اتّسم النصف الأوّل من القرن العشرين بولادة أفكار وعلوم تصحيحيّة، إذا صحّ التعبير، لا سيّما في الاجتماع والإنسانيّات. ولعلّ حصول حربين عالميتين في مدّة قصيرة بين 1914 و1939 سرّع في حدوث الطفرة، سيّما أنّ الحربين اقترنتا بالكثير الكثير من العنف ومن الأحداث التي كسرت "أنساقًا" و"أنماطًا" في فكر الاجتماع وممارسته. ناهيك عن انتصار الثورة الاشتراكيّة في ربوع روسيا (1917)، وما تعنيه من سرديّة كبرى ناشئة تتحدّى نظام الاجتماع كما كان معروفًا حتى ذلك الحين. أمّا فظائع الحروب وعنف الأنظمة الشموليّة فقد أسهما، أيضًا، في نشوء طروحات تسعى إلى تصحيح "المسار" أو وضع قواعد للعب جديد يوفّر على البشريّة فظائع وجرائم وانكسارات هائلة في أشكال الاجتماع.
صحيح أنّ فكرة الاشتراكيّة (كطور من أطوار الشيوعيّة) شكّلت تحدّيًا للاجتماع المفتوح على طريقة الرأسماليّة والبرجوازيّة، لكنها لم تستطع أن تقدّم اجتماعًا عادلًا أو خاليًا من العنف، بدلالة أنّ الستالينيّة أسّست لنظام عنف حصد الملايين (يُقدَّرون بعشرين مليونًا). فآل التحدّي إلى المستوى السياسيّ والعسكريّ أكثر منه إلى مستوى "إشراقة" الفكرة و"أفضليّتها". أمّا النظم التي نشأت في أوروبا فهي، أيضًا، جعلت المفكّرات والمفكّرين يواصلون اجتهادهم في تصحيح ما تكشّف في الممارسة السياسيّة في أوروبا نفسها، حيث اتّسعت الفاشية والنازية حدّ الإبادة وبناء الدولة المُطلقة في احتكار العنف واستخدامه. وهي الحقبة التي شهدت، أيضًا، ذروة الاستعمار في بلاد ما وراء البحار، على ما يعنيه من احتلال بلاد والسيطرة على شعوب أخرى ونهب ثرواتها وقوّة عملها من خلال التقتيل والتنكيل والإبادة. مشاهد عمّت الأرض، وكان لا بدّ من مواجهتها بأفكار جديدة نشأت وشملت مختلف نواحي الاجتماع البشريّ، لا سيّما في علوم الاجتماع والعلوم الإنسانيّة.
وقد لوحظ الجهد الخاص الذي بُذل لتنظيم العلاقات داخل الدول والمجتمعات وفيما بينها. وشهدت العلوم في هذه الفترة طفرة راكمت معارف تنقد كلّ ما كان وتسعى إلى تصحيحه. هكذا في الاشتراكية والرأسمالية، وفي الاستعمار والمجتمعات المتعدّدة الإثنيات والجماعات، وهكذا في مواجهة الاستعمار وفظائعه، وفي منع الحروب ومآسيها، وفي تقييد عنف الدول تجاه بعضها، وهكذا في مجال الاقتصاد وتنظيم الاستفادة من ثروات العالم والبحار.
في هذه المرحلة تجذّرت علوم وأفكار وطروحات ونظم وقواعد وقوانين لا يزال العالم يعمل بوحيها إلى الآن. والأهمّ أنّها التي تشكّل مصدر الحكم على الظواهر والأحداث؛ فهي التي شكّلت المرجعيّة لما هو صحيح وغير صحيح، ولما هو مسموح أو ممنوع في الاجتماع وفي العلاقات بين الدول. وعلى هذه العلوم تأسّست سلسلة لا نهائيّة من الأعراف والقوانين والمعاهدات والمواثيق التي اتّفق عليها العالم من خلال التصديق عليها بأيدي الحكومات. وهي التي تُنتج في نهاية المطاف "لغة الاجتماع البشريّ"، وبموجبها يتمّ الحكم في الخلافات والنزاعات. بها ننظر إلى الحروب وإلى السلام وإلى النمو الاقتصادي، وبها نعرّف الأزمات ومواضع الكسر والخراب.
ومع هذا، يبدو لي أنّنا على وشك أن نودّع هذه الحقبة، أو إنّنا فيما بعدها. شيء ما لم يعد يعمل في تلك الأنساق والعلوم، وصار لزامًا على البشريّة أن تُنتج غيرها. أقول هذا مع علمي التام وإدراكي أنّ الأمور لا تحصل على هذا النحو؛ إذ لا يقرّ الجميع بانتهاء مفعول وصلاحيّة أفكار وعلوم ما، فيذهبون بعدها إلى إنتاج غيرها. مثل هذه الأمور تحصل متزامنة، تتداخل وتتقاطع وتتشابه في مضامينها وغاياتها إلى أن تتبلور نهائيًّا علوم مستأنفة وبديلة عمّا كان. فقد فرضت سيرورات العولمة أفكارًا جديدة منذ عقود تتصل بالبيئة مثلًا، أو بالاجتماع وسيادة الدول والهجرة وتوزيع الثروات، أو بعلاقة الإنسان بالتكنولوجيا الفائقة وصولًا إلى الذكاء المُصنَّع. واجتهد المفكّرون والمفكّرات على مدار العالم وبكلّ اللغات والثقافات لتعريف الحقبة ومراكمة "علومها".
ومع هذا، تظلّ هناك مواقع كسر في الاجتماع البشريّ تستلزم جهدًا خاصًّا. فكما أنّ الحرب العالمية الثانية فعلت ذلك في حينه، خاصة واقعة المحرقة النازية ومحاولة إبادة مجموعات من البشر، فإن الإبادة في غزّة، أو هذا الشرّ المُطلق كما رأيناه هناك، سيفعل الأمر ذاته. لقد بدأنا نرى كتبًا وأدبيّات تتصل بما حصل تصدر بلغات عديدة وتحاول أن "تفهم" ما حدث. ونرجّح أنّ الأمر سيستمرّ، وأن الجهد الفكري والإبداعي سيتواصل، وسيربط بين حقول المعرفة وتجارب العنف الحاصلة في فلسطين أو غيرها، ليسجّل طفرة جديدة في العلوم الإنسانيّة والسياسة والاجتماع والقانون والعلاقات الدوليّة، وما إلى ذلك. ونرجّح، أيضًا، أنّ هذه المعارف ستفضي في مرحلة قادمة إلى تعديل "قوانين الاجتماع البشريّ" كلّها وفي الحقول كافّة، من قوانين التجارة إلى الشرعيّة الدوليّة، إلى العدل التوزيعي، إلى تنظيم الحروب، وإعادة تعريف المسموح والممنوع والمعقول والمرفوض، إلى آخر القائمة.
إذا كانت الحرب العالميّة الثانية كسرًا انبثقت من تحت ركامه أفكار واجتهادات وعلوم ومعارف ومضامين ومساقات كاملة في الأكاديميا ومراكز أبحاث ودراسات، فإن الكسر الحاصل الآن، كما تجسّد في إبادة غزّة، سيشكّل حدثًا مفصليًّا يُنتج معارف وعلومًا أخرى تُضاف إلى ما تراكم. وهي ليست مضامين بقدر ما هي أحكام، وليست "معارف موضوعيّة" بقدر ما هي مقترحات لتلافي حصول الفظائع الجديدة مرّة أخرى. قلنا في مادة سابقة إنّ الإبادة في غزّة تحصل في ورديّة العولمة وكجزء من نزعتها إلى سحق ودكّ كلّ ما يقف في طريقها، ومن هنا تحديدًا ستنشأ الطفرة الجديدة للعلوم الاجتماعيّة والإنسانيّة.
وهي التي ستقول لنا كيف سنعيش بشكل أكثر أمنًا في الزمن الحاضر وفي المدى المنظور؟ كيف سنتدبّر أمورنا، وكيف تكون الحياة البشريّة أقلّ عنفًا؟ ماذا يمكننا أن نفعل كي لا يفرّ مرتكبو الإبادة من العقاب؟ معارف وأفكار جديدة نشأت من السعي إلى تعريف العولمة والظواهر المرتبطة بها، ومن قراءة الخرائط الجديدة للبشريّة وطبيعة العلاقات وتوزيع الثروات والقوّة، ومآلات السياسة وآفاقها وتحوّلاتها.
كان التحليل الماركسيّ في زمان مضى كفيلًا بفهم ظواهر كهذه، لكنه لم يعد كافيًا وحده. وكنّا نراهن على شرعيّة دوليّة وقانون دولي لوقف انتهاكات حقوق الإنسان أو منع الإبادة، وهذا، أيضًا، لم يعد كافيًا. وكنّا نستند إلى أدبيّات ما بعد الاستعمار وحركات التحرّر والدولة القوميّة للتقاضي وفضّ النزاعات، وهذا أيضًا لم يعد كافيًا. نحن بحاجة إلى علوم تقرأ العالم وتحوّلاته من جديد، وتقترح مخارج من عنق الزجاجة ومن النزف الحاصل. كنّا مع علوم ما بعد المحرقة النازية، وأظنّنا على أبواب علوم ما بعد الإبادة في غزّة.
إنّها حاجة الإنسان بوصفه كذلك، وإن كان الأكثر حاجة لها هم الناس في غزّة. صحيح أنّ بعض المراكز الأكاديميّة بدأت الحرب على هذه المعارف والعلوم، وعلى قمع العلوم الإنسانيّة والاجتماعيّة وما تفتحه من فرص للتطوّر انطلاقًا من غزّة وجرحها المفتوح، لكننا نستبعد أن تستطيع هذه المحاولات وقف شلّال المعارف والعلوم من التدفق. أمّا انتظار المعارف والعلوم فهو، يقينًا، أفضل ألف مرّة من انتظار البرابرة أو من المكوث في حضرتهم.


تحميل المقال التالي...