نحن اليوم في سخنين، البلدة الفلسطينية التي ارتبط اسمها بالدفاع عن أراضيها مُفجّرة في 30 آذار/ مارس 1976، ما بات يعرف بيوم الأرض الفلسطيني... نحن اليوم في بلد يوم الأرض وهبّة القدس والأقصى... مركزها محوريٌّ لفلسطينيي مدن فلسطين المحتلة في عام 1948 وبلداتها، ودورها بالنسبة لهم قياديّ، ونضالها نوعيّ، وهي شاهد حيٌّ على عبق التاريخ، وكروم الذاكرة، ولهجة الشمال والوسط المفعمة بأغاريد العصافير، ونغمات الحيوية المباركة... وسطها عتيق... وفضاء بيوتها الحديثة والعريقة مزين بالقرميد الأحمر يعانق سماء الإباء... أسماء شوارعها تعكس عمق انتمائها: شارع فلسطين... شارع محمود درويش... شارع الشهداء وقائمة تطول من الرسائل التي تحملها الأسماء، والمعاني التي توثقها مدينة اتسعت وكبرت وصار سكانها 35 ألف كل واحد منهم بألف وبما يصل إلى عشرة أضعاف تعدادهم يوم نكبة فلسطين (كان عددهم في عام 1948، ثلاثة آلاف و500)... مع عرّابة (بلدة الأطباء، ومسقط رأس الظاهر العمر الزيداني، وهي غير عرّابة جنين) ودير حنّا، تشكّل سخنين الركن الثالث الرئيسيّ من مثلث يوم الأرض الفلسطيني الخالد، وثلاثتهم يجمعهم سهل البطّوف حيث البطيخ سمير الصيف وبزره ونيس الشتاء، صار اليوم رمزًا فلسطينيًا بالاستفادة من احتوائه على اللونين الأحمر والأخضر إضافة إلى بزره الأسود بوصفها مكونات العلم الفلسطيني لمن تحرمهم بلادهم من رفعه علانية ساطعًا من دون مواربة... وكما هي حال باقي المدن والبلدات العربية الفلسطينية التابعة للجزء الفلسطيني الذي احتل في عام 1948، تتعرّض سخنين لمؤامرات محمومة حاقدة لتهويد تفاصيلها... يقول أستاذ التاريخ محمود نصّار: "إننا في سباق مع الزمن على التوثيق... وبالنسبة لسخنين يصبح التوثيق أكثر أهمية ومفصلية لنا وللأجيال المقبلة". من مطلٍّ يشرف على سخنين جميعها بمشهدٍ آسرٍ فتّان، تظهر للواقف هناك على المطل أعمال النحّاتين: حمودة ملّا، جمال حسن، حكمت خريس، زياد حمّود، عوني حلبي، أمل سرحان، أحمد كنعان وعبد الله نقولا الذين زيّنوا مدخل سخنين الرئيسي بين شارعيّ محمود درويش والجليل بمنحوتات لهم هي خلاصة ما أنتجوه بعد مشاركتهم بمهرجان النحت القطريّ الأول، فإذا بالصخر يروي حكايته الطالعة من عبق المكان نفسه، وإذا بمدخل البلدة يصبح عصيًا أكثر على النسيان والتطويع. من أحيائها: البلانه ومصراره الغرب، ومن مدارسها الحكمة الثانوية والمدرسة الزراعية... وفيها اللجنة المحلية للتنظيم والبناء... وفيها المتحف البلدي للتراث الشعبي الفلسطيني الذي تأسس في عام 1990، بمبادرة من مركز إحياء التراث العربي في الطيبة، ضامًّا بين جنباته وأقسامه وغرفه زهاء 25 ألف قطعة ومفردة تتعلق بتراث سخنين وعموم فلسطين إضافة إلى 30 لوحة فنية موزعة على جدران ثلاث غرف من غرف المتحف.
إنها مركز مهم للصوفيين في فلسطين المحتلة. اكتشفها تحوتمس الثاني في عام 1479 قبل الميلاد... ذكرتها السجلات المصرية بوصفها مركزًا لإنتاج الصبغة الأرجوانية الفينيقية الحمراء التي كان الكنعانيون أول من تخصص بها وأنتجها وصدّرها للعالم. مساحتها قبل النكبة حوالي 80 ألف دونم... واليوم لا تصل مساحتها إلى 11 ألف دونم والباقي سرقته العصابات الصهيونية. اسمها يوحي لي أنه موجود أيضًا في لبنان وسورية وبلاد الشام جميعها... تشعر أنه اسم دارج وليس بغريب عن أذن المحب.
متحف الذاكرة
بحسب مدير المتحف أمين أبو ريّا فإن المكان الذي شيّد فيه المتحف كان سرايا عثمانية، وفي زمن أحمد الجزّار كانت مقرًّا لحاكمية ولاية الشاغور وولاية الجبل. المتحف مكوّن من طابقين. يقول أبو ريّا إن كل بيت فلسطيني كان يتكوّن من غرفة وحُوش، والساحة هي الحُوش الذي يحوش كل ما لا يمكن إدخاله إلى غرفة السكن... أما بالنسبة لفكرة أن البيوت أسرار، فقد كانت أبواب بيوت الفلاحين منخفضة (واطئة) ولهذا جعل مصممو المتحف مدخله واطئًا على الزائر أن ينحني قليلًا عند العبور منه إلى فضاء المتحف الواسع الفسيح. في المتحف جناح لأدوات الإنارة والتسخين (اللوكس، القنديل، البابور، البريموس وغير ذلك) التي كان يستخدمها أهل سخنين وعموم فلسطين... وجناح لأدوات خاصة برعاية الماشية (من الشرْعة للجرس للجارور للعبوة للميسم للكردانة للكرداش لحديد الخيل للسكة وغير ذلك)... جناح ثالث لِما كان يستخدمه الحدّادون (منفاخ الكور، الملقط، السنديان، حجر الجلخ وغير ذلك)... جناح لأقفال العودة ومفاتيحها... حماصة القهوة... طاسة الرعبة... مكاويّ يدوية كان يجري تسخينها بنار البابور... أثواب نسائية ورجالية... فخاريات... أدوات بيتية ومستلزمات "بيت المونة" مثل الخلايا (الكواير/ الخوابي)... أدوات زراعة... دلال ماء جلدية وكاوتشوك... سيوف... جاروشة... مجسّم للمختار بكامل هندامه وآخر للإمام بكامل قيافته... عازف الربابة... حلاق القرية... الفلاح... الناطور... وسائد وشراشف معرّقة فوق أرضية قماشية بيضاء... 14 نوعًا من الأثواب موجودة في المتحف لأن علماء التراث الفلسطيني وخبراءه ذكروا أن الثوب الفلسطيني يختلف من منطقة إلى منطقة ربما أحيانًا بتفاصيل صغيرة ونقوش متقاربة، وبما يعكس ويمثّل تراث 14 منطقة ومدينة فلسطينية رئيسية؛ من الثوب المقدسي (ملك الأثواب/ ثوب السعد/ الثوب المَلَك) إلى ثوب بئر السبع (عرق الدرج، الخيمة، شجرة الحياة والبرقع الذي يغطي الوجه كلّه)، ثوب غزّة وخان يونس القريب شكلًا من ثوب المجدل وفيهما كلاهما عرق المشط والسمك على صدرهما، ثوب رام الله (الكثافة والدقة والطاووس)، ثوب أريحا بخطوطه الخضراء، ثوب المثلّث بمثلّثاته، ثوب مرج ابن عامر (الجليل بعباءاته الحرير والقطن)، ثوب جنّة ونار الخاص أساسًا بقرية لفتا بتطريزه اللفتاوي (قطبة اللف المميزة) والثوب محاك بأغلى قماش عرفته فلسطين على مرّ العصور من الحرير الدمشقي الأصلي ومستواه من الأقمشة النفيسة.
عنفٌ لا يشبه سخنين
مازن غنايم، رئيس بلدية سخنين، متحدثًا عن آفة العنف التي بدأت تشكل خطرًا وجوديًا للمكوّن الفلسطيني داخل الخط الأخضر، يرى أن العنف مثل السرطان الذي لا يرغب أحد في الاعتراف بانتشاره ونهشه الأجساد... غنايم أشار إلى أن التماسك الاجتماعي القوي واللافت في سخنين، وتمسك الناس هناك بالعادات والتقاليد، يجعل أي خلل ولو بسيط يشكل خطرًا داهمًا وملحوظًا وطبعًا مرفوضًا... غنايم أكد أن كل مظاهر العنف وإطلاق النار التي شهدتها سخنين خلال الأشهر الماضية قام فيها ثلاثة أشخاص فقط، واحد منهم بات خلف القضبان... بدوره أكد المحامي محمود شاهين، عضو اللجنة الشعبية في مدينة سخنين، أن أيدي خارجية وراء الأحداث المؤسفة لكن نتائج هذه الأفعال الإجرامية تمس المجتمع الداخلي لسخنين المعروف بتآلفه وتوادده ووعيه الرشيد... شاهين أكد في سياق متصل أن السلاح غير المرخّص مصدره معروف ولم يرثه أبناء سخنين لا عن آبائهم ولا عن أجدادهم... كما أن مصدره "ليس من الخارج بل من الداخل، وبالتالي من الداخل من أين؟ الشرطة الصهيونية والجيش الصهيوني وحدهما اللذان يملكان السلاح وهم من يسربه لأبنائنا لنقتل بعضنا بعضًا... وعليه نحن نحمّل الشرطة كامل المسؤولية عن كل أحداث العنف في المجتمع الفلسطيني داخل أرض فلسطين التاريخية". المربي نبيه أبو صالح، رئيس قسم المعارف في سخنين، عبّر عن أسفه بعد أن بدأت ظاهرة العنف تستشري في الأوساط الفلسطينية داخل الخط الأخضر رائيًا أنها نتيجة تفاعلات اجتماعية ولانفتاحنا على العالم الغربي وماديّاته منزوعة القيم، وقال: "كنّا معروفين كمجتمع شرقي بروحانيّاتنا ومحافظتنا على تقاليدنا وعاداتنا وقيمنا ومعتقداتنا". أبو صالح رأى أن التوعية والتثقيف ضروريان في البيت والمدرسة والمؤسسة والحارة، وأضاف إلى التوعية ضرورة تطبيق القانون... المواطن سليمان شلاعطة، ابن بلدة سخنين، حذّر من تفشّي ظاهرة العنف داخل مدينة سخنين التي ظلت بمنأى عن هكذا ظاهرة خطيرة مدمرة... وأكد على ضرورة قطع دابر الظاهرة قبل تفشيها لأنها كالسرطان، إن لم تعالجها في بداياتها، فإن ذلك يكاد يصبح مستحيلًا بعد ذلك.
سخنين شهدت في نهايات كانون الثاني/ يناير الماضي 2026، تظاهرات حاشدة وإضراب لأكثر من يومين احتجاجًا على وصول ظاهرة العنف المجتمعي إلى بلدتهم، وتضامنًا مع أحد أصحاب المحلات وغيره ممن جرى إطلاق نار على محلاتهم ومصادر رزقهم... حراكات واسعة ومتواصلة أعلنت عنها بلدية سخنين، واللجنة الشعبية، ولجنة أولياء أمور الطلاب العامة في المدينة، لمواجهة هذا العنف الطارئ الذي لا يشبه سخنين، ولمطالبة الشرطة الصهيونية بتحمّل مسؤولياتها. رئيس البلدية، وفي أكثر من مقابلة وتصريح لجهة إعلامية، أعاد التأكيد على أن ما جرى ويجري في سخنين "غريب وعجيب، وكل إنسان يهدد أمن مجتمعه هو غريب عن مجتمعنا وعن بيته وعن بلده... إنهم يحاولون بيأس مسعور أن يجعلوننا ننسى إنجازات بناتنا وأبنائنا الذين وصلوا لأعلى المستويات... مشكّكين بتربيتنا... نقول لأولئك الأعداء المتآمرين خاب ظنكم وذهبت مؤامراتكم أدراج الرياح؛ تربيتنا لأولادنا بخير وبالاستناد إلى قيمنا الجليلة وعاداتنا الرفيعة وتقاليدنا المتوارثة كابرًا عن كابر... ونحن مجتمع حضاريٌّ له تاريخه وله جذوره... والتشكيك في كل ذلك بعيد عن شواربكم... سخنين بلد الكرامة... بلد الشهامة... بلد المحبة... بلد التسامح... ولن نسمح لشرذمة مارقة مدفوعة من جهات صهيونية مشبوهة أن تعبث بسخنين وكل ما تعنيه". اللافت في هذه التحركات أنها لم تنتظر قيادات الأحزاب العربية في الداخل، وانطلقت، كما ذكر محمد أبو صالح ابن سخنين وعضو التجمع الوطني الديمقراطي فيها، من القاعدة (من تحت لفوق) من أصحاب المحلات من الناس وهم من فرضوا الإضراب ولم ينتظروا حسابات السياسيين، وقد نجح، بحسب أبو صالح، لأنه عفويّ وصادق وأكثر من 90 بالمائة من المحلات والمؤسسات التزمت به. والمطلوب من الأحزاب ولجنة المتابعة هو احتضان هذا الحراك كما يقترح أبو صالح.
سمات
اسمها من الكرم السخاء... حيث تذكر الرواية الشعبية أن بخيلًا اسمه نين سكن البلدة، وفي يوم من الأيام تفاجأ أهل البلدة بالنار تصعد من بيت نين البخيل، فتراكضوا نحو بيته ليفهموا ما الذي يجري، فإذا به يقوم بشيّ اللحوم (عمل مشاوي) لضيوف عنده فإذا بهم من فورهم يقولون بصوت واحد: سِخِي نين (كَرُمَ نين) ومن يومها أصبح اسم البلدة سخنين حيث تجوز بفتح السين وكسرها: سَخنين أو سِخنين... في البلدة القديمة في سخنين الزاوية الصوفية العلاوية... وفيها حكايات تصل إلى تركيا ولبنان وغيرهما... وهي شهدت أحداثًا سياسية... وفيها بيوت قديمة بعضها من الطين وبعضها من الحجر... والسوق المركزية في قلب البلدة القديمة... بسطات وأصحاب حرف ومنهم مبيّض الأواني النحاسية ومصلح الأحذية (الكندرجي) واللحام والخضرجي وغيرهم حول الجامع الكبير في البلد الذي بني في زمن ظاهر العمر الزيداني، وأهم أيام بيعهم كان يوم الجمعة... داخل جامع العمر الزيداني الذي جُدِّد وجرى توسيعه عام 1988، عقدات وقبة ومظاهر عمارة مميزة... لم يكن يحتوي على مئذنة وكان المؤذن يصعد إلى سطح المسجد ويؤذن فيسمعه أهل البلدة لصغرها في ذلك الزمان ولوجود المسجد في المنطقة الأعلى من بين باقي مناطق البلدة... مقابل الجامع الكبير كنيسة سخنين الأرثوذكسية. الكنيسة كانت قبل النكبة مجرد غرفة صغيرة من الطين ملك للخوري أيوب الصالح جد الخوري يوسف سليم الصالح... لاحقًا قدّم ميخائيل عبّود قطعة أرض لبناء كنيسة جديدة واسعة وموّل، إلى ذلك، تكاليف بنائها... وبمساحة 65 مترًا مربعًا فقط، قسّمت الكنيسة لقسمين واحد للرجال والثاني للنساء، إلى أن توسعت مرّة ثانية في عام 1978، واستخدم هذه المرّة الحجر اليابس في توسعتها... الأطفال يركضون، حتى يومنا هذا، ومنهم مسعود غنايم أحد أبناء سخنين، بين الكنيسة وبين الجامع، بعضهم، ومنهم مسعود، كان يدخل الأحد مع المصلين للكنيسة، ويوم الجمعة يرافق والده للمسجد للصلاة الجامعة. وعمومًا المحبة والتسامح كان حقيقة يتنفسها الناس أجمعين في سخنين... ثمة قصة حدثت زمن الانتداب البريطاني أبطالها خطيب المسجد الكبير في سخنين ناجي فارس، والخوري سليم الصالح، عندما اقتحمت دورية إنكليزية سخنين ملاحقة أحد مواطنيها الذي لم يدفع الضريبة لهم، السخنيني رفض أن يدفع لهم ولم يكتف بذلك بل ضرب المستعمر الإنكليزي وهرب ليختبئ عند الخوري سليم، فقام الخوري بدوره بضرب المستعمِر ضربًا مبرحًا، فأحضر المضروب قوة اعتقلت الخوري فقام الخطيب ناجي بإنقاذه عندما شهد أن البوليس هو الذي ضرب الخوري وليس العكس، فما كان من الضابط الإنكليزي إلا أن قال إن البلدة التي فيها الخوري يضرب من أجل شخص مسلم والخطيب يشهد زورًا لتنجيته هي بلد يجب أن تعفى من الضريبة...
في الحارة القديمة أيضًا قبر يقال له قبر الصدّيق، ويبدو أنه يعود لوليٍّ يدعى الصدّيق بحسب معتقدات البلدة الذين كانوا يشعرون بهيبة ما عند مرورهم بالقرب من مقامه وسط البلد... تحيط بالمقام ساحة مشجّرة ومحتوية على شجرة سدر معمّرة ضخمة ويبدو من الشموع الموقدة داخل المقام أن له قيمة عند مسيحيي البلدة... مناديل قماشية وشرائط وقطع قماش مختلفة وحتى قمصان معلقة إما فوق شجرة السدر، أو على السياج الشائك الخارجي للمقام، وواضح أن المقصود منها النذور والتبرّك، أو طلب رضى الصدّيق المهيب الذي يتلازم المرور من أمام مقامه مع شعور بالرهبة الراجفة المضطربة. وبحسب المختص في الآثار د. رافع أبو ريّا ابن سخنين فإن عمر المقام يعود، على الأكثر، للقرن الثاني الميلادي، ويرجح أبو ريّا أنه يعود ليعقوب السخنيني الذي اعتنق المسيحية ونبذه، بالتالي، اليهود. وبعودته إلى أبحاث الأب باغاتي البيزنطي الفرنسيسكاني وجد أن باغاتي خلُص إلى ما خلُص هو نفسه إليه، مرجحًا (باغاتي) أن المقام يعود إلى يعقوب السخنيني، علاوة على أن الذاكرة الجمعية السخنينية المسلمة والمسيحية تبدأ جميعها زيارة المقام بالقول (دستورك، أو دستور منّك يا ابن يعقوب) بعد أن أصبح المكان مزارًا لأبناء الديانتين الموجودتين في البلدة.
"هل تذكرين ضيعتي والمنحنى والرابية... والحقل والمشوار والغناء تحت الدّالية... هل تذكرين الحاصدات على رُبانا الغالية... وبيادرًا ملآنة من خير تلك الضاحية... وراعيًا وخرافه حول التلال العالية... والأوف من فلاحة نشوى بخمر العافية..."- قصيدة كتبها خازن عبّود ابن سخنين وغنّاها وديع الصافي... وفي سخنين اليوم شارع باسم خازن عبّود... كما راسله محمد عبد الوهاب طالبًا منه قصيدة كي يلحنها ويغنيها، فأرسل له خازن قصيدة لكن الموت سبق عبد الوهاب، ولم تر القصيدة نور اللحن والغناء... خازن لم يكتف بالشعر بل ألّف، إلى ذلك، الكتب البحثية والمعجمية ومنها "معجم الشعراء العرب من العصر الجاهلي حتى نهاية القرن العشرين"، ومن كتبه أيضًا كتاب عن الأخطل الصغير بشارة الخوري، وكتاب بعنوان "الأمثال شعرًا ونثرًا"... وكان يرسل لشقيقه حسيب قصائد عن سخنين قام الأخير بجمعها في ديوان أسماه "سخنين في القلب". ومن أشعار الديوان: "وما مثل سخنين من بلدة... عشقت ثراها وسكانها... أحنّ إلى كل شبر بها، وهل تنكر العين إنسانها". النمر عبّود والد خازن هو أول مدير مدرسة في سخنين... بعد أن بناها بنفسه في عام 1928، أما حسيب عبود فقد عمل مدرسًا في سخنين من عام 1950 حتى عام 1985، وبيته من بيوت البلدة العريقة، مكوّن من طابقين وسكنه عديد أقاربه.
ياسمينا محمود شاهين، مديرة مركز أزقة سخنين، تتحدث عن المركز الذي يهدف إلى إحياء التراث السخنيني القديم؛ الحاراتي، الأكل التقليدي مثل المجدّرة والمفتول وغيرهما، كما يسعى لإعادة الترابط الاجتماعي، خصوصًا في حارات سخنين القديمة التي تعاني من هجرة أهلها وتركهم لها نحو بيوت خارج تلك الحارات، أو حتى، خارج البلدة كلها. لقاط الزيتون يسمونه في بعض مناطق فلسطين ومنها سخنين (تحويش الزيتون) يللا نحوّش... حوّشتوا... أكم شجرة حوّشتوا... وما إلى ذلك... وفي عرّابة اللصيقة لسخنين معصرة أبو مصطفى التي تخدم أهل عرّابة وأهل سخنين ويديرها حسن نعامنة... وفي سخنين مقهى نسائي اسمه "نسا كافيه" (قهوة وقعدة وكتاب) قائمته ومعلوماته جميعها مكتوبة باللغة العربية فقط، واستعارة الكتب في المقهى مجانية بدون أي مقابل... وفي المقهى زاوية عرض شموع بأشكال أخّاذة (على شكل ورد وباقات زهر وما إلى ذلك).
كرة سخنين الصامدة
ضمن برنامج "عين المكان" على التلفزيون "العربي" بُثّت حلقة بعنوان: "سخنين... الكرة في مواجهة الاحتلال"، عاينت أشكال التمييز والعنصرية التي يتعرّض لها نادي اتحاد أبناء سخنين الفلسطيني في الداخل المحتل. وتُلقي الضوء على النادي الفلسطيني العربي الوحيد ضمن أندية الدرجة الممتازة في الداخل الفلسطيني، وتطرح من خلاله موضوع النضال عن طريق الرياضة، هذا وتتناول الحلقة القصة المميزة لفريق قوي حقق ويحقق إنجازات رياضية منذ أكثر من عشرين عامًا رغم الإمكانيات البسيطة المتاحة وإجراءات الاحتلال وسياساته العدوانية الهادفة إلى عرقلة مسيرة النادي الرياضية، علاوة على التضييقات والهتافات العنصرية من جمهور الفرق الصهيونية في الملاعب. استاد النادي الذي يحمل اسم "استاد الدوحة، أو استاد البيت" بني بتبرع ورعاية كاملة من دولة قطر. بيرم كيّال كابتن فريق كرة القدم السابق في النادي لعب لأندية سيلتيك الاسكتلندي وبرايتون الإنكليزي.... اللاعب مروان غنطوس يشير إلى العقوبات العنصرية الصهيونية التي يتعرض لها النادي... إن هتافًا من دونية "محمد مات" الذي يطلقه مشجعو الأندية الصهيونية مثل نادي (بيتار) القدس الصهيوني حتى النخاع، يثير غضب اللاعب مروان غنطوس المسيحي قبل أن يثير غضب أي أحد غيره، إنهم أهله وأبناء فلسطينيته من يمثلهم في سخنين وفي عموم فلسطين... هذا ما يقوله مروان وهذا ما يؤكده كل الأهل في فلسطين... هو أكثر من مجرد ناد يقول رئيس النادي محمد أبو يونس، بل هو، إلى ذلك، مؤسسة اجتماعية وثقافية ووطنية لكل فلسطينيي فلسطين التاريخية... التحدي هو البقاء يقول منذر خلايلة الناطق باسم النادي... رائيًا أن غياب فريق كرة القدم في نادي اتحاد أبناء سخنين عن المسرح الرياضي في الداخل الفلسطيني سيؤدي إلى إسدال ستارة الوجود الفلسطيني وإطلاع العالم على ظروفه ومعاناته... فالنادي وفريقه الكروي نقل الواقع العربي إلى الإعلام العبري والغربي وعرفوا، على سبيل المثال، أن كثيرًا من شوارعنا ما تزال ترابية بلا تعبيد... الفوز بالكأس في عام 2004، فجّر كبتًا تواصل على مدى عقود من الزمان، يقول اللاعب المعتزل عباس صوّان... ويوضح أنه كبتٌ لا يتعلق بأبناء سخنين فقط بل بمجتمع فلسطيني الداخل جميعه... أنت تلعب ضد العنصرية وضد من يشتُمون النبي وعروبتك... اللاعب مفلح شلاعطة الحفيد ومفلح شلاعطة الجد اللاعب السابق في نادي اتحاد أبناء سخنين وبينهما حسام ابن الجد ووالد الحفيد... كلهم لبسوا قميص النادي ومثّلوا مساعيه... راية تسلم من جيل إلى جيل... ورسالة مشفرة داخل أنسجة كرة مستديرة... طفل حضر من دير الأسد لمتابعة مباراة نصف النهائي بين فريق سخنين وفريق مكابي حيفا... منحازٌ بوعيٍ للنادي الفلسطيني النقيّ الوضوح... وهو يؤكد بإطلالته البهيّة أنهم مع نادي سخنين فاز أو خسر أو حتى هبط للدرجة الرابعة... فنحن نحبه لما يمثله لا لما ينجزه... من العبارات التي يرفعها جمهور النادي: "اتحادنا علّمنا حب الحياة".
ولسخنين أغانيها، ومنها أغنية "سخنين يا قصة وطن" غناء بهاء طربية، من كلمات وألحان وهاب بدارنة، توزيع وتسجيل استوديو نايا ميوزيك:
"سَخنين يا قِصّة وَطَن
يا حِكاية الأَجداد
الوَفا فيك انزرع
والحَق فيك انعاد
يا صَرخة سِتّي
كونوا إيد بإيد
سَخنين غالية
يَحميكِ رَبّ مجيد
سَخنين العِز برجالها مزيّنة
نَخوة وأصالة
تاريخ ما ينحني
رجالك بالشِدّة
وقفة أُسود
وعند الحَق
راح نوفي بكل الوُعود
يا جيل بُكرا
إنت أملنا
دَربك دَرب العِلم
رح تحمي بلدنا
مع صَوت الأذان
ورنّة الأجراس
مندعي كل يوم
نعمّر بلدنا".


تحميل المقال التالي...