}

طَمْرة: الأرض هي حياة الإنسان

محمد جميل خضر محمد جميل خضر 25 يوليه 2026
أمكنة طَمْرة: الأرض هي حياة الإنسان
طمرة أيام زمان

مثل باقي مدن وبلدات وقرى فلسطين... كل فلسطين، فإن لِطَمْرة، القرية الفلسطينية الجليلية البهيّة التي كبرت وصارت مدينة، تاريخها النضاليّ الجهاديّ الكفاحيّ في مقاومة العصابات الصهيونية ومجالدة من أتى بها من أصقاع الأرض كلها لسرقة أرضنا وحقنا ومباهج كنعانيّتنا ونضارة حقولنا وطهارة مرامينا. طمرة قاومت حتى أثمرت مقاومتها المباركة تجنيبًا لأهلها من التهجير الذي لحق بمعظم القرى المحيطة بها؛ ومن القرى المهجّرة حول طمرة: الرويس والحدثة والدامون وأمّ الزينات وغيرها، ومعظم أهالي هذه القرى لجأوا، لكي لا يغادروا فلسطين، إلى طمرة، فإذا بها بعد أن كان عدد سكانها لا يتجاوز قبل عام النكبة 2000 نسمة، يناهز اليوم 35 ألف نسمة وأكثر. تنوّعٌ أغنى طمرة، وأكسبها مساحات وافرة من فرص الاستثمار في الأرض والذاكرة، كما فعل، على سبيل المثال، الحاج خليل محمد أبو حميد أبو الهيجا (أبو إبراهيم) صاحب البيت التاريخي في طمرة الذي استقر به المقام داخل ربوعها بعد أن شهدت رحلة تهجير أهالي قريته مراحل عديدة، انتقل أهله "حيث كان في عام النكبة صغيرًا في الثانية عشرة من عمره" خلالها من الحدثة، بلدهم الأصلية، إلى شعب إلى مجد الكروم التي اختبأوا فيها بين أشجار الزيتون، وصولًا، أخيرًا، إلى طمرة. وجود هذا العدد من المهجّرين في طمرة حمّلها مسؤولية وطنية وأخلاقية تصدت في سياقها لمختلف أشكال الالتفاف على حقوق هؤلاء المهجرين "طبعًا هذا الواجب وهذا الدور الذي تكفّلت به طمرة ليس له أدنى علاقة بحسن ضيافة المدينة الزاهية الجميلة لأبناء شعبها الفلسطيني من البلدات المجاورة الذين وجدوا فيها الملاذ والصدر الدافئ والبيوت المفتوحة والأرزاق المتقاسمة". في هذا السياق (سياق الدور الدفاعي عن حقوق المهجّرين) عُقِد في طمرة في عام 2016، اجتماع جماهيري دعت إليه جمعية الدفاع عن حقوق المهجّرين والمركز العربي للتخطيط البديل بالتعاون مع لجنة المتابعة العليا للجماهير العربية. الاجتماع تناول قضية المروّجين الذين حاولوا الإيقاع بأهالي القرى العربية المهجّرة وإيهامَهم بإمكانية الحصول على تعويضات عن سلب أراضيهم ومصادرتها. كما تزامن الاجتماع مع حملةٍ حملت عنوان: "لا للتفريط بأرض الآباء والأجداد". إجمالًا، تهدف جمعية الدفاع عن حقوق المهجّرين، ومثيلاتها من الجمعيات الفلسطينية في بلادنا المحتلة إلى: التمسّك بالإرث، الدفاع عن الأملاك، التشبث بالأرض، التحقق من أي مبادرة متعلقة بالتعويضات وغير ذلك، نبذ السمسرة إضافة إلى توعية أصحاب الأرض الأصليين. الاجتماع الذي عقد في طمرة استُهل على أنغام نشيد "موطني" ومقاطعه الوجدانية العميقة.

طمرة ترحّب بضيوفها وبكلِّ طارقٍ لبابها 


نخلةُ كنعان
تقول الأسطورة الفلسطينية الكنعانية المعتّقة إن أميرًا كنعانيًا يعشق التمر ويقدّر نخيله العالي، مرّ من البلدة الكنعانية التي صارت اليوم تحمل اسم طمرة، أحب المدينة، وجذبه نسيمها العليل، فاستقر فيها ردحًا من الزمن، وهناك غرس الأمير عمّاته النخلات، فصارت البلدة تمرة/ ثمرة من ثمرات فعله الخصيب، ومع تبدل القرون والحروف صارت التمرة طمرة. تتوسط طمرة الجليل الغربي بزهو كبير، وتلال مشرفة، ومساحات واسعة تتعربشها الدوالي، وتمتد على وسع بصرها حقول الخيار والباذنجان والكوسا، إلا أن لباذنجانها خصوصية حتى بات يقال له الباذنجان الطمراوي. المفارقة اللافتة أن الخيار الذي صار اليوم من أهم المحاصيل التي يزرعها مزارعو طمرة، لم يكن من الخضروات الشائعة في البلدة قبل عام 1948، بل كانت مشهورة بالفقوس، ولكن التداخل المعرفي الذي حظيت به طمرة "الدار الكبيرة لضيافة المهجّرين" أتاح لها الانفتاح على محاصيل جديدة، والتعامل مع خبرات زراعية وصناعية ومجتمعية جديدة، علاوة على ما حمله معهم المهجّرون من ثقافة وحصافة وفنون، فإذا بحارات طمرة الرئيسية الخمس: ذياب وحجازي وعوّاد، إضافة إلى الحارة الفوقا والحارة الغربية "حارة الحجايلة"، تتسع... تكبر... وتحضن في ربوعها الأهل والأقارب والنسايب والأحبة من قرى هَجّرت أهلها العصابات، وجار على نعيمها وأمنها واستقرارها الجائرون من المعتدين والساكتين عليهم من عرب وعجم وشرق وغرب أجمعين. إضافة إلى عائلات الحارات الثلاث: ذياب وحجازي وعواد، في طمرة عائلات أخرى كثيرة مقرّها الحارتان الفوقا والغربية، ومنها: أبو رومي، ياسين، الخطيب، همّام، مريح، شمّا، كنعان وناطور. الفنان الفلسطيني سعيد سلامة أنجز ضمن برنامج "إيابًا" حلقتين عن طمرة، في الأولى قابل المعمّر "أبا فراس"، الملاحق أمنيًا والمدرج في القوائم السوداء للعصابات الصهيونية والذي ظل، بسبب كل ذلك، خاضعًا لإقامة جبرية تمنعه من الخروج خارج نطاق مثلث مكوّن من: الناصرة/ الرامة/ عكا. فإذا به، وتحقيقًا لاستقلالية يعشقها ويتمسك بها، يتفرغ للأرض، يزرعها ويحرث خيرها ويرعى خصبها، وإذا بفرسه الأصيلة تصير رفيقة أيامه، وونيسة هجعاته وحيدًا داخل مزرعته الواسعة الخصيبة. يقول أبو فراس حول ما اجترحه من خيارات: "للضرورة عبر وللعبر أحكام". ثم يشرع في توضيح أسباب تهجير أبناء القرى المجاورة لطمرة: "زعيم عصابة السديروت ’المدعو بركات’ لم يكن يرغب بوجود ’أقليات’، فأفرغوا المدن والقرى من أصحابها، ووضعوا مكانهم صهاينة آتين من كل حدب وصوب".

طمرة: "مدينة بروح قرية"... 


سرقوا بيوت الناس في عكا ويافا وصفد واللد والرملة وطبريا وبيسان وقيسارية وغيرها، وسكّنوا أشتاتهم وشذّاذ آفاقهم فيها! في عام 1966، اشترى أبو فراس تراكتورًا مستعملًا، ومن هناك بدأت رحلته مع الزراعة التي وجد فيها خلاصه وانعتاقه وحريته المشتهاة. سعيد سلامة ترك أبا فراس يطعم فرسه بيده ويحدب عليه، موثقًا علاقة قديمة بينهما وأصيلة وحارّة مثل علاقة أبي فراس بأرض أجداده، وذهب لمقابلة د. سهيل ذياب، رئيس بلدية طمرة السابق الذي استقبله في بيت شَعر كبير وأمامه فوق ربوة صخرية من حجارة المدينة بكرج قهوة كبير وإلى جوار الدلّة/ النصب هلال رمضان لأن الحلقة صورت في الشهر الفضيل. من دون مقدمات شرع رئيس البلدية يقول ويتغنّى: "أنا طمراوي يا نيالي... استقبل أبناء بلدتي أحباءنا وأهلنا وإخواننا المهجّرين من قرى مثل الدامون، الرويس، ميعار، الحدثة، وقرى كثيرة أخرى... (سعيد سلامة يكمل معه مذكرًا له بقرية أم الزينات)... تقاسمنا وهم البيوت ولقمة العيش". ذياب ترك الحديث عن تاريخ طمرة مؤثرًا التطرق لحاضرها وما تنوي البلدية إنجازه في المتعيّن من زمن إدارتها؛ مثل مشروع المدينة الرياضية شمال البلدة على مساحة 42 دونمًا، إضافة لتشييد مبنى جديد كبير للبلدية ووضع أقسام البلدية جميعها في مبنى واحد. رئيس البلدية ختم بالقول: "كما قضينا على آفةِ كورونا، نأمل أن نقضي على آفةِ العنف التي بدأت تستشري وتتوسع في الأوساط الفلسطينية داخل فلسطين التاريخية (داخل الخط الأخضر)".
تزهو طمرة بمسطحاتها الخضراء وأزهارها البرية المنتشرة في معظم أرضها وروابيها وحول جسر السيارات الرئيسي الذي يصلها بالمدن الفلسطينية حولها.

طمرة 


كما تتميز طمرة بانتشار النصب والمنحوتات التعبيرية والدالّة والمنسجمة مع هويتها الفلسطينية العربية، التي تتوسط معظم دواويرها؛ أحد هذه الدواوير تتوسطه خارطة كبيرة للوطن العربي، وحول الخارطة عدد من أشجار النخيل رمز المدينة وأصل اسمها. الدوار الموجود عند مدخل المدينة تتوسطه شجرة عتيقة وثلاثة أزْيار (جمع زير) فخّارية. الشجرة العتيقة وشجيرة صغيرة قربها مسيّجتان بحبل أضواء يمنح ليل المدينة روحًا حيوية بهيجة. دوار آخر يتوسطه نصب يمثل مئذنة جامع وعليه نجمة وهلال.

مطلٌ مدهش

في الحلقة الثانية من برنامج "إيابًا" عن طمرة، استضاف المهندس مصطفى أبو رومي، وشكّل انتقالهم إلى مطل صنيبعة المحور الأهم في الحلقة، فهناك حيث حوّل أهالي حارات طمرة جميعها مكب نفايات مقيت إلى محمية طبيعية، يتجلى المطل بوصفه لحظة من صفاء الروح في طمرة، فرصة اكتشاف واستكشاف، زيارة تحديق مشتاقة لحيفا وشفاعمرو وكنيسة مار إلياس وسلسلة جبال الكرمل وجامعة حيفا والدالية وكنيسة المحرقة التي تطل على مرج بن عامر، وأخيرًا، وليس آخرًا، بيت سعيد سلامة ناحية الجنوب الغربي من المطل. أبو رومي يكشف لسلامة أن فوق هذا المطل مطلًا أعلى منه تقطنه أسر طمراوية لديها تراخيص بناء منذ عام 1928، لكن العصابات منعتها من توسعة بيوتها والاستفادة من الرخص التي بحوزتها، وإلا لكان فوق المطل مطل أكثر إطلالة منه وأشرح صدرًا وأوفى حقوقًا.

مشهد بانورامي لطمرة  


وفي طمرة إضافة لما تقدم، حركة فنية ناهضة، وفيها مهرجانات سنوية، ونواد صيفية، وللفنانيْن التشكيليين سلام منير ذياب وأحمد كنعان وغيرهما أياد بيضاء في تجميل المدينة وإعمارها بالنشاطات والمعارض والأعمال النحتية والتركيبية، وفي مد جسور التواصل بينها وبين باقي مدن فلسطين التاريخية وبلداتها وقراها. هذا ما تؤكده هيام ذياب، المديرة الفنية لمهرجان طمرة الثقافي، رائية أن طمرة تقدم نفسها من سنوات عديدة بشكل حضاري لافت. من جهته، يتحدّث الفنان التشكيلي فؤاد اغبارية المشارك في المعرض المقام ضمن فعاليات المهرجان، عن ثورة فلسطينية ثقافية معرفية وجدانية موقفية تعكس تطور وعي فلسطينيي الداخل بقضيتهم وأوضاعهم، تواكبها ثورة فنية بازدياد صالات العرض وتسابق الشباب على الفنون التعبيرية والتشكيلية. أما نضال عثمان، نائب رئيس بلدية طمرة، فيقول: "في فلسطين داخل الخط الأخضر أبطالنا هم فنانونا ولاعبو كرة القدم، حيث أن تميزّنا على الصعد الفنية والرياضية والعلمية سيشكّل نواة نماذج أبطال لأطفالنا يمكن أن يقلدونهم لاحقًا ويسيروا على نهجهم".
أما المشروع الأهم الذي أنجزه الفنان سلام منير ذياب فهو إصداره كتابًا موسوعيًا حمل عنوان: "مائة عام على التصوير في طمرة". الكتاب الذي يشكّل، كما يكشف الفنان نفسه، ثمرة جهد استغرق منه 19 سنة متواصلة، يحتوي على أكثر من ستة آلاف صورة تروي قصة طمرة وتوثّق تاريخها؛ صور لأهالي طمرة قبل الاحتلال، صور إبّان النكبة، عند اللجوء، صور لمقاومين وشهداء، صور لقيادات ومواطنين بسطاء، صور تظهر جمال المواطن العربي البسيط الذي عرف بكرمه ودماثة أخلاقه وحبه للأرض والوطن. صور تروي الحقيقة الفلسطينية وتؤكد أن الفلسطينيين الكنعانيين هم أصحاب هذه الأرض الأصلانيون. ذياب يقول: "أنا أحب بلدتي طمرة من جهة، وأحب الصور من جهة ثانية... وعمومًا يسكنني خوف ضياع الصور (فوبيا فقدان الذاكرة)... وعادة ما كنت أحفظ الصور داخل الكتب والكراسات وفي أي مكان يبقيها سليمة وآمنة وبعيدة عن الضياع... قبل كتابي هذا أصدرت كتابًا بحثيًا حمل عنوان ’فنانون من طمرة’، وخلال عملي عليه اكتشفت أن لدينا مخزونًا بصريًّا نوعيًا لا يمكن التفريط به، ومن هنا جاءت شعلة كتابي ’مائة عام...’، وخلال شروعي بإنجاز الكتاب جمعت أكثر من ستة آلاف صورة ووثيقة ومادة فيلمية (أفلام فيديو)... يمكن تسمية الكتاب ’الألبوم الطمراوي’ لأنه يشمل عائلات طمرة جميعها ومناسباتها، وهو مكوّن من سبعة فصول؛ واحد للأعراس، وآخر للعوائل، وثالث للأطفال، ورابع للمهن، وخامس للمباني، وسادس لمقاومة أهل طمرة، إضافة إلى فصل خاص بالصور الجوّية (صور التقطت من الجو)". الفنان سلام يوضح أن الصور أظهرت له كم هي طمرة بلدة مضيافة، وكم أهلها مثقفون يحبون الحياة ومترابطون اجتماعيًا ويعتدّون بماضيهم وتراثهم وعروبتهم وفلسطينيّتهم. ومن الصور مجموعة لطقوس الأعراس في طمرة حيث كان العريس يحمل ثلاثة عصي فوقها ثلاث حبات تفاح وعلى رأس كل حبة ضمة قرنفل. يقول سلام: "الصور تقول إننا هنا من مائة عام على الأقل... وإن لدينا حضارة وحواضر وتاريخ عريق"، ويعرّج على رسالة أرسلها له صديق يقول له فيها: "شكرًا إلك سلام أول مرّة بشوف سيدي (جدي)".
في طمرة حركة نشطة في مواجهة العنف الذي لا يشبهها ولا يشبه أي مدينة فلسطينية لها جذورها وقيمها وأعرافها وأخلاق أهلها. وفيها رقاطيّ وعصافير كثر، وحبق وريحان ونعناع، ونساء يهزجن بجفرا وربْعها الأصايل، وشاب يرفع علم فلسطين فوق سطح بيته متأثرًا ببركات الطوفان. وأما أحد مزارعيها فيقول: "إن الأرض هي حياة الإنسان".

الدخول

سجل عن طريق

هل نسيت كلمة المرور؟

أدخل عنوان بريدك الإلكتروني المستخدم للتسجيل معنا و سنقوم بإرسال بريد إلكتروني يحتوي على رابط لإعادة ضبط كلمة المرور.

شكرا

الرجاء مراجعة بريدك الالكتروني. تمّ إرسال بريد إلكتروني يوضّح الخطوات اللّازمة لإنشاء كلمة المرور الجديدة.