلسطيني، هُجّروا بأبْشع عملية تطهيرٍ عرقيٍّ عرفها تاريخ البشرية، أو ما تبقّى منها تلك البشريّة المدّعاة.
تطهيرٌ عنصريٌّ إجراميٌّ على مرأى العالم ومسمعه. على مقربةٍ من بحرِ تلاقي حضارات يشبه أرض كنعان، ارتكبت العصابات جريمة قتل صفد. شرفة السماء فوق جبل كنعان شهدت تفاصيل الجريمة جميعها. من مخاتير صفد الباقين حتى يومنا هذا: أبو خليل (إميل صرصور، 83 عامًا)، المختار أبو معروف، المختارة فوزية الدنّان (83 عامًا)، أبو سالم، أبو أيمن (سَرِي العسكري (95 عامًا) مختار المخاتير وأكبرهم عمرًا، قاتل دفاعًا عن صفدِهِ وعن عموم فلسطين وأصيب في ترشيحا)، أبو الفدا (محمد الحوراني من مواليد حارة الوَطاة في عام 1940، وبيتهم كان لصق الجامع الأحمر)، عمر فارس (73 عامًا)، محمد قصّاد. ومن محاميها المشاهير عارف حجازي الذي بدأ مدرّسًا للغة العربية وآدابها ثم نال إجازة الحقوق. ومن مدارسها الشهيرة المدرسة الراشدية في حارة النصارى ومالكها من بيت الندّاف. أما عائلة الصفدي في الشام فهم بالأصل أبناء عائلة قدّورة، وأما صُبُح سورية فهم أنفسهم صُبُح صفد، وكذلك عائلة عيسى هنا وهناك. بالنسبة لِبيت فاخري فقد واصلوا التنقّل، قبل النكبة وبعدها، بين سورية والأردن منطلقين، أساسًا، من صفد. يقول المختار أبو أيمن "الشام بالنسبة للصفديّة كانت منتزه". ومن خانات (فنادق) صفد يذكر مختار المخاتير في لقاء جمعه مع باقي المخاتير عبر منصّة زوم، خان الدبّور وخان نجمة الدبّور، إضافة إلى خان أبو خلف قرب زقاق بيت غنيم وليس بعيدًا عن مقهى أبو سلمى تحت الدرج ومقهى أبو العينين، وهو، بحسب المختار سرِي، كان من أهم فنادق صفد في ذلك الزمان، وبِما نسميه اليوم فندق خمس نجوم (لاحقًا اشترى الخان شخص من دار القوسي وحوّله إلى منجرة). ويوضح أبو أيمن أن الدّبابرة كانوا يُغرون المسافرين باخْتيار خاناتهم من خلال إعادة تأهيل خيول أولئك المسافرين، وتبديل حَدَواتها، وهي الخدمات التي كانت ضرورية أيامهم. عبد الحي سعيدان كان من أمهر صنّاع الأحذية في صفد، وبعد النكبة انتقل بمهارته وخصوصيته إلى حي محي الدين الدمشقي، وفتح هناك محل أحذية واصل عمله فيه لأن الحياة لا تنتظر ولقمة العيش أيضًا لا تنتظر. أبو أيمن يوضح، وفي سياق تطرّق اللقاء لطبيعة العلاقة بين مسيحيي صفد ومسلميها، أن سعيد الخوري أكبر باعة السمك في البطيحة الصفديّة هو وأفراد أسرته، ولاحقًا مؤسس شركة (تريبِل سي) الهندسية ومالكها (مع شريكه)، كان يساعد أبناء صفد أجمعين، ويقدم منحًا دراسية للطلبة من أتباع الدينيْن، شِفاء ابنةُ أبي أيمن أكملت ما بدأه والدها قائلةً إن أسرة سعيد الخوري يواصلون هذا المسعى، وقد قاموا حديثًا بإعادة تأهيل جمعية أبناء صفد في العاصمة الأردنية عمّان إنقاذًا لها ومنعًا لبيعها، فأردف والدها (كل سنة بصلحوا وبساعدوا ويقومون بأعمال خَير). أبو خليل أوضح بدورِهِ أن المناضل الفلسطيني وديع حداد (1927-1978) هو ابن صفد (أحد مؤسّسي الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين والرفيق الأقرب لجورج حبش)، وأن لأبيه سمعة ناصعة أيام البلاد كمعلم لغة عربية عتيد أقام في حيفا، بسبب عمله، ردحًا من الزمن، وهناك تلقّى وديع تعليمه الابتدائيّ والإعداديّ والثانويّ.
البحر في عيونها صفد... الجولان في مرمى وجدانها... الجليل بساطٌ تحت أقدام سطوعها... وادي الأردن ليس بعيدًا عنها... الجاعونة واحدة من قراها... حيث القائد الشهيد عبد الله الأصبح ما يزال يصبّح على الصفصاف، يسند القسّام، ويحمل همَّ أمّته على الأكتاف... وحيث الترانيم فيها قبسٌ من مسيح فلسطين، ومن رمزية الصلب في مواجهة كل خذلان... الملاية الصفدية بحزّها الذهبي وخيطها الأسود تنشر الوقار فوق أجساد النساء، والشرفة... ذات الشرفة... تطل على السّاطع من بلاد الشام.
صفد المقاوِمة
رغم شحّ الرصاص، وتأخّر المَدد، وتكاثر الأعداء، وشراسة العصابات الآتية من أصقاع الأرض بأحلام سرقة كبرى، إلا أن رجال صفد ونساؤها قاوموا وقاوموا وقاوموا؛ الرجال بالمواجهة من المسافة صفر؛ في القلعة وحي الأكراد وباقي الأحياء، والنساء بالأهازيج، وإيصال لقيْمات الصمود، وشحن معنويات المجاهدين. واصل أبناء الأرض الأصليون الدفاع عن أرضهم أسابيع ممتدة، لكن المَدافع التي أهداها الاستعمار لمن رغبوا أن يغادروهم إلى غير رجعة، وفرْق العدّة والعَتاد، واسْتشراس المجرمين الذين أيقنوا أن الغرب لا يريدهم ثانيةً بين ظهْرانيه، كل هذا وغيره حوّل القتال الذي وصل إلى كل زاوية وتلّة وشارع، إلى استنزافٍ دمويٍّ نفدت خلاله آخر رصاصات الأبطال الميامين، وانسحب النظاميون من العرب العاربين، ودبّ الذعر بين المدنيين الذين ظلوا طوال وجودهم الكنعانيّ العتيق مجرد أناس مسالمين؛ يعشقون الحياة، ويعمرون الليالي بالأغاني، ويرفعون أركان الفرح.
مختلف ما تقدّم وغيره، جعل صفد تتربّع مكانة كريمة في الذاكرة الفلسطينية بوصفها رمزًا لمدينةٍ قاومت ولم تستسلم طوعًا، وسطّر أبناؤها وأبناء الصفصاف والجاعونة وعَلْما والقرى المجاورة كثيرًا من القصص عن الحراسة الليلية، ونقل الذخيرة، وحفر المتاريس، وانتظار نجدةٍ لم تصل.
الشرفة، كما أسلفنا، هي ذات الشرفة يا صفد... الجليل وهادُها... بنت جبيل وجهتُها، حيث تواصل عروس الجنوب اللبناني أيامنا هذه ما كانت استهلّته عروس الشمال الفلسطيني أيام البلاد من مقاومة للاسْتعمار والاستيطان؛ الاسْتعمار المتمثل بأبناء العم سام وأحفاد الإنكليز، والاستيطان الصهيوني الذي لا يردعه رادع ولا تحدّ من وضاعتهِ لا قوانين ولا مواثيق ولا مذكّرات جلْب.


تحميل المقال التالي...