تُعَدّ المكتبة الظاهرية في دمشق، والتي عرفت عند تأسيسها بـ"دار الكتب الظاهرية"، أقدم مكتبة عامّة في بلاد الشام، وإحدى أغزر وأكبر المكتبات في العالم الإسلامي، بل وفي العالم أجمع، لما تضمّه خزائنها من آلاف المخطوطات القيمة، وأمّهات كتب المعارف الإنسانية، التي استفاد منها على مرّ الزمان عشرات الآلاف من العلماء والباحثين وطلاب العلم من داخل سورية وخارجها.
يعود تاريخ الموقع الذي تشغله المكتبة الظاهرية اليوم إلى القرن الرابع الهجري، وهي تنسب إلى سلطان مصر والشام ورابع سلاطين الدولة المملوكية ومؤسّسها الحقيقي، الظاهر بيبرس (توفي سنة 676هـ/ 1277م)، وتقع قبالة المدرسة العادلية الكبرى(1)، وكلاهما يقعان في منطقة باب البريد التابع لحي العمارة العريق في دمشق القديمة، إحدى أقدم مدن العالم مع تاريخ غير منقطع منذ أحد عشر ألف عام تقريبًا، وأقدم مدينة ــ عاصمة في العالم، والتي اكتسبت مركزها كعاصمة سياسية وإدارية كبرى منذ الفتح الإسلامي عام 14هـ/ 635م.
الحكاية من أوّلها
تذكر المصادر التاريخية أنّه تتابع على ملكية موقعها الحالي عدد من المُلاّك من الأشراف والأعيان والحكام، إذ بُني عليه أوّل الأمر دار للشريف أحمد بن الحسين العقيقي (ت378هـ/ 988م)، ثمّ انتقلت ملكيتها إلى أبي أيوب والد صلاح الدين الأيوبي لتكون قصرًا لسكناه. وعندما آلت السلطة إلى الملك السعيد محمد بركة ابن الملك الظاهر بيبرس (ت678هـ/ 1280 م)، عمل على استملاك الدار بغية تحويلها إلى مدرسة لأتباع المذهبين الحنفي، والشافعي، ولتكون دارًا للحديث، ومدفنًا لوالده، ذلك أنّ الأمراء والملوك في تلك الحقبة كانوا ينشغلون ببناء الصروح العلمية والمقابر عوضًا عن القصور، نظرًا لانشغالهم بالحروب. كما قام ببناء قبّة كبيرة لا تزال قائمة حتّى اليوم. وقد لحق الملك السعيد بأبيه بعد نحو سنتين، ودفن إلى جانبه. وبحسب ما نصّت عليه كتابة على اللوحة الحجرية الموجودة فوق باب المدفن، فقد أمر الملك المنصور قلاوون (ت 689هـ/ 1290م) بإكمال البناء، الذي افتتح رسميًا للتدريس عام 667هـ/ 1268م، ومنذ ذلك التاريخ، وطوال ستّة قرون، وهو يستعمل كمدرسة للأحناف والشوافعة، ودارًا للحديث. ثمّ عمدت الدولة العثمانية إلى إنشاء مدرسة ابتدائية فيه عرفت باسم "مدرسة الملك الظاهر"، واستمرّت كذلك حتّى عام 1912م. وسلّمت بعد ذلك إلى المجمع العلمي العربي (مجمع اللغة العربية في دمشق حاليًا) بشكلٍ نهائي عام 1926م، لتصبح مكتبة عامّة، وما زالت كذلك حتّى الآن.
في عام 1296هـ/ 1878م، عُيّن مدحت باشا (ت 1301هـ/ 1883م) بأمر من السلطان العثماني واليًا على ولاية سورية، وكان معروفًا بحبّه للإصلاح، وتقريبه للعلماء وتشجيعه للعلم، وقد شجع ذلك عددًا من علماء الشام على الوقوف إلى جانب السلطان الجديد ومؤازرته. وكان في مقدّمة هؤلاء الشيخ العلامة طاهر الجزائري (1268 ــ 1338هـ/1852 ــ 1920م)(2)، الذي كان يشغل حينها منصب مفتش معارف الولاية السورية، وهو صاحب الفضل في دفع الحركة الثقافية والعمل على نشر العلم والتشجيع على بناء المدارس.
اهتمّ الشيخ الجزائري بما آلت إليه كتب الوقف من اختلاس وسرقة، وهاله كغيره من علماء الشام أنّه لم يبقَ من الثروة العلمية في دمشق إلّا النزر اليسير، فشكوا أمرهم إلى رئيس الجمعية الخيرية، الشيخ علاء الدين ابن العلامة محمد عابدين، الذي رفع شكواهم إلى الوالي مدحت باشا، فكتب هذا كتابًا إلى السلطان العثماني جاء فيه: "لمّا كانت الكتب الموقوفة والمشروطة لاستفادة العموم قد حصرت بأيدي المتولين، وحرمت الناس من مطالعتها كان من اللازم جمعها وجعلها في مكان مخصوص ليكون الانتفاع بها عامًّا". وردًا على هذا الكتاب، استطاع والي سورية مدحت باشا الحصول على قرار يقضي بجمع الكتب وإيداعها في مكتبة عامّة يكون مقرّها تربة الملك الظاهر وابنه، وذلك بسبب لياقتها من ناحية، ومتانة بنائها من ناحية ثانية. وأمر بطبع فهرس يتضمّن أسماء الكتب والمخطوطات التي ستجمع، كما قرّر تعيين محافظين للمكتبة ومستخدما، ووضع نظامًا خاصًّا بها، إلّا أنّه لم يستمرّ في جهوده بسبب عزله عن ولاية سورية، وتعيين حمدي باشا بدلًا منه.
وكان أوّل ما قام به الوالي الجديد لتعزيز حركة الإصلاح ونشر العلم في دمشق أن اتّخذ قرارًا يقضي بتحويل الجمعية الخيرية إلى مجلسٍ للمعارف، وجعل رئاسته لمفتي دمشق الشيخ محمود حمزة، الذي اشترك مع بعض العلماء، كالشيخ سليم العطار، وعلاء الدين عابدين، ومحمد المنيني، في مطالبة حمدي باشا بضرورة تنفيذ القرار السلطاني بجمع الكتب وإيداعها في تربة الملك الظاهر وولده، وأن تفتح لكلّ من يريد المطالعة والاستفادة. وهذا ما كان، حيث بادر الوالي حمدي باشا عام 1296هـ/ 1879م إلى جعل دار الكتب هذه تحت إشراف العلماء، ومشاركة أولئك الذين أثاروا الموضوع، وأمر بتأسيس جمعية تحمل اسم جمعية المكتبة العمومية. وزيادة في الحرص، فقد كتب ضبط استلام على عدد من النسخ قدّمته الجمعية الخيرية لجمعية المكتبة العمومية مسجّلًا محتويات المكتبة؛ أودعت نسخة منه في المحكمة الشرعية، والثانية في الأوقاف، والنسخة الثالثة في الجمعية الخيرية لتُحفظ عندها، وذلك في عام 1298هـ/ 1880م، وذُيّل كلّ ذلك بتواقيع رئيس الجمعية الخيرية وبقية أعضائها. وسرعان ما تحرّك الشيخ طاهر الجزائري وأعضاء جمعية المكتبة العمومية لجمع الكتب والمخطوطات من المكتبات الخاصّة والعامّة، وقد لاقوا عنتًا في ذلك من قبل بعض أصحابها، وتعرضوا للتهديد والقتل، لا سيّما الشيخ الجزائري، إلّا أنّ إيمانه بأهمّية الهدف لم يثنه عن عمله، وقد استطاع مع رفاقه جمع ألفين وأربعمائة وثلاث وخمسين مخطوطة تبحث في شتّى العلوم والفنون. إضافة إلى كثير من الكتب المطبوعة التي شكّلت مع المخطوطات النواة الأولى لدار الكتب الظاهرية.
ووفقًا للمصادر التاريخية، فقد جمعت هذه النواة من عشر مكتبات كانت قائمة آنذاك، وهي: المكتبة العمرية التي جمع منها 660 مخطوطًا(3)؛ ومكتبة عبد الله باشا العظم وجمع منها 461 مخطوطًا؛ ومكتبة الخياطين وجمع منها 375 مخطوطًا؛ ومكتبة الملا عثمان الكردي وجمع منها 312 مخطوطًا؛ والمكتبة السليمانية وجمع منها 130 مخطوطًا؛ والمكتبة المرادية وجمع منها 260 مخطوطًا؛ والمكتبة السميساطية وجمع منها 81 مخطوطًا؛ ومكتبة بيت الخطابة في الجامع الأموي وجمع منها 73 مخطوطًا؛ ومكتبة الأوقاف وجمع منها 64 مخطوطًا وأربعة كتب مطبوعة؛ والمكتبة السياغوشية وجمع منها 11 مخطوطًا(4).
في مرحلة تالية، أسهم عدد من العلماء ورجالات الدين والفكر والثقافة والكتّاب، إضافة لبعض المؤسّسات الرسمية كالمعارف، في تزويد المكتبة بكثير من المخطوطات والكتب المطبوعة التي أثرت الدار بالنفائس. وقد وضعت كلّ هذه المخطوطات والكتب في خزائن حول ضريحي الملك الظاهر والملك السعيد، وافتتحت المكتبة الظاهرية رسميًا، وأخذت تستقبل القرّاء والمطالعين عام 1298هـ/ 1880م. وبدأت أعداد الزائرين لها بالازدياد، كما زاد عدد المخطوطات التي ضمّتها المكتبة على 12 ألف مخطوطة، وفي عام 1987م نقلت المخطوطات جميعها إلى المكتبة الوطنية المركزية في دمشق، والتي كانت تعرف بـ"مكتبة الأسد" قبل سقوط نظام بشار الأسد البائد، في حين بقيت معظم الكتب المطبوعة في المكتبة الظاهرية ويزيد عددها على الـ 70 ألف كتاب.
منارة دمشقية علمية وأثرية وسياحية
تضمّ المكتبة الظاهرية ثلاث قاعات رئيسية؛ قاعة الشيخ العلامة طاهر الجزائري، الذي يعود له الفضل في تأسيس هذه المكتبة العريقة، وقاعة الأمير المجمعي والمهندس الزراعي مصطفى الشهابي، وقاعة الشاعر والباحث والمحقِّق خليل مردم بك، وهي خاصّة بالباحثين والكتّاب، حيث توضع تحت تصرفهم المراجع والمخطوطات والكتب القيمة كلها لإنجاز أبحاثهم.
ويُعَدّ اتّساع المكتبة وتعدّد وظائفها الحضارية تحدّيًا حقيقيًا لاشتمالها على القسم القبلي المخصّص للمدرسة الحنفية، وشرقي مخصّص للمدرسة الشافعية. إضافة إلى صالة لعرض الكتب تقع في القسم الأرضي من المكتبة؛ ترفدها مستودعات ضخمة من الكتب والمخطوطات التاريخية الهامّة.
ويُنظر إلى مبنى المكتبة الظاهرية كواحدٍ من أهمّ الأبنية التاريخية والمعالم الثقافية والسياحية في دمشق، وهي إلى يومنا هذا منارة علمية وأثرية وسياحية هامّة، كون موقعها ليس بعيدًا عن المسجد الأموي، وسوق الحميدية، وبابي دمشق "الفرج"، و"الفراديس"، ما جعلها جزءًا من النسيج الثقافي والتاريخي لدمشق الفيحاء.
تتميّز عمارة "الظاهرية" بالطراز المعماري المملوكي، حيث تحتوي على إيوان واسع، ونوافذ ضخمة، وفسقية رخامية تزينها زخارف هندسية رائعة. كما أنّ الباحة الداخلية مزدانة بأشجار النارنج. وهي لا تزال تحتفظ بكثير من النقوش والكتابات على جدرانها وأبوابها. ولعلّ واجهتي هذا المبنى من أجمل ما بنى المماليك، فهما مشيّدتان بالأحجار البيضاء والصفراء المنحوتة، وفي أعلاهما كوى مستديرة تحيط بها زخارف هندسية، ممّا يعكس جمال العمارة الدمشقية التقليدية.
في عام 2010م وأوائل عام 2011م (أي قبل اندلاع الثورة السورية بشهرين)، شهدت المكتبة الظاهرية عمليات ترميم واسعة، بعدما عانت عبر فترات زمنية طويلة من تداعيات في بنيتها العمرانية وبناها التحتية، وقد قام بهذه العمليات كلّ من مديرية الآثار والمتاحف السورية ومجمع اللغة العربية بدمشق، بالتعاون مع حكومة جمهورية كازاخستان، بهدف الحفاظ على المخزون الثقافي والعمراني، ولاستمرار مهمّتها المعرفية والتاريخية مع الحفاظ على الطراز الهندسي والمعماري الذي تتميّز به المكتبة. كذلك طاولت عمليات الترميم ضريح الملك الظاهر بيبرس.
ورغم الإهمال والتهميش الرسمي الذي طاول هذا الصرح العمراني والمعرفي خلال سنوات الثورة السورية الـ 14 الماضية، إلّا أنّها حافظت على مكانتها التاريخية، وبقيت الملاذ المعرفي ومحطّ أنظار السوريين والسياح العرب والأجانب، وفي المقدّمة منهم الكتّاب والباحثون وطلبة العلم من مختلف جامعات العالم.
هوامش:
(1) ــ المدرسة العادلية الكبرى: مدرسة علمية من العهد الأيوبي تقع مقابل المكتبة الظاهرية في منطقة باب البريد داخل مدينة دمشق القديمة. وهي تتميّز ببناء متقن وأنيق، فيه مدفن الملك العادل شقيق صلاح الدين الأيوبي، وتبعد قرابة 100 متر عن الزاوية الشمالية الغربية للجامع الأموي، وفيها أنشأ المجمع العلمي العربي برئاسة العلامة محمد كرد علي سنة 1919م. وقد مرّ تشييد هذه المدرسة بمراحل عدّة، ابتداء من عهد الملك نور الدين الزنكي الذي وضع أساساتها وأراد لها أن تكون مركزًا لتدريس المذهب الشافعي، لكنّه توفي قبل الانتهاء من العمل. ثمّ جاء الملك العادل سيف الدين شقيق صلاح الدين الأيوبي، الذي توفي أيضًا قبل إتمام المهام، ونقلت رفاته من قلعة دمشق إلى أرض المدرسة ليُدفن فيها. وأخيرًا كان الإنجاز في عهد ابنه الملك المعظّم الذي أكمل البناء سنة 618هـ/ 1222م، كما تُبيّن اللوحة الحجرية بجانب باب المدرسة الخارجي.
(2) ــ طاهر الجزائري: ولد الشيخ العلامة طاهر بن صالح بن أحمد بن موهوب الجزائري في دمشق، في سنة 1268هـ/ 1852م لعائلة جزائرية. التحق صغيرًا بالمدرسة "الجقمقية" المملوكية (نسبة لحاكم دمشق سيف الدين جقمق الأرغنشاوي)، وفيها تلقّى مبادئ العلوم المختلفة، وأتقن العربية والفارسية والتركية، وتعلّم أكثر اللغات الشرقية، كالعبرية، والسريانية، والحبشية، والزواوية. في سنة 1875م، عُين الشيخ طاهر معلمًا، فبرز بين أقرانه بذكائه وسعة مداركه وثقافته وفصاحة لسانه وقوّة حجّته وحضور بديهته. وفي سنة 1878م عُين مفتشًا عامًّا على المدارس الابتدائية، ثمّ مفتشًا عامًّا للمعارف في سورية، واختير عضوًا عاملًا في المجمع العلمي العربي سنة 1919م (قبل وفاته بثلاثة أشهر)، وعُين مديرًا لدار الكتب الظاهرية، التي ساهم في تأسيسها 1296هـ/ 1879م. توفي الشيخ طاهر الجزائري سنة 1338هـ/ 1920م، ودفن في سفح جبل قاسيون تنفيذًا لوصيته.
(3) ــ المكتبة العمرية: مكانها في المدرسة العمرية، التي أنشأها الشيخ أبو عمر محمد بن أحمد بن محمد بن قدامى المقدسي (ت607هـ-1210م)، وهي في الأصل خاصّة بالحنابلة الذين هاجروا من القدس سنة 551هـ-1156م هربًا من الصليبين واستقرّوا عند سفح جبل قاسيون وزادت محتويات هذه المكتبة كثيرًا بعد أن ضمّت إليها مخطوطات المكتبة الضيائية في نهاية القرن التاسع عشر، ولكن مجموعة من محتويات مكتبتي "العمرية" و"الضيائية" ضاعت ولم ينقل إلى "الظاهرية" منها إلّا نحو 416 مجلّدًا.
(4) ــ للاستزادة انظر: عبد الرحمن بدر الدين، بحث بعنوان "دار الكتب الظاهرية"، الموسوعة العربية، المجلّد التاسع، صفحة 114، دمشق- طبعة 2004م.
مراجع:
1 ــ موقع موسوعة دمشق.
2 ــ موقع موسوعة الآثار السورية.
3 ــ موقع الموسوعة العربية.
4 ــ موقع مجمع اللغة العربية بدمشق.
5 ــ موقع الوكالة العربية السورية للأنباء/ سانا.


تحميل المقال التالي...