عندما نذكر مفهوم الهامش، لا بدّ أن يحضر مفهوم المتن أو المركز، غير أنّ الأنساق المعرفية درجت على منح الأولوية للمركز أو المتن وجعله موضع المعنى والشرعية والاستقرار، بينما أُلحق الهامش بدائرة الثانوي والمهمل. وإذا استقرأنا فلسفة جاك دريدا التفكيكية، أمكن القول إنّ الهامش ليس مجرد زائدة دودية للمركز، وإنّما يكشف عن الشروط التي يقوم عليها المركز نفسه؛ وهو ما يمكن استلهامه من مقولته: "إنّ المركز ليس مركزًا". وهذا يعني أنّ المركز الذي يقدّم بوصفه أصلًا ثابتًا أو متعاليًا؛ هو بنية تعتمد على ما يستبعده من هوامش واختلافات.
ومن هذا المنطلق سنحاول مقاربة مفهوم الهامش في الثقافة الإنسانية، لكونه أحد أكثر المفاهيم التي طاولها الظلم مع أنّه أكثرها سيولة وقدرة على كشف تهافت المركزيات. وقبل الخوض في أهمية الهامش، لنقاربه لغويًا، فالكلمة الدالة على الهامش في اللاتينية هي "Margo" والتي تعني: الحافة أو الطرف. وفي العربية يحيل الهامش إلى دلالات الحافة أو الطرف والحركة والاضطراب ، ويقال حديثًا : "هَمّش الشيء" أي صيّره ثانويًا. وبناء عليه توحي دلالة كلمة الهامش بتضاد مع معنى المركز/ المتن، إذ ينظر إلى المركز تقليديًا بوصفه الأصل، بخلاف الهامش الذي يحيل إلى ما هو مبتذل.
ولنفهم أكثر هذه العلاقة الجدلية التي تتجاوز التضاد المفتعل بين الطرفين، يمكن العودة إلى المخطوطات القديمة العربية والأجنبية. فلم يكن هامش المخطوطات مجرد مساحة خالية تحيط بالنص، وإنّما فضاء حيويًا له. كان المخطوط يتكون بنيويًا من مركز صلب يُدعى المتن؛ وهو ما يعد النص التأسيسي الذي يمثل سلطة المركز. غير أنّ الهوامش التي احتضنت تعليقات وتقييدات واعتراضات النساخ والعلماء والقرّاء، دخلت مع المتن في علاقة حوارية وتفاعلية حاسمة. وهكذا نجد أنّ تاريخ الكثير من المعارف لم يتطور عبر المتون المغلقة فقط، فلقد أسهمت الحواشي والهوامش والشروح في إعادة إنتاجها وتوسيعها، فهي تخلخل مركزية المتن وتحدّ من استقراره الدلالي، وتمنحه قابلية لتفسيرات متعدّدة وتأويلات مختلفة. لكن مع اختراع المطبعة بدأت هندسة بياض الصفحة، فالطباعة فرضت عليها نموذجًا بصريًا صارمًا إلى حدٍّ ما، ممّا حوّل المتن إلى كتلة حبرية مصمتة، صعبة التعديل إلا بصفحة مماثلة، على عكس ما كان يحدث مع المخطوطات القديمة، فالحوار كان على الصفحة ذاتها بين المتن والهامش؛ مع أنّ المطبعة التي أنتجت تلك الصفحة المركزية خلخلت الكثير من المتون المعرفية، لكن تم استعارة شكل هندستها للورقة المطبوعة لطرد الهامش وإقصائه على صعد معرفية واجتماعية وسياسية. حيث أخذ المركز يعرّف نفسه من خلال ما يضعه خارج حدوده، ويكتسب شرعيته عبر تهميش ما يراه مختلفًا أو فائضًا عنه. وفي عالم تتعاظم فيه أشكال التمركز والإقصاء وإلغاء الآخر، تبدو العودة إلى تاريخ الهامش أكثر من مجرد سياحة معرفية. ولأنّ الأشياء تستنير بماضيها القديم بقدر استنارتها بمستقبلها القريب، فسنعود إلى البدايات الأولى، إلى الأسطورة، لنبحث عن الجذور العميقة لهذه العلاقة، وربما سنكتشف أنّ ما يعرّف بالمركز، لم يكن في البدء سوى هامش آخر!
في البدء كان الهامش
تكاد معظم أساطير الخلق تُجمع على حالة بدئية من اللاتمايز واللاتنظيم والفوضى وهي أقرب لتنميطنا للهامش حاليًا، كانت تسبق الشكل الذي عدّته الأساطير منظمًا. ومن خضم هذا الحساء البدئي غير المتمايز ظهر إله وقام بطبخه؛ وكأنّنا مع تقسيم كلود ليفي ستراوس للحالة الوجودية للإنسان بين النيء والمطبوخ، حيث بدأ الإنسان ترقّيه في سلّم الحضارة عندما انتقل من أكل الطعام غير المطهو إلى المطهو الذي أنضجته نار بروميثيوس؛ وبذلك انتقل الإنسان من الطبيعة الخام إلى الثقافة. وهذا ما نراه في الأسطورة البابلية التي تحدثنا كيف واجه مردوك الإلهة تعامة "الحساء البدئي" وهزمها وقام بطبخها عبر شقّها نصفين؛ واحد صنع منه السماء، والثاني الأرض، وجعل مركز حكمه السماء يدير منه تنظيم الكون عبر تحديد ما هو مركزي وما هو هامشي. وبالمثل قسمت الأسطورة الفرعونية الكون إلى "كيمت/ Kemet" الأرض السوداء الخصبة والتي تمثل مفهوم "الماعت/Ma'at" الذي يعني الحق والعدالة والاستقرار؛ وكان تمثيله الأرضي نهر النيل وما يحيط به من أراض خصبة، في مقابل الهامش أو "الدشرت" والتي تم تمثيلها بالصحراء التي تحيط بالنيل حيث مفهوم "الإسفت/Isfet" وهو النقيض الوجودي للماعت ويعني الفوضى والاضطراب والعدم. لكن قبل هذا التقسيم كان الحساء البدئي المتمثل بالإله "نون/Nun" عبارة عن مياه أزلية سحيقة مظلمة لا نهائية لا تعرف التمايز أو الزمان إلى أن ظهر الإله "رع" وأخرج من هذا المحيط البدئي جبل الخلق المركز "بن بن" وانتهاء بتقسيم الكون إلى كيمت وإسفت، مركز يمثل النور وهامش يمثل الظلام. ولا تبتعد أسطورة الخلق في التوراة عن هذا السياق، فهي تقول: "وَكَانَتِ الأَرْضُ خَرِبَةً وَخَالِيَةً، وَعَلَى وَجْهِ الْغَمْرِ ظُلْمَةٌ، وَرُوحُ اللهِ يَرِفُّ عَلَى وَجْهِ الْمِيَاهِ"، وعندما أراد يهوه تنظيم الكون قال: "ليكن نور".
لكن ما الذي يعنينا في هذا التقسيم بين مركز وهامش في بحثنا؟ إنّ الغاية تكمن في أنّ الهامش المنبوذ الذي رأيناه في الأسطورة وأول تجلّيات الدين التوحيدي، كان الدواء الناجع لاستعصاء المركز وتكلّسه. فعندما تجبّر جلجامش، الحاكم المركزي المستبد، أرسلت له الآلهة إنكيدو الهامشي الحيواني ليعيد له الاتزان والتنظيم، فبمقدار أهمية المركز في تلك الأساطير لكن تقوقعه على ذاته ينتج هامشية أخرى هي الجمود وتختلف عن هامشية السيولة التي تم منها الخلق. هكذا استطاع الهامشي إنكيدو إعادة الانفتاح والحياة إلى جلجامش، وعندما احتاج جلجامش خبيرًا بالأرض الهامشية/ الغابة ووحشها "خمبابا" لاستصلاحها وضمّها إلى مركزية التنظيم استعان بإنكيدو الهامشي. وأكثر من ذلك، عندما صدمه موت صديقه إنكيدو كان لا بد له ليحصل على الحكمة التي خلق لأجلها البشر أن يخوض الهامش ليصل إلى أتونفشتيم في أرض الخلود، ومن ثم يغوص في الإبسو/ المياه المالحة والتي كانت تعدّ من ضمن عناصر الهامش ليحصل على نبتة الخلود ومن بعدها الحكمة.
إنّ رحلة جلجامش إلى الهامش أو المجيء منه ستكون ثيمة تقوم عليها الأديان السماوية في بنائها. وهذا ما نراه في هجرة النبي إبراهيم رفضًا لمركزية الأصنام التي حطّمها وحتى لمركزية العقل السببي عبر نقضه مفهوم "الأكبر من" متدرّجًا من النجم إلى القمر إلى الشمس، مستبدلًا إياه بمفهوم الوحي والإيمان، فلقد أسقط المركزيات المعروفة في زمنه إلى أن انتهى إلى غير المدرك/ الغيب؛ والذي من الممكن مع بعض التجوّز عدّه هامشًا، لعدم قدرتنا على تنظيمه واستيعابه. وبالمثل قذف زوجته هاجر وابنها إسماعيل في الصحراء/ هامش المعمورة؛ ومن هذا التهميش الذي طاول النبي وأمّه خرجت أمّة أخرى ونبوّة أخرى. كذلك موسى عاد إلى فرعون من الإسفت لينذره، وكان قبل ذلك قد قذفته أمّه في النهر ليجرفه إلى الهامش، لكن النهر قاده إلى بيت الفرعون/ المركز. كذلك النبي محمد، الذي كان يتعبّد في غار حراء على هامش مكة، وهناك جاءه الوحي أول مرّة خارج مركزية مكة وأصنامها.
إنّ الخروج إلى الهامش من قبل الأنبياء هو من أعاد تأسيس المركز على نظم جديدة، بعدما تهالكت قواعده القديمة، وكأنّ إعادة الحياة للمركز لا تكون إلا بهجرته إلى هامش منبوذ والعودة منه كما فعل المسيح، فالموت قبل ذلك كان في الديانة اليهودية عدمًا لا عودة منه، وما سفر الجامعة إلا رثاء للحياة التي تنتهي بالموت الذي ليس من بعده حياة، لذلك كان الصلب والموت في العقيدة المسيحية جوهريًا لإعادة مركزية الحياة بالحياة الأخرى، لذلك قيل عن السيد المسيح بأنّه: "وطئ الموت بالموت" وبفعلته هذه، وبذهابه إلى الهامش العدمي منح الحياة لمن في القبور.
إنّ ثيمة الرحلة إلى الهامش والمجيء منه ستكون ضرورية لصناعة الأبطال وتغيير المجتمعات، فكما ذهب جلجامش تاه عوليس بعد طروادة في هوامش المعمورة وصولًا إلى مملكة الموتى، وبعد اختبارات عديدة اكتسب معارف وتجارب جديدة عاد إلى بيته وزوجته بينلوبي؛ المركز الذي كان على وشك أن يتم تقويضه، وكأن الهامش هو الحيوان المنوي، والبويضة هي المركز وبواسطة تلقيح الهامش لمركزية البويضة غدت خلقًا آخر ومركزًا جديدًا هو الإنسان.
كما ظهر الخلق في الأسطورة من الهامش، بدأت الأديان من الهامش المجتمعي، فالنبي موسى العائد من الهامش لم يستطع جعل اليهود أمّة إلا عبر تجربة الهامش، فلقد تاه اليهود أربعين سنة في صحراء سيناء كما يقول التراث، ولم يستطيعوا دخول المركز المشتهى/ فلسطين إلا بعد هذا التوهان/ التهميش، لينتجوا مركزيتهم الخاصة القومية القائمة على الدم. وعندما أصبحت أورشليم كمركزية الفرعون جاء المسيح من الهامش ليقلب العقيدة اليهودية رأسًا على عقب محوّلًا شريعة اليهود الصارمة إلى تسامح، ومبدّلًا عصبية الدم إلى الانتماء بالحب. ولم يختلف النبي محمد عن ذلك، فمن هامشية غار حراء توجّه بدعوته إلى الهامشيين في قريش، بينما عارضه الأغنياء أصحاب المركز. وبعد أن وطّد الإسلام قواعده انطلق من هامش الجزيرة العربية إلى مراكز الحضارات القديمة؛ سورية وفارس ومصر؛ واستولى عليها، لينتج مركزية ستقابلها هوامش سنتطرق إليها لاحقًا.
يتبيّن لنا من المسار الأسطوري والديني كونهما من المركزيات المؤثرة جدًا بحضارة الإنسان، بأنّ الهامش ليس مجرد نقيض سلبي للمركز، وليس فضاء فارغًا يقع خارجه، وإنّما هو الشرط اللازم للمركز كي يستمر ويتجدّد. فمن الأسطورة إلى الدين يظهر الهامش بوصفه مجال السيولة والإمكان والتغيير والاختلاف. بينما يمثل المركز مجال التنظيم والاستقرار. غير أنّ كل مركز متى انغلق على ذاته وتصلّب، يصبح عاجزًا عن تجديد شرعيته إلا عبر ما يستبعده ويقصيه. لذلك لم يكن الهامش في الأسطورة أو الدين بالمعنى السلبي الذي يحمله الآن؛ وإنّما خزّانًا للمعاني والقوى القادرة على إعادة تشكيل المراكز القائمة. هذا المعنى للهامش ينقله من معنى التضاد إلى معنى الجدل الديالكتيكي القادر على إعادة إنعاش المجتمع.
الصعلوك، الصوفي، القاص
حين نتأمّل بنية الثقافة العربية التراثية نجد أنّ المتن يكاد أن يمحو الهامش، فالقبيلة في العصر الجاهلي كانت كل شيء، ولا شيء سواها، ومن يشذّ عن نسقها يُقذف إلى الصحراء مخلوعًا، لكن هؤلاء المنبوذين إلى الهامش الجغرافي الميت، حيث لا حماية ولا نسب؛ أصبحوا الصعاليك الذين رفضوا العيش على فتات المركز القبلي، وقرروا أنّ السيف والإغارة هما الوسائل المشروعة لأخذ الحقوق المسلوبة؛ حتى أنّهم سبقوا البيان الشيوعي بإعادة تقسيم قسرية للثروة، والأخذ من تخمة المركز لإطعام جوع الهوامش. لم يكن عروة بن الورد لصًا، ولم يكن الشنفرى الذي وجه سهامه إلى بني قومه جاحدًا، وليس الشنفرى من يتأبط الشرّ بل الخير، ولم يكن السليك بن السلكة مجرد عبد آبق، ولم يكن عنترة مجرد انتحاري يكرّ ويفرّ تحت إمرة القبيلة؛ وإنّما عصبة أعلنت رفضها لاستبداد المركز، فعروة نافس حاتم الطائي في كرمه، والشنفرى لم تأخذه بإحقاق العدل قرابة أو نسب حتى أنّه نقض الانتماء الإنساني الظالم واستبدل به عالم الحيوان قائلًا: وَلي دونَكُم أَهلَونَ سيدٌ عَمَلَّسٌ/ وَأَرقَطُ زُهلولٌ وَعَرفاءُ جَيأَلُ.
بينما تأبط شرّا قطع حبل سرّته عندما تنكّرت له أمّه بعد زواجها، فجعل من يتمه وفقره أصلًا ونسبًا وعلا بشعره على كبار شعراء القبائل المكرّسين. أمّا عنترة فأصبح صاحب سيرة تحكى على كل لسان. ونقض السليك بن السلكة نسبة الأبوة وأصبح لأمّه ينتسب؛ تلك العبدة السوداء التي لو قرأت هيريت بيتشر ستو سيرته لكان عنوان روايتها: السليك بن السلكة. لقد ثار الصعاليك على المركز القبلي لكن أثرهم الأكبر كان لغويًا، فهؤلاء الهامشيون الملعونون المطرودون من قبائلهم أنتجوا أرقى نصوص الفصاحة والبيان العربية، حتى عاد إليهم اللغويون والنحويون العرب ليجعلوا من شعر الخلعاء مرجعية للاحتجاج اللغوي. لقد تحوّل لسان الهامش إلى حامٍ للغة القبيلة العربية من الهجنة واللحن.
| |
| كان الفيلسوف الرواقي إبيكتيتوس عبدًا أعرج قادمًا من الهامش الجغرافي، لكنه التقى مع الإمبراطور ماركوس أوريليوس ومعهما تلاشت الحدود بين مركز وهامش |
لقد بدأ الإسلام مع فقراء مكة وفي ليلة الهجرة اجتمعت القبائل/ المركز على قتل الرسول، لكن الإسلام الذي بدأ هامشيًا انتصر، ولم تمض فترة الخلفاء الراشدين حتى عادت مركزية القبائل بلبوس جديد عبر صراع بيوتات العرب، وأصبح الإسلام مركزية أخرى بعدما كان ثورة الهامش على صنمية قبائل العرب. وفي خضم هذا التمركز الجديد بين السياسة والدين أصبح فقه كرسي الخلافة هو السائد يدعمه فقه الجماعة مهمشًا تجربة الفرد الخاصة. أظهر هذا التجاذب الجديد بين الجماعة والفرد الصوفية، فأعلنت هامشًا جديدًا بعيدًا عن هامش الصعاليك لتغير الواقع والزمن، وانسحب معتنقوها إلى دواخلهم بالخلوة والزهد والسياحة في أرض الله، رافضين يقين الجماعة ومدوناتها منحازين إلى التجربة الفردية الذاتية في الكشف والتذوّق وشطّوا عن صريح العبارة للتحرّر من متن المركز إلى لغة الإشارة والتأويل؛ ليفكّوا شيفرات الوجود الخفيّة. لم تكن رابعة العدوية إلا امتدادًا لميسون بنت بحدل التي رفضت مركزية قصر الخليفة قائلة:
لَبَيْتٌ تَخْفِقُ الْأَرْواحُ فِيهِ/ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ قَصْرٍ مُنِيفِ.
ولم يكن أبو يزيد البسطامي إلا أبا ذر آخر. ولم يكن أبو بكر الشبلي إلا شاهدًا على سطوع شمس الفرد الهامشي في مواجهة كل الجماعات وهو يمر بالحلاج مصلوبًا، فيرميه بوردة. أليس هذا ما سعت إليه الفلسفات الغربية الحديثة لتأكيد أولوية الفرد في مواجهة مركزية السلطات السياسية والاقتصادية والاجتماعية. لقد قلب الصوفي الأدوار في وجه فقيه السلطان، فغدت لغة الباطن الهامشية الشطحية هي المتن الروحي الحقيقي الذي يلوذ به الوجدان الشعبي هربًا من جفاف فقه السلطان.
لقد هاجم فقه السلطة القاص حتى إنّ ابن الجوزي خصص فصلًا أسماه: "تلبيس إبليس على القصّاص". لكن لماذا؟ لقد كان المؤرِّخ الرسمي كابن الأثير أو الطبري يكتبان التاريخ من الأعلى، مدوّنين أخبار الخلفاء والفتوحات الكبرى من منظور السلطة، وذامّيْن العامة الذين أطلق عليهم اسم الدهماء والسواد والعامة. وهنا ظهر القاص ملبيًا حاجات هذه الجموع لذاكرة تخصّها وأحلام تتمنّاها، فتصدّت له السلطة بحجج كثيرة، ليس أولها اتهام القصّاص بالابتداع في الدين. لكن الحقيقة أنّ هؤلاء القصّاص كسروا مركزيات كانت السلطة تتشدّد بها، فالمرأة على الرغم من أنّ الإسلام رفعها مقامات، إلا أنّ هؤلاء عادوا وأصمتوها، فكانت شهرزاد في مواجهتهم كامرأة حرّة، وكانت الجارية تودّد التي هزمت الفقهاء والعلماء واللغويين والنحويين والبلاغيين، وكانت ذات الهمّة قائدة في مواجهة البيزنطيين عندما انكفأ خلفاء بني أمية والعباس، وكان علي الزيبق ذلك الشاطر من قاع المجتمع روبن هود العرب وموحّدهم قبل أضغاث الأحزاب القومية العربية الخلّبية. إنّ السير الشعبية في التراث العربي؛ هي تاريخ المستعبدين؛ فالبطل الشعبي ينطلق من ذروة التهميش والاضطهاد كعنترة الهجين الأسود، والظاهر بيبرس المملوك المستعبد، وذات الهمّة المرأة في الفضاء البطريركي، ليقلبوا بالخيال ما عجز المركز عن تحقيقه. ولم تكتف تلك السير بالخيال، فلقد نزلت إلى ميدان المركزية؛ أي اللغة العربية الفصحى لتضع في مواجهتها اللغة العامية غير عابئة بصرامة القواعد، وإنّما منحازة إلى مشاعر وانفعالات الإنسان العادي الذي أخرسته المدونة الرسمية.
الآن، وبعدما قاربنا علاقة المركز بالهامش في التراث العربي، نقول، لولا الصعاليك لاندثرت أسماء تلك القبائل التي ثاروا عليها، ولولا الصوفية لاجتاح المدّ الديني المتزمّت رحابة الإسلام، ولولا خيال السير الشعبية؛ هل كانت بغداد بغداد ودمشق دمشق والقاهرة القاهرة؟
برميل ديوجين
يقال إنّ الفلسفة أم العلوم، هكذا طرحت نفسها في العالم القديم كمركز لا يعترف بهوامش أخرى. وإذا أردنا أن نقارب علاقة المركز بالهامش في مهد الفلسفة في اليونان لا بد أن تحضر رؤية أرسطو الذي كان يرى مركز الوجود الإنساني العاقل ينقسم إلى البوليس/ المدينة والعقل/ اللوغوس/ الكلام العقلاني، فأصبح الهامش لأرسطو كل ما هو خارج المدينة اليونانية المعروفة بتنظيمها وتراتبيتها وكانت درّتها أثينا التي يسكنها المواطنون الأحرار. وفي المقابل كانت هناك شعوب أخرى اعتُقد بأنّها تفتقد إلى العقل والكلام المنطقي، حيث عدّهم أرسطو برابرة، عبر نحت هذه الصفة للمهمشين، من سماع اليونانيين لكلامهم الذي كان أشبه بالبربرة في آذانهم، لقد اشتقوا منه صوت: "بر- بر" اسمًا لهذه الشعوب التي لا تبين لفظًا ولتصبح البربرة تعني اللغط وليس اللغة العقلية المفهومة.
هذا التقسيم النابذ بين مركز وهامش طاول حتى سكان اليونان، فالعبيد والنساء لا يملكون من حقوق المواطن الذكر الأثيني أي شيء، فلا يحق لهم الانتخاب والحضور في الأغورا/ الساحة العامة... في مقابل هذه المركزية العقلية الذكورية المدنية ظهرت الفلسفة الكلبية بقيادة ديوجين كحالة نقدية فلسفية سخرت من كبيرهم الإسكندر وناهضت فلاسفتهم، فمن خلال برميل في الشارع عرّى ديوجين مركزية العقل الفلسفي اليوناني وزيف المركز وسخف عاداته وتقاليده. وأمام تغوّل الفلسفة الأفلوطونية كان أبيقور صاحب فلسفة متعة الاكتفاء، ناقضًا مركزية المدينة منسحبًا إلى مشاعية الحديقة ومهدمًا عالم المثل والمحاكاة؛ طارحًا وجودية لا تعترف بآلهة ولا برهبة الموت ولا بالألم، حيث جعل السعادة في متناول الإنسان، وليس في حياة أخرى أو تسام خلّبي.
| |
| إن الخوارزميات لك بالمرصاد، فهي تقطع حبال صوتك وتمنع وصولك إلى الآخرين من دون أن تدري |
أمّا في روما، فلقد تحوّل المركز من المدينة ذات الحدود الثقافية الضيقة، مثالها أثينا، إلى رحابة الإمبراطورية العالمية. هذا التوسع فرض على الفلسفة إعادة تعريف الهامش، ليتناسب مع الواقع الجديد المركزي. لقد كان الفيلسوف الرواقي إبيكتيتوس عبدًا أعرج قادمًا من الهامش الجغرافي، لكنه التقى مع الإمبراطور ماركوس أوريليوس ومعهما تلاشت الحدود بين مركز وهامش معتبرين أنّ المعنى يكمن في الحرية الداخلية والتحكّم في الإرادة. لقد استطاعت الرواقية إعادة الاتزان للإنسان، أكان في قلب المركز أو الهامش، وقدمت له عبر مزيج من المركزية والهامشية نجاة وجودية. لكن هذه اللحظة الرواقية للاقتران بين المتناقضين المتن والهامش كانت كشمعة في الليل، فروما وحش الحضارة لا تقبل إلا بالمركز كتجلّ لها، لذلك كان من يخالفها يُطرد إلى أقاصي المعمورة، كما حدث مع الشاعر أوفيد والفيلسوف سينكا، لكن سينكا حوّل نفيه إلى رسائل تأملية في الوجود، فلم يعد النفي إقصاء، وإنّما فرصة للتحرّر من صخب المركز والعودة إلى الذات، تأكيدًا على فكرة المواطن العالمي الذي يتجاوز تلك القسمة بين مركز وهامش، فالعقل الفلسفي، كما شرح سينكا، يجد مركزه أينما كان، فلا تحدّه مراكز سياسية جغرافية.
دولاكروا المُدن
تقول لور كاتسارو في كتابها "المثقفون والجنس والثورة" إنّ لوحة دولاكروا "الحرية" كانت رمز الحرية فيها عاهرة آتية من الضواحي المهمّشة والمنسية لباريس، التحقت بالثورة سريعًا حتى إنّها لم تحلق إبطيها استعدادًا لعملها الليلي، فلقد انغمست في الثورة ما إن سمعت هتافات الثوار. بهذه الطريقة ترمز كاتسارو لثورة الهامش على المركز، فهي تنبثق من حيث لا يتوقّع المركز أبدًا، لذلك عملت الرأسمالية على الوقاية من ثورات الهامش، فهي لم تلغه وإنّما أعادت إنتاجه جغرافيًا ومعماريًا عبر علاقة التابع بالمتبوع، فالمتن هنا هو المراكز المالية والأحياء الفارهة المسوّرة بينما الهامش هو أحياء الصفيح والعشوائيات. ومع ذلك تأسّست المدينة الحديثة على مفارقة مأزومة، فالأغنياء متحصّنون بأحيائهم المتعالية، والمهمشون يخوضون في الطين، لكن هذا الواقع جعل من مراكز الأغنياء حلمًا مشتهى للمهمشين. إنّ الهامش في المدينة الحديثة يختلف عن تجليات الهامش في السابق كالنبذ إلى الأماكن القصية أو الصحراء أو أن يختار المهمشون حديقتهم الخاصة المشاعية زاهدين بالمراكز. الآن أصبح المهمشون يرون الفارق بحدّة ممّا ولّد لديهم شعورًا مأزومًا متفجرًا بالحرمان سيقود حتمًا إلى تخليق الانفجارات الاجتماعية الكبرى والتي كانت بدايتها مع الثورة الفرنسية التي غيّرت خارطة المراكز والهوامش المعتادة في التاريخ. إنّ الفعل الثوري للمهمشين في عصرنا يضع هدفًا له هو استملاك المجال العام، حيث تتدفّق الجموع لتبتلع الميادين العامة الكبرى للمدن، كما رأينا في الهجوم على الباستيل وفي ثورات الربيع العربي، محوّلة هذه المساحات المعمارية التي صمّمها المركز لإظهار هيبته وقوته إلى منصّات لإسقاطه.
إنّ جدلية المتن والهامش في المدينة الحديثة تثبت أنّ المحاولة المعمارية والأمنية لإقصاء الفقراء وحجبهم وراء الأسوار الخرسانية لا تلغي وجودهم، وإنّما تعمل على تكثيف طاقتهم الغاضبة وتجعل من هوامشهم قنابل موقوتة قادرة في أيّ لحظة تاريخية مواتية على إعادة صياغة المتن من جديد بشروطها، أكانت إيجابية أو سلبية.
مركزية الخوارزمية
إذا كان مفهوم الهامش والمتن في الواقع المادي يتحدّد بالجغرافية والطبقة الاجتماعية والاقتصادية، فإنّ وسائل السوشيال ميديا جاءت لتحدث زلزالًا في العلاقة السابقة بين المركز والهامش. لقد بشّرت الفضاءات الرقمية في بداياتها بالديمقراطية المطلقة التي تفكك ديكتاتورية المركز وتمنح للهامش صوتًا، لكن ما حدث على أرض الواقع؛ هو إعادة هندسة لهذه العلاقة بشكل أكثر تعقيدًا ممّا سبق. حيث تحوّل الفضاء الرقمي من أداة لتحرير الهامش إلى آلية مبتكرة لـ "سلعنته" وإعادة إنتاج متن أكثر هيمنة. لقد كان المتن سابقًا يتكون في الجانب الفكري والإعلامي من مثقفي السلطة وإعلامييها، وعندما صعدت السوشيال ميديا ظُنّ بأنّها ستكسر هذا الاحتكار، فأصبح بإمكان ساكن العشوائيات أو المطرود من المتن الفكري للمجتمع أن يمتلك منصة ويبث منها مباشرة إلى العالم من دون رقابة حارس البوابة التقليدي الذي يحمي المركز كإله الرقابة عند اليونانيين "آرجوس بانوبتس" الكثير الأعين، والتي إنْ نام قسم منها كان الآخر مستيقظًا لا تفوته شاردة. لكن هذا الهامش الذي ظنّ بأنّه اقتحم المركز سرعان ما وجد نفسه محاصرًا بمتن خوارزمي غير مرئي. هذا المركز الجديد غير أيديولوجي بالمعنى التقليدي، وإنّما يقوم على السيطرة على الانتباه، فالفعالية التي تميّز العقل الإنساني أصبحت سلعة، لأنّ الخوارزمية تحدّد من يسلط عليه الضوء ومن يحجب عنه ولا تنحاز إلى المعنى، فما يهمها الإثارة والإعلانات، مشكّلة أداة جديدة للمركز في مواجهة الهامش عبر المؤثرين والمحتوى الاستهلاكي، قاذفة بكل ما هو نقدي وأصيل إلى هامش جديد يحكمه سرعة التمرير على الشاشة، فالخبر لم يعد عاجلًا؛ فهو لا يكاد يستحم مرّة في نهر هيراقليطس. لقد تحول الهامش وبؤسه والمعاناة التي تكتنفه إلى فرجة ومحتوى لا هدف له إلا تحقيق أعلى المشاهدات. والأدهى من ذلك تحوّلت صرخات الهامش طلبًا للعدالة إلى مجرد هاشتاغ يأخذ بألباب الناس لفترة قصيرة حتى صعود تريند آخر. هكذا تم تحويل الفعل الثوري للهامش إلى مادة للتسلية لا أكثر تعمل على جلب النقود لصالح المراكز.
في العصور الكلاسيكية كان المتن ينفي الصعاليك إلى الصحراء أو يسجن الفلاسفة. وفي العصر الحديث يحاصر الفقراء وراء أسوار العشوائيات. أمّا في الفضاء الرقمي فلقد ابتكر المتن التكنولوجي أداة نفي فائقة النعومة والخطورة: "الحجب الصامت/Shadowbanning". في هذا الهامش الرقمي، لا أحد يمنعك من إنشاء حساب والتعبير كما تريد وترغب، وكأنّك كائن حرّ لا مركز يمارس إرهابه عليك، لكن الخوارزميات لك بالمرصاد، فهي تقطع حبال صوتك وتمنع وصولك إلى الآخرين من دون أن تدري. هذا الواقع الجديد جعل من الهامش نفيًا مطلقًا، فهو لا يقف حتى في الأحلام في مجابهة المتن، فالفرد يتكلم، فلا يسمعه أحد، مع أنّه يتوهّم أنّه في قلب الفضاء العام، بينما هو في الحقيقة معزول في زنزانة انفرادية افتراضية، صمّمتها خوارزميات منصّات السوشيال ميديا لمنع وحجب أي محتوى يهدد استقرار المتن أو يعطل تدفق المعلومات. إنّ المفارقة الجديدة في علاقة المتن بالهامش تكمن في أنّها جعلت الهامش يتوهّم أنه متن قادر على الفعل بضغطة زرّ، لكن الحقيقة أنّه هو من أصبح يقصي نفسه بتلك الحركة.
هل يتحرّر الهامش من قدرية سيزيف؟
يقول السياب: "والصخر ما أثقله! يا سيزيف". في زمن مراكز ما بعد الحداثة واحتكار الانتباه وتنميط الوعي الإنساني، لم تعد الأدوات القديمة تمتلك فعالية كافية لزلزلة ثبات المراكز العابرة للقارات، فالصدام المباشر بينها وبين الهامش غالبًا ما انتهى بابتلاع المركز للمتمردين، أو بإعادة إنتاج مركزية استبدادية أخرى تحت شعارات بديلة كما حدث مع الربيع العربي. إنّ التحرّر الحقيقي اليوم للهامش يبدأ من تفكيك شيفرات المركز المتعدد الشبكات من التقليدي إلى الافتراضي والامتناع الطوعي عن تغذيته ببياناتنا وانفعالاتنا والذهاب إلى الزهد التكنولوجي والانشقاق عن خطّ إنتاجه الاستهلاكي. ولكي يعود الهامش فاعلًا حقيقيًا في حركة التاريخ، وصناعة المستقبل، عليه أن يعي أنّ قوته الأنطولوجية تكمن تحديدًا في سيولته وتعدديته وعدم قابليته للاحتواء أو النمذجة، وأن يتخلّى عن رغبته الدفينة بأن يكون مركزًا. إنّ التاريخ لا يكرّر نفسه كمهزلة، إلا عندما يرفض الهامش الجلوس على عرش المركز المتكلّس، ولذلك عليه أن يصنع أرضه الجديدة وكأنّه شاعر يزيد سعة الأرض بقصيدة كما قال أدونيس. وذلك عبر استلهام عزلة غار حراء وخلوات الصوفية وحتى غارات الصعاليك، وأن يبتكر جيوبًا اجتماعية تنتج فنونًا وفلسفات وسياسات موازية مع أيديولوجيات المركز، غير خاضعة لمنطق السوق ولا تقع في غوايته.
إنّ قدرة الهامش لن تتجلّى إلا بإعادة الاعتبار للمحلي واليومي والمنسي والفردي في مواجهة الآلة العمومية الشمولية المركزية، فعندما تتحوّل أطراف المدن المنسية والمجتمعات المستقلّة واللغات العامية المحكية، التي لم تدجّنها قواميس سلطة المركز، إلى منصات لولادة فضاءات جديدة للمعنى سيسترد الهامش شرعيته التاريخية في الوجود، وذلك بإفقاد المركز جاذبية الثقب الأسود، ليُطبخ الكون مجددًا في مياه الهامش الأزلية، وإعادة المركز والهامش إلى وظائفهما الحقيقية؛ المركز لصناعة التنظيم والهامش لاختراع الإمكان.
* كاتب من سورية.


تحميل المقال التالي...