يمكن للمرء أن يظل في مدينته جسديًا، بينما يُقتلع منها معنويًا. أن يبقى في المكان، لكن شروط وجوده تتغير، والروابط التي تمنح حياته سياقها تتفكك بصمت، فيغدو حاضرًا بجسده وغريبًا عن نظام المعنى الذي يحيط به. هذه هي المعركة الحقيقية في القدس: صراع لا يدور على الأرض وحدها، بل على ما تعنيه الأرض، وعلى حق ساكنيها في إنتاج هذا المعنى كل يوم. فالمدينة لا تعيش في الحجارة وحدها، ولا تركن لحماية الأسوار، بل تسكن داخل شبكة معقدة من الدلالات تتشكل عبر تراكم الزمن؛ الزقاق سجلٌّ يحمل أسماء أهله، والباب تاريخ عائلات وحكايات، والسوق صدى أصوات متوارثة. وحين تتعرض هذه الشبكة للهدم المنهجي، لا ينهار العمران فحسب، بل يتفكك معه أيضًا جزء من الإنسان الذي يسكنه.
مدينة الحواس
القدس في الوعي الفلسطيني مدينة تُعاش قبل أن تُعرَّف؛ حيث يعيد المقدسي إنتاج مدينته يوميًا عبر أفعال تبدو في الظاهر عادية، لكنها في جوهرها سياسية مكثفة. تبدأ التجربة الحسّية من اللحظة التي يطأ فيها درجات باب العامود. هذا الباب ليس مجرد أثر معماري، بل هو مسرح التوتر الدائم؛ حيث تنتصب نقاط التفتيش وتنتشر عيون الكاميرات التي تلاحق حركة العابرين. بالنسبة لشاب مقدسي، فإن المسافة الفاصلة بين باب العامود والمسجد الأقصى، والتي لا تتجاوز بضع مئات من الأمتار، هي رحلة محفوفة بالتحرش الأمني، قد يواجه فيها نقاط تفتيش متعددة في غضون عشر دقائق، تجعل من جسده "حاملًا للمدينة" ومستهدفًا في آن.
يمشي المقدسي في طريق الواد وصولًا إلى سوق العطّارين، فتختلط حواسه برائحة البهارات والزعتر المقدسي الأصيل. لكن هذه الرائحة كثيرًا ما يغزوها دخان الغاز المسيل للدموع الذي تطلقه قوات الاحتلال في الأزقة الضيقة وعلى المصلّين، فتعلق رائحته الحارقة بالأنوف والملابس والجدران. هذا الصدام بين رائحة الأرض ورائحة القمع والتوتر هو تجسيد مادي لمعركة المعنى؛ حيث يحاول الاحتلال تلويث التجربة الحسّية للمقدسي بمدينته، بينما يصرّ المقدسي على استعادة إيقاعه اليومي رغم "هندسة المحو" الصامتة.
السيطرة عبر اللغة
المكان يتنفّس عبر الأسماء، لأن اللغة هي عنوان الوجود والهوية، وحين تُفرض عملية تغيير الأسماء، تفرض معها محاولة قسرية لتمزيق علاقة الإنسان بالمكان. وهذا بالضبط هو جوهر سياسات الأسرلة منذ عقود؛ مشروع ممنهج لتجريف أسماء الشوارع والأحياء والبوابات، لم يعد حبيس المخططات، بل صار أمرًا واقعًا مكتملًا على اللوحات والخرائط الرسمية وفي الخطاب السياحي والإعلامي.
المسجد الأقصى صار يُسمّى رسميًا في لغة الدولة "هار هبايت" (جبل الهيكل)، وحي الشيخ جراح صار "شمعون هتصديق" (شمعون الصدّيق) في اللافتات التي تعلو مداخله. وداخل البلدة القديمة، طاول التغييرُ الأزقة: فطريق الواد، الشريان الحيوي الذي يربط باب العامود بالمسجد الأقصى، أُدرج في اللافتات البلدية باسم "شارع هاجاي"، وتغير اسم طريق القصور الأموية المحاذي لسور الأقصى الجنوبي (طريق سلوان) إلى "شير همعلوت"، بالإضافة إلى تغيير أسماء أزقة وشوارع في بلدة سلوان إلى أخرى تلمودية وتوراتية وباسماء حاخامات يهود. أسماء فلسطينية تاريخية تمُحى من المشهد البصري للمدينة، لتحلّ محلها أسماء غريبة عن ذاكرة أهلها وثقافتهم.
| |
| في القدس الزقاق سجلٌّ يحمل أسماء أهله، والباب تاريخ عائلات وحكايات، والسوق صدى أصوات متوارثة (Getty) |
لكن هذه الجراحة في جسد التسمية، على عنفها، تنتج مفارقة: الاسم القديم يُطرد من لوحة الشارع ليلجأ إلى الذاكرة، فيصير أكثر رسوخًا. ففي اللحظة التي تنجح فيها السلطة في تغيير الاسم على الخريطة، يتحول الاسم العربي إلى سرّ جمعي، إلى إرث يُتوارث، إلى فعل تحدٍّ يومي في حديث الناس. القدس تعيش في اسمها العربي الأصيل، لأنّ المقدسيين يواصلون تسميتها بأسمائها الأولى. هذا هو جوهر معركة الوجود: المحو يحدث على اللافتات والخرائط، لكن الذاكرة الشعبية تبتكر أشكالًا أخرى من البقاء، مؤكدة أن الاسم الذي يسكن الذاكرة الجمعية أعصى على الاستئصال من الاسم المنقوش على معدن.
بين اليومي والمقدّس
لكن معركة المعنى في القدس لا تتوقف عند حدود اللغة واللوحة؛ فهي تمتد من الاسم إلى الوعي، ومن اللافتة إلى الحواس، لتصل إلى أعمق طبقات التجربة الإنسانية في المدينة. المسجد الأقصى هو مركز المعركة الأكثر كثافة. انتشار الجنود على البوابات، اقتحامات المستوطنين المتكررة، ومنع المصلين من الوصول إليه والاعتكاف فيه، كلها أدوات لا تستهدف المكان بوصفه حجارة فقط، بل بصفته مركز إيقاع يومي كامل. في كل مرة يُغلق فيها باب من أبواب المسجد، أو يُطرد فيها شاب من ساحاته، لا يُمنع فرد عن الصلاة فحسب، بل يختل إيقاع المدينة كلها من نقطة مركزها.
لا تقتصر هذه المعركة على المسجد الأقصى، بل تمتد لتطاول الوجود المسيحي في المدينة. إن التحرش المنهجي بالرهبان والراهبات في أزقة البلدة القديمة، وحوادث الاعتداء بالبصق والضرب والرش برذاذ الفلفل، ليست مجرد سلوكيات فردية متطرفة، بل هي تعبير عن عقيدة "التفوق العرقي" التي تسعى إلى تحويل الفلسطيني، مسلمًا كان أم مسيحيًا، إلى زائر غير مرغوب فيه في مدينته.
وهنا تكمن مفارقة وجودية عميقة: المقدسي يُدفع يوميًا لأن يصبح غريبًا في مدينته، لا عبر إقصائه عنها، بل عبر إغراقها بنظام سيطرة لا يعترف بمعناه. الحواجز، والكاميرات، واللافتات المستبدلة، والتهديد الدائم بالاقتلاع، كلها آليات تنتج "غربة" قسرية عن الفضاء الذي يسكنه. لكن هذه الغربة تنتمي إلى سطح المدينة لا إلى جوهرها؛ إنها غربة عن نظام السيطرة، لا عن جوهر المدينة. ففي اللحظة التي تفرض فيها السلطة اسمها على الشارع، يستعيد المقدسي الاسم القديم على لسانه. وفي اللحظة التي تحول فيها الكاميرا جسده إلى هدف للمراقبة، يحول هو جسده إلى ذاكرة تمشي. هنا تحديدًا ينكشف التناقض: القوة القادرة على احتلال الحجر تعجز عن احتلال روح المدينة التي تسكن أهلها.
السلطة تستطيع أن تغير الاسم على اللوحة المعدنية، وتفرض اسمًا آخر على الخريطة، وتُدخل السردية الجديدة إلى المناهج والوثائق الرسمية. لكنها تصطدم بجدار دقيق وشفاف: "الاسم الذي يسكن الذاكرة". هذا الاسم لا يُقرأ في كتاب، ولا يُحفظ في أرشيف، بل يُستنشق مع رائحة سوق العطارين، ويُلمس في حجر الباب الذي صقلته الأيادي عبر القرون، ويُسمع في نبرة البائع الذي ينادي على بضاعته باللهجة المقدسية التي لا تُقلَّد. الحواس تختزن المدينة بطريقة مختلفة عن الخرائط؛ إنها تتنفس هوية المكان يوميًا، ولذلك يصعب اقتلاعها.
طقوس البقاء
في القدس، يتحول "الرباط" من مصطلح ديني مجرد إلى حالة وجودية يومية. المرابطون في ساحات المسجد، أو أولئك الذين يفترشون الأرض عند إغلاق الأبواب، ويصلّون في الشوارع وعلى العتبات، يمارسون نوعًا من المقاومة الشعبية الناعمة. حتى طقس "المقلوبة" الفلسطينية التي تُقلب في ساحات المسجد، تحول من مجرد وجبة طعام إلى فعل مناكفة وتحدٍّ للاحتلال الذي حاول منع دخول أواني الطعام إلى المسجد.
هذا الصمود له كلفة اقتصادية وقانونية باهظة؛ فالاحتلال يضع منظومة متشعّبة من الأدوات المالية والقانونية لتفريغ المدينة من أهلها، كضريبة "الأرنونا"، وسياسات تقييد البناء وهدم المنازل، وكلفة رُخَص البناء الباهظة، والتهديد بسحب الهويات. المقدسي يرفض مغادرة بيته رغم ضيقه وتهالك جدرانه المليئة بالرطوبة، لأن الخروج خلف جدار الفصل العنصري يعني خطر فقدان "الهوية الزرقاء" والاقتلاع المعنوي من سياق المدينة.
ابتكار الحضور: الجيل الجديد في مواجهة الرقابة
يواجه الشباب المقدسي نظام رقابة متعدد الطبقات، يمتد من الكاميرات المنتشرة في الأزقة إلى نقاط التفتيش العسكرية، وصولًا إلى الملاحقة الرقمية على منصات التواصل الاجتماعي. لكن هذا النظام، بدل أن ينتزع من الشباب قدرتهم على الفعل، دفعهم إلى ابتكار "منطقة رمادية" خاصة بهم، يتحول فيها اليومي والعادي إلى مادة للمواجهة.
إنهم لا يخوضون معركة الرقابة بالأدوات التقليدية، بل يعيدون تعريف قواعد الاشتباك: فحين تُفتَّش الهواتف وتُجرَّم المنشورات الرقمية، يلجأ الشباب إلى الحسابات البديلة والمغلقة وإعادة صياغة المحتوى عبر النصوص الرمزية والشيفرات لتجاوز خوارزميات الحظر والاعتقال. وحين يتحول مجرد التواجد عند مدرج باب العامود إلى "اشتباه حول النية" يعاقَب عليه بالاحتجاز والضرب، يصبح الجلوس العفوي وتجمعات بسطات الكعك والشاي في الساحة تحديًا وجوديًا.
| |
| المرابطون في ساحات المسجد، أو أولئك الذين يفترشون الأرض عند إغلاق الأبواب، ويصلّون في الشوارع وعلى العتبات، يمارسون نوعًا من المقاومة الشعبية الناعمة |
في قلب المعركة على القدس، لا يواجه الشباب الرقابة بالاختفاء، بل بإعادة اختراع الحضور: حضور الهوية عبر الملصقات السريعة وخربشات الجدران في الأزقة، حضور الصوت في التكبير والتهليل الجماعي المفاجئ لقطع مسارات الاقتحامات بداخل ساحات الأقصى، حضور الذاكرة في البث المباشر والتغطيات الفردية التي تلتقطها كاميرات الهواتف الذكية للحفاظ على اسم المكان وصورته حية أمام العالم، وحضور الحياة نفسها في المبادرات الشابة للتسوق والفعاليات الثقافية داخل أسواق البلدة القديمة لكسر الحصار الاقتصادي.
هكذا تتحول أدوات المراقبة ذاتها إلى مسرح للظهور، وتغدو محاولة الاحتواء حافزًا على ابتكار طرق جديدة للبقاء. حتى كرة القدم في باحات الأقصى تتحول إلى استعارة كبرى: أن ثمة مساحة للعب والفرح لا تستطيع الرقابة إغلاقها. في الجوهر، هذه الابتكارات ليست مجرد تكتيكات للالتفاف على المنع، بل هي إنتاج يومي لمعنى القدس في مواجهة آلة تسعى إلى تجريده. إنها طريقة الشباب في القول إن المعركة على المدينة لا تُحسم بالسيطرة على الحجر، بل بالقدرة على الاستمرار في سرد حكايتها الأصيلة، والسير في أزقتها بقدم تعرف الطريق.
الاقتلاع المعنوي وهوية التحدي
يبرز هنا المفهوم الأكثر خطورة في استراتيجية التهويد: "الاقتلاع المعنوي". فالاقتلاع قد يحدث بدون إزاحة الجسد من المكان؛ عبر استهداف علاقة الإنسان بمدينته، وتفكيك الروابط التي تجعله يشعر بأنها بيته، فيصبح حاضرًا بجسده وغريبًا عن فضاء الدلالات المحيط به.
تأثير هذا الاقتلاع على جيل "أولاد القدس"، الذين نشأوا تحت المراقبة الدائمة، يتجلى في حالة من التوتر المزمن. هذا الجيل يواجه ملاحقة حتى في الحيز الافتراضي؛ فمنشور على وسائل التواصل الاجتماعي، أو صورة خريطة على عقد، قد تكون سببًا في الاعتقال بتهمة "النية للقيام بعمل مخلّ بالأمن". الاحتلال يحاكمهم على نواياهم قبل أفعالهم، مما يخلق وعيًا مثقلًا بالضغط. أحلامهم ليست كبيرة بالمعنى التقليدي، بل هي أحلام انتزاع الحق في الحياة؛ كحق الزواج من الضفة الغربية بدون الخوف من تشتت العائلة، أو حق الصلاة في المسجد بدون التعرض للضرب.
رغم "هندسة المحو" الناعمة التي تستهدف وعيهم، يطور هذا الجيل "هوية تحدٍّ وعناد". إنهم يدركون أن وجودهم المادي في الشارع، وحديثهم باللهجة المقدسية، وتمسكهم بالأسماء القديمة للأماكن، هو السد المنيع أمام تحويل القدس إلى متحف عبري صامت.
ما يبقى، بعد كل موجة محو، هو قدرة المقدسيين على الاستمرار في إنتاج فضاء المعنى والدلالة الخاص بهم، وتحويل التوتر اليومي إلى طاقة صمود. فالمدينة لا تستمد قوتها العظمى من المباني أو "المؤسسات" أو "القوانين"، بل من المجتمع الذي يواصل منحها حضورَها وهويتها. كل جيل يتسلمها بطبقاتها، ثم يضيف إليها طبقة من تجربته، ثم يمررها مفعمة بالحياة ومثقلة بالتوتر. القدس اليوم ليست مجرد رمز ديني أو وطني في خطاب سياسي، بل هي مدينة تُعاش بالوجدان، يثبت أهلها كل يوم أن الحق في الاسم والهوية والذاكرة أقوى من سياسات الاقتلاع، وأن معركة المعنى هي التي ترسم في النهاية هوية الأرض.


تحميل المقال التالي...