}

هل الفقراء فقراء لأنهم كذلك حقًّا؟ (2 ــ 2)

شهيرة لاشين 7 يونيو 2026
اجتماع هل الفقراء فقراء لأنهم كذلك حقًّا؟ (2 ــ 2)
(Getty)

(3)

كيف يسكن الفقر الجسد؟
في التصور الماركسي التقليدي، يُنظر إلى الطبقة العاملة باعتبارها تعيش حالة من الوعي الزائف. إذ تحجب الأيديولوجيا البرجوازية عن العمال حقيقة استغلالهم، ويُفترض أن الحل يكمن في كشف هذا الحجب لكي يصلوا إلى الوعي الطبقي، ومن ثم إلى الثورة. غير أن بيير بورديو يرى أن المشكلة تتجاوز مجرد الخداع الأيديولوجي. فالفاعلون الاجتماعيون يفهمون قواعد اللعبة الاجتماعية التي يعيشون ضمنها، ويطوّرونها عبر خبرتهم اليومية، بفضل ما يسميه "الحس العملي"، وهو إدراك ضمني يجعل الفرد يعرف تلقائيًا ما يبدو ممكنًا، أو غير ممكن، بالنسبة إلى موقعه الطبقي. وبالتالي لا يحتاج الفرد إلى أوامر صريحة ليدرك حدوده، لأن هذه الحدود تتحول إلى جزء من تكوينه النفسي والاجتماعي، وتشكّل نظرته إلى ذاته، وإلى العالم.
ولتوضيح كيف يعمل هذا الإدراك المتجسد، يستحضر بورديو في كتابه "بؤس العالم" قصة موظف من أصول شعبية وصل إلى منصب إداري، لكنه ظل أسيرًا لتوتر دائم وعدم ارتياح. لم يكن يعرف كيف يحرك يديه أثناء الاجتماعات، ولم يفهم النكات، أو الإشارات الثقافية التي يتبادلها زملاؤه القادمون من عائلات ثرية. هنا يتجلى مفهوم "الهابيتوس"، فعلى الرغم من امتلاكه المال والمنصب، بقي هابيتوس طبقته الشعبية محفورًا في جسده ولغته وسلوكه، جاعلًا إياه يشعر بأنه في غير مكانه حتى مع نجاحه الظاهري.
من خلال مفهوم الهابيتوس، سعى بورديو إلى تجاوز الثنائية التقليدية التي حصرت الإنسان بين حرية فردية مطلقة وحتمية اجتماعية صارمة. فبدلًا من التساؤل عمّا إذا كانت اختياراتنا نتاج إرادة حرة خالصة، أم أننا مجرد قطع شطرنج تحركها البنى الاجتماعية، قدم الهابيتوس طريقًا ثالثًا.
الهابيتوس في جوهره نظام داخلي من الميول والتصورات والعادات المتجذرة يعمل في الخلفية، ويوجه إدراكنا للعالم وطريقة تصرفنا فيه من دون وعي مباشر في الغالب. ويتشكل هذا النظام تدريجيًا عبر الطفولة والتنشئة والخبرات اليومية. لذا يختلف اختلافًا عميقًا بين من نشأ في أسرة من الطبقات المهيمنة المتعلمة، ومن تَشكّل وعيه داخل بيئة ريفية، أو عمالية. طريقة الكلام، والإحساس بما هو ممكن، أو مستحيل، وما يبدو طبيعيًا، أو غريبًا، كلها تتشكل داخل هذا المخزون غير المرئي الذي يحمله الفرد معه أينما ذهب.
هو، إذًا، مجموعة من الاستعدادات والميول التي تسكن الجسد والعقل، لكن وظيفته لا تقتصر على تكرار ما ورثناه، فهو بنية مولِّدة ينتج استجابات جديدة في مواقف جديدة، غير أنها تظل منسجمة مع منطقه الأصلي. إنه يجعلنا نميل تلقائيًا نحو ما نراه متاحًا وممكنًا، ونستبعد ما يبدو بعيدًا عن واقعنا. ولتوضيح هذه الآلية لنأخذ مثالًا: كثير من عمال البناء لا يضعون السكن في قصر ضمن طموحاتهم وأحلامهم، لأن فكرة امتلاك قصر غير موجودة أساسًا في برنامجهم الذهني والسلوكي. هابيتوسهم لم ينتج هذه الرغبة من الأساس، فهي خارج أفق الممكن بالنسبة لوضعهم.
يتضح هنا الفرق الجوهري بين الهابيتوس والوعي الزائف الماركسي. هذا النوع من القبول العميق والمتجسد أكثر رسوخًا من الوعي الزائف، فالوعي الزائف يتغير بالخطاب والشرح والتبصير الأيديولوجي. أما الهابيتوس فمتجذر في الجسد، وفي البنى اليومية المعيشة، وتغييره يتطلب تغيير الشروط الاجتماعية والمادية التي أنتجته من جذورها.

انشغل دوركايم بسؤال كيف يلتزم الأفراد بالقواعد حتى في غياب الرقابة الخارجية


لفهم هذه الفكرة بعمق أكبر، يستفيد التحليل من إميل دوركايم (1858 ـ 1917)، ومفهومه عن السلطة الأخلاقية للمجتمع. فقد انشغل دوركايم بسؤال كيف يلتزم الأفراد بالقواعد حتى في غياب الرقابة الخارجية. ورأى أن المجتمع يغرس سلطته داخل الأفراد على هيئة ضمير وإحساس بالواجب، والخجل من مخالفة المعايير. فالإنسان يمتنع عن الكذب بسبب شعوره بالذنب رغم غياب الرقيب، ويعكس هذا الشعور حضور المجتمع داخله.
يتحقق هذا الغرس عبر التنشئة الاجتماعية التي تبدأ منذ الطفولة. يأتي الطفل إلى العالم صفحة بيضاء من الناحية الاجتماعية، وتعمل الأسرة والمدرسة والدين واللغة على ترسيخ قواعد المجتمع فيه حتى تصبح جزءًا من تكوينه الشخصي. مع الوقت، تتحول القاعدة التي كانت مفروضة إلى سلوك مرغوب، ويصبح الالتزام الذي كان إجباريًا طوعيًا. احترام كبار السن مثال واضح على ذلك؛ يكتسبه الإنسان عبر آلاف المواقف والتوجيهات حتى يمارسه تلقائيًا ويشعر بالضيق عند مخالفته.
استفاد بورديو من هذا التصور وطوّره من خلال مفهوم الهابيتوس. فبينما ركز دوركايم على تفسير التضامن الاجتماعي، وكيفية إنتاج مواطنين يلتزمون بقواعد عامة موحدة، انصب اهتمام بورديو على تفسير كيفية إعادة إنتاج اللامساواة، وكيف يُنتج المجتمع فاعلين يمتلكون حسًا عمليًا يتناسب مع مواقعهم الطبقية المختلفة. ولكي يوضح هذا التصور المركب، صاغ معادلة تحليلية شهيرة مفادها أن: الممارسة = [الهابيتوس × رأس المال] + الحقل.




وتعني هذه المعادلة أن سلوك الإنسان لا يصدر عن قرار عقلي حر ومستقل فقط، وإنما هو نتاج تفاعل ثلاثة عناصر أساسية: أولًا، هابيتوسه، أي مجموع الاستعدادات والميول التي اكتسبها. ثانيًا، رأس المال الذي يملكه، سواء كان اقتصاديًا، أو ثقافيًا، أو اجتماعيًا. ثالثًا، الحقل الذي يوجد فيه، وهو الفضاء الاجتماعي بقوانينه وتقاليده الخاصة.
وفقًا لهذا المنظور، لا يتقن الفرد قواعد اللعبة إلا في الحقول التي يتوافق فيها هابيتوسه مع أشكال رأس المال التي يملكها. ومن هنا يمكن فهم الآلية العميقة التي تعمل بها الهيمنة الاجتماعية. فعلى سبيل المثال، عندما يدخل شخص نشأ في بيئة برجوازية إلى مطعم شعبي قد يشعر باغتراب جسدي واضح؛ فهو لا يعرف كيف يطلب، وقد يجد أن الطعام ثقيل، أو أن أجواء المكان غير مريحة، لأن هابيتوسه لم يُهيأ للتعامل مع رموز هذا الحقل. وفي المقابل، فإن الشخص الذي انتقل من الفقر إلى الغنى قد يمتلك رأس المال الاقتصادي الذي يسمح له بدخول المطاعم الفاخرة، لكن هابيتوسه الطبقي القديم يظل محفورًا في جسده. لذلك قد يميل تلقائيًا إلى اختيار الأطباق المُشبِعة بدلًا من الخفيفة، ويرتبك أمام قوائم الطعام المكتوبة بلغة أجنبية، وربما يأكل بسرعة كأنه يخشى أن يُسحب الطبق منه. ما يفتقر إليه هنا ليس المال، بل تلك الأريحية المكتسبة التي تسمح بالتعامل العفوي مع الرموز الثقافية للحقل.
ينسحب الأمر نفسه على فضاءات أخرى، كالمتاحف، ودور الأوبرا، وجلسات النقاش الأكاديمي. فأبناء الطبقة المهيمنة يتعاملون مع هذه الفضاءات بارتياح طبيعي، لأن زيارتها والتفاعل مع رموزها جزء من تنشئتهم المبكرة. أما القادم من تجربة اجتماعية مختلفة فقد يدخل هذه الفضاءات وهو يحمل شعورًا دائمًا بأنه مراقب، وبأنه عرضة لارتكاب الخطأ في أي لحظة، وبأنه أشبه بالمتسلل في مجتمعات الصفوة.
الفقر، بهذا المعنى، هو عملية تدجين بطيئة وطويلة الأمد، تؤثر تدريجيًا في نظرة الإنسان إلى نفسه، وتدفعه إلى مراقبة ذاته وضبط تصرفاته، مع توجس دائم من العلامات التي قد تكشف موقعه الطبقي. ويتحقق أكبر انتصار للسلطة حين ينشغل الفرد بمحاولة إثبات أنه يستحق الاحترام، أو بالسعي إلى إخفاء آثار فقره، بدل التفكير في الأسباب الاجتماعية التي تجعل الفقر مستمرًا من الأساس.

(4)
مصنع إنتاج المواطن الفائض

الإضافة النوعية لبورديو تمثلت في تأكيده أن إعادة الإنتاج تمتد إلى المجال الثقافي والرمزي


لا يمكن فهم استمرار الفقر عبر الأجيال إلا بالعودة إلى مفهوم "إعادة الإنتاج" الذي طوره بيير بورديو. وقد تبلور هذا المفهوم بالاشتراك مع جان كلود باسرون في كتابهما "إعادة الإنتاج: في أسس نظرية النظام التعليمي" الصادر عام 1970، ثم تعمق تحليله لاحقًا في مؤلفه "التمييز: النقد الاجتماعي للحكم" عام 1979. ويقصد بهذا المفهوم مجمل الاستراتيجيات البنيوية الخفية، خصوصًا في الحقل التعليمي، التي تضمن نقل مواقع الهيمنة والخضوع من جيل إلى آخر، مع إضفاء الشرعية على هذا التوريث عبر تصويره كنتيجة طبيعية للكفاءة والجهد الفردي.
يتمثل هذا المفهوم في العملية التي تحافظ على البنية الطبقية القائمة، بحيث يميل أبناء الطبقات الميسورة إلى المحافظة على امتيازاتهم، في حين يظل أبناء الطبقات الفقيرة في مواقعهم الدنيا. وتتحقق هذه العملية ضمن ما يسميه بورديو "اللعبة الاجتماعية" التي تتظاهر بالحياد وتكافؤ الفرص، بينما هي في جوهرها محكومة بشروط غير متكافئة. فما يعاد إنتاجه لا يقتصر على الثروة المادية، وإنما يشمل البنية الطبقية بأكملها، من توزيع رأس المال الاقتصادي والسلطة، إلى أنماط الذوق الثقافي، وصولًا إلى التصرفات الجسدية المكتسبة، كطريقة المشي والكلام.
وقد صاغ بورديو هذا المفهوم بعد تجاوز نقدي لأطروحات كارل ماركس. فقد استعار منه الفكرة الجوهرية القائلة إن أي نظام لا يكتفي بإنتاج السلع، وإنما يعيد أيضًا إنتاج الشروط التي تضمن استمراره. فالرأسمالية تنتج السيارات والملابس، وتنتج في الوقت نفسه "عمالًا" مستعدين لبيع قوة عملهم، و"رأسماليين" يملكون وسائل الإنتاج. غير أن الإضافة النوعية لبورديو تمثلت في تأكيده أن إعادة الإنتاج تمتد إلى المجال الثقافي والرمزي. فاستمرار الهيمنة يتطلب اقتناع الخاضعين لها بأن وضعهم الطبقي أمر طبيعي وعادل، وهو ما يضمن استدامتها من دون حاجة إلى القوة المباشرة.

لا يمكن فهم استمرار الفقر عبر الأجيال إلا بالعودة إلى مفهوم "إعادة الإنتاج" الذي طوره بيير بورديو بالتعاون مع جان كلود باسرون


ولتوضيح كيف يعمل هذا التوريث على أرض الواقع، يمكن الاستناد إلى بعض الشهادات التي جمعها بورديو في كتابه "بؤس العالم". تختصر إحدى الأمهات في الستين من عمرها هذه الآلية بقولها: "علّمت بناتي منذ الصغر: الأرز إذا نُقع ازداد، والبطاطس تُشبع، والعدس بركة. علمتهن أن يشربن الماء كثيرًا قبل الطعام لتمتلئ بطونهن. علمتهن أن يضحكن وهن محرومات كي لا ينكسر قلب أبيهن. والآن، هن يفعلن الشيء ذاته مع أبنائهن. لقد ورثتهن الفقر، وورثتهن كيف يخفينه. هذا هو إرثنا". ومن هذه الشهادة يتضح أن الفتاة لا ترث فقر أمها فقط، وإنما ترث معه مهارات البقاء داخله، فتصبح خبيرة في إخفائه قبل أن تنضج كامرأة.
وهكذا تكتمل دورة الإنتاج وتتواصل عبر الأجيال؛ الجدة علمت الأم كيف تخفي الفقر، والأم علمت البنت، والبنت الآن تعلم الحفيدة. فالإرث الحقيقي هنا ليس المال الذي لم يملكنه أصلًا، وإنما الخبرة المتراكمة في جعل اللاشيء يبدو شيئًا.
توريث الفقر لا يحدث عبر الأمهات فقط، وإنما ينتقل أيضًا من الآباء إلى الأبناء بطريقة أعمق. فعندما يشاهد الابن والده كل يوم يعود من العمل مُنهكًا وصامتًا وجسده محطم من التعب، فإن صورة هذا الأب تصبح رسالة قوية تصل للابن من دون كلام. الرسالة تقول إن نهاية طريق التعب هي الانكسار وضياع العمر بلا مقابل. لذلك عندما يرفض هذا الابن لاحقًا أن يعمل في وظيفة متعبة، فإن رفضه ليس كسلًا كما يظنه الناس. هو في الحقيقة يحمي نفسه من مصير شاهده بعينه في والده. لقد انكسر الأب قبل أن تبدأ حياة ابنه، فقرر الابن ألا يكرر التجربة نفسها.
ويطلق بورديو على هذه الحالة اسم فقر المعنى، ويقصد بها أن الابن يفقد الأمل والطموح وهو لا يزال شابًا، لأن والده فقد الأمل قبله. فالميراث هنا يتجاوز الفقر المادي ليشمل رؤية تشاؤمية للعالم، وقناعة ترسخت بأن اللعبة خاسرة قبل أن تبدأ. قد يصف المجتمع أحيانًا هذا الابن بأنه من الجيل الضائع، لكن بورديو يراه الشاهد الوحيد على الجريمة. إنه الجيل الذي عاين المشهد كاملًا؛ أم تقدّس الحرمان، وأب يقتله الصمت والتعب. والنتيجة الطبيعية هي أن يرفض قواعد اللعبة كلها من الأساس.
من خلال مفهوم إعادة الإنتاج الاجتماعي، يحاول بورديو توضيح أن الفقر ليس خللًا في النظام، بل هو نجاح بنيوي له. فالنظام مصمم بطريقة تخفي آليات عمله، وتقنع الأفراد بأن كل شخص يحصد نتائج عمله الخاص فقط، فإذا أخفق فرد ما، عُدّ إخفاقه دليلًا على تقصير شخصي. بهذه الطريقة يحمي النظام نفسه من الغضب الجمعي، لأن الغضب يتفتت ويتوجه نحو الذات؛ الضحية تلوم نفسها، والفقير يلوم فقيرًا مثله، والجميع يلوم الظروف. وفي النهاية، لا أحد يرى الآلة الكبيرة التي تعمل في الخلفية، ومهمتها الأساسية هي أن تنتج مواطنين فائضين باستمرار، ثم تقنعهم أنهم فائضون بإرادتهم.

خاتمة:
إذًا، هل الفقراء فقراء لأنهم "كذلك"؟ 
بورديو يجيب: نعم، لكن ليس بالمعنى الذي توحي به العبارة.
هم "كذلك" لأن ذوق الضرورة علمهم أن يرضوا بالمتاح، وأن يستبعدوا ما يبدو لهم بعيد المنال. هم "كذلك" لأن العنف الرمزي يُمارَس عليهم كل يوم. فالإعلام والإعلانات وصور الحياة المثالية تخبرهم باستمرار: أسلوب حياتكم ناقص، وذوقكم أقل قيمة، ومكانكم الطبيعي هو الهامش. وهم "كذلك" لأن الهابيتوس سكن أجسادهم، وجعلهم يتصرفون بطريقة معينة من دون وعي؛ يأكلون بسرعة لأن الوقت ليس ملكهم، ويتحدثون بحذر لأن أصواتهم غير مسموعة عادة، ويدخلون الأماكن الفاخرة بارتباك، لأنهم يشعرون أنهم غرباء فيها، متمنين أن تنشق الأرض وتبتلعهم.
العبارة، إذًا، صحيحة، لكنها تدين قائلها لا من قيلت فيه. الفقراء صاروا "كذلك" لأن عالمًا كاملًا صُنع لهم، هو عالمٌ يدربهم كل يوم على أن يكونوا "كذلك"، يحاصرهم بالندرة، ثم يلومهم على آثارها. يعرض عليهم الفائض، ثم يحاسبهم على شعورهم بالنقص.




إن أكبر خدع الهيمنة هي أنها أقنعتنا أن نحدّق في الضحية بدل أن ننظر إلى مسرح الجريمة. مفاهيم بورديو تفضح الآلة التي تصنع الفقر، ثم تلبسه للفقير كأنه ثوبٌ اختاره بنفسه.
حادثة موت الفتيات التسع عشرة (راجع القسم الأول) ليست فاجعةً عابرة تُطوى مع تشييع الضحايا، بقدر ما هي لحظة كاشفة تفضح اشتغال آليات الهيمنة في صورتها اليومية. فالنظام الاجتماعي لم يُجبر هؤلاء الفتيات مباشرةً على ركوب عربات الموت، لكن الفقر والحاجة ضيّقا المجال إلى الحد الذي جعل ذلك يبدو الخيار الوحيد الممكن مقابل مائة وثلاثين جنيهًا.
ومن هذا المنظور البورديوي، تبدو الحادثة مأساوية بمعناها البنيوي لا العرضي. فهي لا تشير إلى خطأ فردي، أو خلل طارئ، وإنما تكشف نظامًا متكاملًا يضمن استمراره عبر إعادة إنتاج الشروط نفسها التي قادت إلى المأساة. فالنظام لا يهتز بفقدان أفراده، لأنه مصمَّم أصلًا على تعويضهم واستبدالهم، كأن ما جرى لا يمس جوهره، ولا ينتقص من شرعيته، وإنما يؤكد قدرته على الاستمرار رغم الخسائر.
لقد أنتج تسعة عشر "ترسًا بشريًا فائضًا"، ثم استبدلها في اليوم التالي بأخرى جديدة، من دون أن تتزعزع شرعيته لحظة واحدة.
هذا المشهد يجسد بدقة مفهوم "العنف الرمزي" عند بيير بورديو. إذ لا يثير المشهد صدمة كافية في الوعي الجمعي، لأنه مُصنَّف مسبقًا ضمن طبيعة حياة الفقراء. ويبلغ العنف الرمزي ذروته في خطاب الجار. فهذا الجار ليس جلادًا بالمعنى المباشر، هو نفسه ضحية ناجحة للعنف الرمزي، إذ استبطن خطاب السلطة الذي يحمل الفقير مسؤولية فقره، حتى صار يردد أن الإنجاب في الفقر جريمة. هنا تبلغ الهيمنة ذروة عملها؛ فهي لا تحتاج إلى شرطي لكل مواطن، يكفي أن يقتنع المظلوم بأفكار ظالمه. وهكذا صار الجار الفقير يلوم جاره الفقير على فقره، ويرى موت بناته تخفيفًا لعبء اقتصادي. وعندما يبرر المقهور قهره بنفسه تنتصر السلطة من دون إطلاق رصاصة واحدة.
وجود طالبة هندسة بين الضحايا يهدم أسطورة التعليم بوصفه مصعدًا اجتماعيًا. فالمدرسة والجامعة تمنحان الشهادة، لكنهما لا تمنحان رأس المال الثقافي الحقيقي: شبكة العلاقات، واللغة، والشيفرات الخفية التي تفتح أبواب الحقول المغلقة. امتلكت الطالبة مؤهلًا أكاديميًا، لكنها ظلت غريبة عن حقل سوق العمل المحمي، فأعادها إلى الحقل الزراعي. وهكذا يعمل النظام التعليمي على إضفاء الشرعية على الفوارق الطبقية، لا على إزالتها. إنه يمنح الضحية وهمًا بأنها كانت على وشك النجاة، وهذا الوهم تحديدًا هو ما يجعل السقوط النهائي أكثر قسوة، لأنه سقوط من حافة الأمل لا من قاع اليأس.
ويقودنا ذلك إلى أن خروج الفتيات مبتسمات إلى العمل هو استراتيجية بقاء زرعها الهابيتوس في أجسادهن. لقد تدربت أجسادهن منذ الصغر على الاستيقاظ قبل الفجر، وعلى تقبل الأجر الزهيد، وعلى اعتبار العربة المكشوفة وسيلة نقل طبيعية. الأخطر من ذلك هو الهابيتوس الجمعي الذي ظهر في العربة التي خرجت في اليوم التالي. فالمجتمع كله مدرَّب على منطق الاستبدال الفوري. لا حداد يوقف العجلة، ولا صدمة تعطل الإنتاج. لقد أصبحت أجساد الفقراء مهيأة للموت قبل أن تموت، وكان الموت مكتوبًا في طريقة جلوسهن على ظهر العربة، وفي قبولنا الضمني لهذا المشهد.
وهذا كله يفضي إلى نتيجة واحدة؛ انعدام رأس المال الرمزي. فالفتيات كن يفتقرن إلى رأس المال الاقتصادي، ورأس المال الثقافي الفعّال، ورأس المال الاجتماعي الذي يحمي. وكانت النتيجة الحتمية صفرًا من رأس المال الرمزي، أي صفرًا من الاعتراف. المجتمع الذي لم يعترف بهن مواطنات كاملات الحقوق وهن أحياء، لن يمنحهن قيمة وهن ميتات، لذلك بدا موتهن رخيصًا، لأن قيمته تحددها بورصة رمزية كنّ خارجها تمامًا. لقد سقطت أرواحهن من حسابات الوجود، لأن الوجود نفسه صار سوقًا، ولم يكن لديهن فيه شيء للمساومة.
من القاتل إذًا؟
هنا نصل إلى السؤال الجوهري. وجواب بيير بورديو أن الهيمنة الحديثة لا تحتاج إلى إقطاعي واضح. القاتل هو "حقل" متكامل من العلاقات. الحقل الاقتصادي الذي يطلب عمالة مؤقتة بلا تكلفة، والحقل البيروقراطي الذي يتسامح مع غياب شروط السلامة، لأن الرقابة مكلفة، والحقل الإعلامي الذي يكيّف اللغة فيسمي الكارثة حادث سير، والحقل الرمزي الذي ينتج خطاب الجار. كل حقل يعمل وفق قواعده التي تبدو محايدة وتقنية، لكن محصلة عملها معًا هي تسع عشرة جثة. لا يوجد مذنب واحد يمكن الإشارة إليه، وهذه تحديدًا هي مأساة "المواطن الفائض"؛ بؤس بنيوي بلا خصم محدد، يتحول فيه الجميع إلى ترس، ويصبح موت الترس حدثًا لا يستدعي إيقاف الماكينة.

هوامش:
* كتاب التمييز: النقد الاجتماعي للحكم (بالفرنسية: La Distinction: Critique sociale du jugement)، من تأليف بيير بورديو سنة 1979، ويُعد من أبرز المراجع السوسيولوجية في القرن العشرين. صدرت ترجمته الإنكليزية سنة 1984 بعنوان Distinction: A Social Critique of the Judgement of Taste. أما الترجمة العربية فقد صدرت عن الشبكة العربية للأبحاث والنشر، بيروت، سنة 2024، بترجمة نصير مروة.
* كتاب بؤس العالم (La Misère du monde)، الصادر سنة 1993، وهو عمل جماعي أشرف عليه بيير بورديو، وضم شهادات ومقابلات ميدانية مطولة مع فقراء ومهمشين وعمال وشباب من ضواحي فرنسا. صدر العمل بالعربية في ثلاثة أجزاء عن دار كنعان للنشر سنة 2010، تحت عناوين: "رغبة الإصلاح" بترجمة محمد صبح، و"نهاية عالم" بترجمة سليمان حرفوش، و"منبوذو العالم" بترجمة رندة بعث. وقد كُتبت الاقتباسات الواردة من هذا العمل بتصرف وصياغة أدبية، بما يتناسب مع طبيعة الطرح ومساحته.

الدخول

سجل عن طريق

هل نسيت كلمة المرور؟

أدخل عنوان بريدك الإلكتروني المستخدم للتسجيل معنا و سنقوم بإرسال بريد إلكتروني يحتوي على رابط لإعادة ضبط كلمة المرور.

شكرا

الرجاء مراجعة بريدك الالكتروني. تمّ إرسال بريد إلكتروني يوضّح الخطوات اللّازمة لإنشاء كلمة المرور الجديدة.