1-
اكتسبت مسألة "المعنى المشترك"، في السنوات الأخيرة، أهمية متزايدة في العلوم الإنسانية والاجتماعية. كما اجتهدت العديد من الدراسات حول هذا الموضوع في استكشاف مساراتٍ مختلفة ومتباينة، وإن كانت تتقاطع أحيانًا.
من الواضح أن الحديث عن "المعنى" يتسم بطابع طموح ومبالغ فيه للغاية؛ فلو استطاع المرء تحديد ماهية "المعنى"، لكان قد قدّم فورًا مفتاح الحل لكل معضلة فلسفية. هذا رأي مقنع أدلى به اللساني الفرنسي أوزوالد ديكرو.
رأى أ. ديكرو أن كل ما بوسعه فعله هو الإشارة إلى الكيفية التي يواجه بها المرء، بصفته لغويًا، "مفهوم المعنى" هذا؛ لأن ذلك يوحي بأننا نعرف ماهيته مسبقًا وأنه يمثل "مفهومًا" بالفعل. فما يواجهه المرء في الواقع هو الحاجة إلى استخدام كلمات مثل "المدلول" “sens” أو "الدلالة" “signification” أثناء عملية الوصف، من دون أن ندرك تمامًا ما تعنيه هذه الكلمات، أو حتى ما إذا كانت تحمل أي معنى على الإطلاق، يضيف أ. ديكرو دائمًا.
إن المعنى، في عرف اللسانيين، وكما يوضحه أ. ديكرو، هو شيء غير محسوس. وموضوع دراسة اللغوي ينصبّ على الكلمات، سواء أكانت شفهية أو مكتوبة أو إيمائية، وهي بالتالي أشياء تبدو مدركة بالحواس "مسموعة أو مرئية". ومع ذلك، لا يمكن للغوي أن يعنى بكل صوت يُنتج، أو كل علامة مكتوبة، أو كل إيماءة؛ بل ينصبّ اهتمامه فقط على ما يُقال عادةً إنه "يحمل معنى"، أو ما يساهم في بناء تعبيرات أكثر تعقيدًا "تحمل معنى". ومن ثم، تبدو العناصر التي يتمّ الاشتغال عليها كيانات محسوسة تشير، وفق قواعد محددة، إلى شيء غير محسوس. وهذا العنصر غير المحسوس هو ما نطلق عليه اسم "المعنى". غير أن علينا أن ندرك، حسب أ. د دائمًا، أننا لا نملك حتى الآن سوى تعريف سلبي بحت، أو بالأحرى توصيف، لهذا الأمر: فالمعنى هو شيء غائب يُستدل عليه من خلال حضورٍ محسوس "أو، لنقل ’حضور يبدو محسوسًا’ لبعض العناصر".
2-
يبدو مفهوم "المعنى"، حسب اللساني والفيلسوف الفرنسي جورج إيليا سرفاتي (1957-...)، غنيًا بطبيعته ومعقدًا في آنٍ واحد، بل وربما يصعب تعريفه. فمن واقع التجربة، ندرك ماهية المعنى ومقوماته؛ إذ يمكننا تمييز ما ينطوي على معنى، وفي المقابل، ما يفتقر إليه أو يعجز عن تحقيقه "كالهراء، والعبث، واللامعقول، وما إلى ذلك". ولكي ندرك أن التجربة المفعمة بالمعنى تنطوي على جوانب ومستويات شتى، تتداخل وتتفاعل عادةً في آنٍ واحد، يقترح ج. إيليا سرفاتي، أنه يتحتم علينا التواصل مع تجربتنا الذاتية العميقة والمُعاشة لهذا المعنى.
يمكننا استكشاف هذا المفهوم عبر تحليل مكوناته والسعي لتمييز مستوياته المختلفة "وهي ثلاثة بالنسبة لسرفاتي"، ومن ثم تحديد الركائز التي يستند إليها شعورنا بوجود المعنى. كما يمكننا النظر في تعدد دلالات كلمة "معنى" لتصور التجارب التي تشملها هذه الكلمة: 1- يرتبط المعنى أولًا بالبُعد الدلالي للغة المنطوقة، التي تتشكل من عناصر ذات دلالة في اللغة التي نتحدث بها؛ 2- يشير المعنى إلى تجربتنا الحسية لأنفسنا في هذا العالم، فضلًا عن تجربتنا للعالم وللآخرين؛ 3- يُعبّر المعنى أيضًا عن واقعٍ زماني- مكاني يُشكّل تصورنا لمشاريعنا؛ إذ يشير إلى شيء يقع "قبل" لحظتنا الراهنة أو "ما وراءها". إن أي شيء نضفي عليه معنى، أو نحكم بكونه ذا مغزى، يجمع بين هذه الجوانب الثلاثة للمعنى كما تتجلى في آنية فهمنا وإدراكنا.
3-
لم يدع المعنى مكانًا إلا ودخل إليه واستقرّ فيه. هنا سنتحدث عن مجال العمل، حيث المعنى لا يُمنح ببساطة، بل يجب السعي وراءه واكتشافه، وإن كان بإمكان المدير مساعدة أعضاء فريقه في العثور عليه. وفوق كل شيء، يستطيع المدير تهيئة ظروف عمل من شأنها، من منظور موضوعي، أن تضفي معنىً على عمل الموظفين؛ فالمعنى الذي يربطه الموظف بعمله هو تجربة ذاتية تتجلى في مدى الأهمية التي يوليها للمهمة الموكلة إليه، مما يمنحها قيمةً تبرّر الجهد اللازم لإنجازها. هذا ما يؤكده جان كلود أنسولي، الخبير الفرنسي في مجال الأعمال.
إن العثور على المعنى يحقق التوازن النفسي ويعزز كل تجربة، سواء في مجال الأعمال أو في المجال الأدبي والفلسفي والوجودي، بشعور بالترابط والاتساق والتوازن والرضى. ومع ذلك، لا يعتمد هذا التوازن على الفرد وتحقيق تطلعاته فحسب، بل يتوقف أيضًا، وربما بنفس القدر، على جودة المناخ الاجتماعي داخل مجموعة العمل؛ ففي حين أن التجربة بحد ذاتها فردية، إلا أن العوامل التي تشكّلها هي عوامل جماعية. إن معنى العمل يرتبط بلا شك بالمهام أو الأنشطة المتأصلة في الدور أو الوظيفة، لكنه يختلف أيضًا تبعًا للسياق العلائقي داخل المجموعة العملية والثقافية، أي التفاعلات مع الرؤساء وأعضاء الفريق والزملاء والعملاء والموردين؛ فهو في جوهره بناءٌ اجتماعي.
المعنى، إذًا، هو عامل مشترك وحاسم في البحث عن السعادة. لذلك فكل عمل يفتقر إلى المعنى يُنظر إليه باعتباره عملًا عبثيًا، مما يثير مشاعر الفراغ وغياب الأصالة والتنافر العاطفي والعجز. وفي الحالات القصوى، قد ينزلق الباحثون عن المعنى إلى حالة من اللامبالاة والملل، أو حتى الوقوع في براثن الاكتئاب، إذا ما تعذّر العثور عليه.
4-
تناولت الفيلسوفة الفرنسية سابينا تورتوريلّا مفهوم المشترك عند هيغل في دراسة لها "حول المشترك والجماعة عند هيغل". وقد أكدت دراستها بالفعل أن "المشترك" مفهوم فلسفي اجتماعي متعدّد الدلالات والحقول. وذلك من منظور النقاش المعاصر الدائر حول "المشاعات" أو "الموارد المشتركة"، بهدف إبراز أهمية هذه المفاهيم في مؤلف هيغل "مبادئ فلسفة الحق" وتبيان راهنيتها المستمرة. في البداية، استعرضت الدراسة التصور الهيغلي للملكية، مع التركيز بشكل خاص على خصائص وحدود كل من الملكية الخاصة والملكية المشتركة. ثم انتقلت إلى المجتمع المدني، باعتباره الحيز الجوهري للمشترك، إذ يضم هذا المجتمع مجموعة من الممارسات والمؤسسات الاجتماعية الناشئة عفويًا والمنوط بها صون الخير الجماعي. وأخيرًا، سعت إلى إظهار أن الخير المشترك يقع، بالنسبة لهيغل، ضمن ما يسميه "الخير الحي"؛ وهو تعبير يستخدمه لتعريف "فكرة الحرية" التي تميّز الحياة الأخلاقية.
5-
يلاحظ سيدريك باتيرنوت، أستاذ الفلسفة في جامعة السوربون، أنه في اللغة الدارجة، يُستخدم مصطلحا "المعنى المشترك" و"المعرفة المشتركة" وكأنهما مترادفان تقريبًا؛ فالمعرفة المشتركة تشير إلى ما يعرفه الجميع أو ما ينبغي عليهم معرفته، وبالمثل، يشير "المعنى المشترك" إلى هذه المعرفة أو إلى الملكة التي تتيح الوصول إليها. ومع ذلك، وكما هي الحال غالبًا، اكتسب هذان المصطلحان دلالات محددة في الفلسفة أدت إلى تباينات واضحة، لدرجة أن "المعنى المشترك" و"المعرفة المشتركة" يبدوان الآن مفهومين متمايزين، أو حتى مستقلين، عن بعضهما البعض. يتمتع مصطلح "المعنى المشترك" بتاريخ طويل وهو متعدد المعاني؛ إذ قد يشير، تبعًا للسياق وللكاتب، إلى ملكة حسية مشتركة، أو إلى شعور بالانتماء للمجتمع، أو إلى حسٍّ يتشاركه أفراد المجتمع، سواء تعلق الأمر بمعارف أو معتقدات مشتركة، أو بطرق اكتسابها ونقلها، أو بنمط شائع من أنماط التفكير. وفي المقابل، رسّخت نظرية المعرفة المعاصرة مفهوم "المعرفة المشتركة" بوصفه مفهومًا محددًا، بل وتقنيًا، يبدو خاليًا من الغموض؛ فهو يشير إلى معرفة عامة وشفافة تمامًا داخل مجموعة معينة، بحيث يُعد امتلاك الجميع لها أمرًا بديهيًا لا يحتاج إلى بيان.
في دراسته عن "المعنى المشترك والمعرفة المشتركة" يؤكد سيدريك باتيرنوت أن عملية تحليل "الحس المشترك" تكتسي شيئًا من التعقيد نظرًا لعدم وجود مفهوم واحد له، بل مفاهيم متعددة، طُوِّرت لأغراض شتى، تكتسب فيها كلمتا "المعنى" و"المشترك" دلالات متباينة. فبالنسبة لأرسطو، كان المفهوم في بدايته يشير إلى تضافر الملكات المعنوية، مما يتيح إدراك "ما هو مشترك بين معانٍ عدة" بوصفها كلًا موحدًا. وهنا، يُعد "المعنى المشترك" بمثابة الرابط الذي يجمع الحواس. وفي مرحلة لاحقة، ارتبط المعنى المشترك لدى كانط بالحكم الجمالي؛ إذ عرّفه بأنه "ملكة يتمثل موضوعها الأصيل في قابلية نقل الشعور الجمالي إلى جميع البشر ومشاركته معهم". وفي هذا السياق، يمثل المعنى المشترك شرطًا لإصدار أحكام الذوق (س. ب). وهو يُوصف بأنه "مشترك" لسببين: أولهما أنه ينشأ عن التفاعل بين ملكات عقلية شتى، كالخيال والفهم وغيرها، وثانيهما، والأهم، أنه يُمكّن الذات التي تمتلكه من التوصل إلى حكم "بين-ذاتي" أي "حكم مشترك بين الذوات" يحظى باعتراف الجميع وفهمهم. إنه يشكل "شرط إمكانية استشعار المرء في داخله لما هو مشترك بين الجميع". وهذا الاتفاق مع الآخرين هو الموضوع ذاته، وربما الموضوع الوحيد، للمعنى المشترك.


تحميل المقال التالي...