}

عجّور: أرضُ الأجدادِ في أجْنادين

محمد جميل خضر محمد جميل خضر 4 يوليه 2026
أمكنة عجّور: أرضُ الأجدادِ في أجْنادين
جميلة عجور وخضراء مثل أرض القصائد (أرشيف طارق البكري)
عن قرية عجّور الفلسطينية المهجّرة المدمّرة حديثنا اليوم... أرض الأجداد في أجنادين... شمالها مباشرة زكريّا... وشمالُها شرقًا بيت نتّيف... وأمّا شمالها غربًا فمغلّس، وأكثر غربًا تل الصافي... وصولًا إلى الرملة التي كانت تتبع لها خرْبتا جنّابة الفوقا وجنّابة التحتا اللتان وقعت معركة أجنادين فوق جغرافيّتهما... جنوبها: دير اللبن، رعْنا، كدْنا، بيت جبرين، وجنوبها إلى الغرب قليلًا ذكرين، وبرقوسيا (أو بركوسيا)، وصمّيل أبعد قليلًا... وإن واصلنا طريقنا أكثر نحو الجنوب الغربي نصل إلى الفالوجة، وصولًا إلى عسقلان عند البحر في أقصى غرب عموم الخليل وقراها، أو غزّة الكبرى في تقسيمات قديمة تجعل من كل عسقلان وما بينها وبين قطاع غزّة الحالي من قرى: كوكبا، نوبا (أو نوبيا، وهي غير بيت نوبا قضاء الرملة التي ضمّت لاحقًا إلى الضفة الغربية)، صوريف، المجدل (والجورة بينها وبين عسقلان)، عراق المنشيّة، غات، زيتا، جولس (غير جولس عكا)، حتّا، رعْنا، عبْدس، جْسير، القْبيبة، دير نحّاس، كرْتيا، لاشيش (قرية صغيرة منسية، تتذكّرها وتوردها خارطة دار الجليل فقط)، بيت عقيل (غير بيت عقيل جبلة في سورية وإِب في اليمن، وبيت عقيل، أو ربما بيت عمّيل موجودة في خارطة دار الجليل فقط)، الخْصاص (ربما هي خربة تتبع عسقلان)، نعْليه، عراق سويدان، بيت طِيما، الجيّة، بْرير، برْبرة، بيت جِرجا، حليقات، دير سنيد، نجْد، هوج، سمسم، قبوص مْحاو (أيضًا موجودة في خارطة دار الجليل فقط ولم أعثر على ما يؤكد وجودها أو صحة اسمها)، تل الناجلة (في خارطة دار الجليل فقط)، تل القنيطر (في خارطة دار الجليل فقط، وهي غير قنيطرة سورية)، سيل المالحة (غير سيل المالحة في الكرك)، الجلدية، جمّامة (ولها اسم آخر هو روحامة، وموجودة في خارطة دار الجليل فقط)، نَعْتيا (غير نِعليا، غير متداولة ولا معروفة)، دير الدبان، وقرى أخرى كثيرة تجعلها تلك التقسيمة القديمة تتبع، ذات زمانٍ كنعانيٍّ فلسطينيٍّ خالِص، بما في ذلك عجّور، لغزّة الكبرى. حول تابعية عجّور لغزّة ذات تاريخ قديم يدوّن المؤرخ المسلم مجير الدين الحنبلي في كتابه "الأنس الجليل بتاريخ القدس والخليل" أنه مر بعجّور بعد مغادرته غزّة عندما كان في طريقه إلى القدس أواخر القرن الخامس عشر أيام الحكم المملوكي، وتؤكد سجلات الضرائب العثمانية أنه في عام 1596 كانت عجّور تابعة لناحية غزّة، وكانت تدفع لها ضرائبها على منتجاتها من القمح والشعير والفواكه والكروم والعسل والماعز، فهل أدلّ من تلك الشهادة على قوّة الربط بين غزّة وعجّور، وهل أنصع من هذا التوثيق لنعرف كم عريقة هي عجّور تنتج العسل وتزرع، منذ ذلك الزمان البعيد، الكروم لتقطف شهد العنب.

في قرانا المهجرة والمدمرة ينبتُ الصبار ذاكرة وشاهدًا 

قُرى، كما هي حال عجّور، مدمّرة... مهجّرة... لم يبق منها إلا ركام حجارة بيوتها التي هدمتها العصابات في محاولة غبيّة لمحو آثار الجريمة، ولنفي فكرة أن بشرًا... سكانًا أصليين... سكنوا ذات سلامٍ وديعٍ هنا... حجارة متناثرة في كل بقعة من عجّور... وفي كل بقعة من قرانا المدمّرة... وعلى سيرةِ الحجارة الباقية الشاهِدة، فقد بقي من بيوت عجّور جميعها ثلاثة بيوت فقط، أحدها من طابقين، أو أكثر، مشيّدٌ من صخور كبيرة مهندمةٍ تدلّ على العراقة التي كانت تزهو بها عجّور. وقد اختلف المؤرّخون حول طبيعة هذا البيت الكبير؛ فأورد بعضهم أنه بيت قاضٍ كان يقيم في عجّور، أو لعله، أصلًا، من عجّور، وبعضهم أكد أن المبنى الأشبه بقلعة ما هو إلا مدرسة القرية، علمًا أن المصادر تذكر وجود مدرستيْن في القرية لا مدرسة واحدة، فهل تعود تلك الدّارة، إن كانت كذلك، لمدرسة الذكور؟ آخرون يرجحون أنها مبنى البلدية، خصوصًا لما تتمتع به من سمات عمرانية عثمانية. المهندس المعماري الأميركي تشارلز إي. بيترسون Charles E. Peterson (1906-2004) الذي زار عجّور في عام 1994، يتبنّى نظرية رابعة حول ماهيّة الدّارة الكبيرة التي لفتت انتباهه فقام بوصفها وصفًا دقيقًا رائيًا أنها وبحسب مواصفاتها قد تكون مسجدًا: "مبنى حجريٌّ مكوّنٌ من طابقين وفيه سرداب، أو رواق مقوّس في الجهة الشمالية، الطابق العلوي استخدم كمنزل، والسفلي مقفل ولم يستخدم على ما يبدو. السرداب المقوّس يستند على دعامتين في كل طرف مع وجود دعامتين في الوسط عليهما حجر منحوت ورديّ الشكل يبدو أنه جزء من سطح العمود. الأقواس الخارجية عليها غطاء مسطح. وكل ساحة مغطاة بسرداب ارتفاعه أربعة أمتار. يتم الوصول إلى الطابق العلوي بواسطة درج خارجي على الجانب الشرقي يفضي إلى شرفة تطل على الجدران القائمة فوق الممرات. هوية، أو وظيفة المبنى غير معروفة وقد يكون، بسبب تصميمه وروحانيّته وخصوصيّته، مسجدًا".
لعل التوسّع في ذكر القرى القريبة من عجّور، وتلك البعيدة نسبيًا عنها، يسهم في تداولنا أسماءها (خصوصًا الصغيرة جدًا المنسية منها) وتكريس هويتها الكنعانية العربية الفلسطينية... ويعمل على نقل الأمانة من جيلٍ إلى جيل؛ أمانة التمسّك بالذاكرة، وبالأسماء كما جرت على ألسنتِنا قبل تحريفها وجرْف خصوصيات لهجاتنا منها. هذه، بكل بساطة، بلادنا؛ بمدنها الكبيرة والصغيرة، بقراها، وخرِبها، وتلالِها، ووديانِها، وعجّور، موضوع حديثنا، كانت قبل النكبة عامرة؛ البساتين على مدّ بصرها، الزيتون بأنواعه وألوانه كان كرومًا زاهرة فيها...

راحو فين حبايب الدار... قلي يا دار  (أرشيف طارق البكري)

والحبوب... وشجر الخروب كان فيها ظلًّا ظليلًا وشرابًا زُلالًا... شاهقات من أجمل الحرجيات تتوزع جانبي الطريق الرئيسيّ الدوليّ (الاستيطانيّ) الذي يقطعها من شمالها نحو عسقلانها. الصبر في كل مكان... غابة كثيفة الظلال كانت... متنزهًا لأهلِها كانت... فإذا بالمستعمرين الذين مهّدوا الطريق للعصابات يطلقون على متنزّهها اسم "متنزّه بريطانيا"! كانت فيها بدل المدرسة اثنتان؛ واحدة للأولاد وثانية للبنات... كانت فيها سوقٌ أسبوعية تُعقَد كل يوم جمعة... تعداد الكنعانيين فيها وصل قبيل نكبتها إلى زهاء خمسة آلاف فلسطيني وفلسطينية... ينثرون القمح ليحصدوا الكفاف... يربّون الماشية (بالآلاف كان تعداد المواشي في عجّور)... يهدْهدون الليل كي لا يحجب عن ديارهم قمر السّهارى... لعائلاتِ عجّور امتداد واسع في عموم بلاد الشام وبعض البلدان العربية الأخرى؛ المحارمة لهم امتداد في مدينة سحاب الأردنية، والعجارمة (ومنهم الصرابطة) في ناعور وفي قرية الجوفة قرب البحر الميت (ومنهم أسرة زوجتي رقية) وفي جرش (عائلة عتمة/ العتوم في جرش أصلها عجّوري)، والسراحنة في الخليج ودرعا وأماكن أخرى... من أفخاذ عشائرهم الثلاث: أبو سليم، بنات، خريس، عرب العجاجرة، الخواجة، أبو حسين، السلاق، الجبالي، الحجاجرة، اعْفيش، الصوالحة (هناك صوالحة مسيحيون من مادبا وأصلهم واحد)، المصاروة (لهم امتداد في مصر، وفي الأردن فرع مسيحي للحمولة أيضًا في مادبا، وفروع مسلمة في الكرك والجيزة وغيرها)، الصلاحات، العودة، الجواعير/ القواسمة (ولا ننسى قواسمة الخليل).
الشّومر البلدي ما يزال ينبت فيها بوصفه شاهدًا... وكذا الصبر، كما أسلفنا، كما كل القرى المهجّرة... طهّرتها عصابة غفعاتي الإرهابية في 23 تموز/ يوليو 1948. تطهير عرقيٌّ ممنهج أدى إلى تفريغها بالكامل من سكانها... اقتلاع الناس من جذورهم بأبشع ما يمكن أن يصدّره الحقد من وقائع تعرّي وجه الزمان... قاوم أهلها، لا بد أنهم قاوموا، لا بل استبسلوا في مقاومتهم ولكن الرصاص، كما في كل حكاية من حكايات فلسطين إبّان نكبتها، قليل، والمَدد، كما جرت العادة أيامها، لا يصل، والناس هناك بريئو الطباع... وإذا بهم سرعان ما بدأوا يجوبون فلسطين... بحملٍ قليل... وبتوجّسٍ من العار، أو مذلّة القيد، أو اختناق الوجود، شرعوا ينتقلون من مدينة فلسطينية إلى أخرى... قطع بعضهم النهر.
كانوا في عجّور التي تبعد عن الخليل 24 كيلومترًا شمال غربها، يقيمون في طمأنينة السلام حولهم... لم يتسلّل ما جرى إلى أسوأ كوابيسهم... فإذا بالغدر يصيبهم في مقتل... ويهزّ أركان وجودهم جميعها... ضربوا الخيام في أرض شتاتهم الذي قلب حياتهم وغيّر، إلى الأبد، تفاصيل أيامهم... سكنوا مُغُر الأسى والضياع... خلال تصويره فيديو عن القرية ضمن مسارات بدأ كثير من فلسطينيي فلسطين التاريخية يوثّقون من خلالها أرض أجدادهم ويرصدون تفاصيل حقّهم المسلوب، يسأل عبد الفتاح اخميّس وصوت دمعته يكاد يصل قلوب كل من يشاهد الفيديو: أين أنتم يا أهل عجّور؟ وخلال مسيره فيها، ومساره حولها، يقول اخميّس إن غزّة تظهر للرائي المشتاق من فَلَواتِها، وعموم الساحل الفلسطيني جنوبًا...

يعتقد بعض من وثّق تاريخ فلسطين أن قرية عجّور بنيت في العصر الفاطمي مطلع القرن الثاني عشر الميلادي، وأن المسجد الكبير الذي ظل يستخدمه سكان عجّور حتى تهجيرهم وتدْمير المدينة، شُيّد في العهد الفاطمي. وعلى وجه العموم، يوحي طراز القرية المعماري القديم، ولا سيما مبنى الوقف، أن عجّور الحديثة أُنشئت في الأعوام الأولى من حكم الفاطميين (909-1171).
يقال إن عجّور هو نوعٌ من الفاكهة، ولعلها فاكهة البطيخ، وربما هذا ما يفسّر افتتان أهلها، حتى في الشتات، بالبطيخ، فهو زاد ليالي الصيف، ونَدى الحلوقِ العطْشانة، وسكّر المذاقات المُشتهاة. دافئة المعشر كانت قرية عجّور... قريبة التجاور كما هي حال باقي قرى أرضنا الطيبة...
أرض أجنادين...

شرفات تطلّ على غزّة والساحل الفلسطيني  (أرشيف طارق البكري)


وعجّور لمن لا يعرف هي أرض معركة أجنادين... هناك في خربتيْن من خِرَبها (جنّابة الفوقا وجنّابة التحتا كما أسلفنا) وقعت في عام 634 ميلادية، إحدى المعارك الفاصلة بين العرب المسلمين من جهة، والبيزنطيين في الجهة المقابلة... فإذا بالمعركة التي انتصر فيها صحب رسول الله ﷺ، تشكّل (بروفة) ناجحة لمعركة اليرموك الأشمل والأكثر مفصلية التي وقعت بعد أجنادين بِعامين، أي في عام 636 ميلادي، وقائد الانتصار في المعركتيْن هو القائد العسكريّ العبقريّ خالد بن الوليد الذي أرسل البشائر للخليفة (أبو بكر) قائلًا: "خرجنا إليهم واثقين بالله متوكلين على الله، فطاعنّاهم بالرّماح، ثم صرنا إلى السيوف، فقارعْناهم في كل فجّ". في هذه المعركة أبلى المسلمون بلاءً حسنًا، وضربوا أروع الأمثلة في طلب الشهادة، وإظهار روح الجهاد والصبر عند اللقاء، وبرز في هذا اليوم من المسلمين ضرار بن الأزور، وكان يومًا مشهودًا له، وبلغ جملة ما قتله من فرسان الروم ثلاثين فارسًا. من النتائج التاريخيّة الكبرى للمعركة ضمّ فلسطين إلى الدولة العربية الإسلامية التي كانت أيامها تتوسع، انطلاقًا من الجزيرة العربية، غربًا وشرقًا وشمالًا. فطوبى لكِ تلك الذاكرة يا عجّور، وهذا الربط بينكِ وبين أجنادين، والحق أقول إن معركة قادَتها هم خالد بن الوليد وأبو عبيدة بن الجراح وعمرو بن العاص وشرحبيل بن حسنة وضرار بن الأزور وغيرهم من الصحابة الكبار المؤسّسين، وتُجندِل الصحابية الجليلة (أم حكيم) خلال احتدامها أربعة من الأعداء بعمود خيمتها، لهي، بحق، معركة تليق بكِ يا عجّور، وتليقينَ بها. أما المعركة الأهم التي جاءت بعد أجنادين بزهاء 550 عامًا فهي معركة حطين التي وقعت في مثل هذا اليوم من عام 1187 ميلادي. واحدة (أجنادين) في النصف الجنوبيّ من فلسطين، والثانية (حطين) في النصف الشمالي منها، قادها صلاح الدين وحرّر بعد انتصاره فيها على الصليبيين بيت المقدس، مدونًا في سجلات الشرف والتاريخ إنجازًا غير مسبوق في المبنى والمعْنى.
بقي أن نذكر أن كتاب "عجّور: أرض الأجداد في أجنادين" لمؤلّفه محمد عبد الهادي سمور (أبو فضة) الذي رحل عن دُنيانا قبل أن يرى كتابه النور، يُعد من أوائل الدراسات المستقلة التي تناولت قرية عجّور، علمًا أنني اقتبستُ عنوان مقالي من عنوانه اللافت. صدر الكتاب في عمّان عام 1985، ومتابعًا له ومكملًا ما بدأه أبو فضة، أصدر خليل عبد الهادي أبو ديّة في عام 2012، كتابًا ضخمًا بلغ عدد صفحاته 768 صفحة حمل عنوان: "عجّور بلدتنا في الذاكرة" يتناول فيه مختلف أوجه الحياة الاجتماعية والثقافية والعمرانية والعشائرية في عجّور، ويخصص فيه فصولًا للأزياء والمأكولات والأمثال الشعبية، كما يمرّ على الآثار التاريخية والدينية في القرية، من خربٍ ومقاماتٍ وأماكن عبادة وغير ذلك، من دون أن ينسى المرور على كنيستها الوحيدة، موثّقًا ذاكرة الشتات بصبرٍ وأَنَاة.
بروحِ القصيدة يهدي أبو ديّة كتابه التوثيقيّ الثمين: "أهدي كتابي لشهيد أجنادين منتصرًا لروحه، وروح شهيد فلسطين في الجنّةِ/ وإلى ابن فلسطين الشّتات ذكرى نكبةٍ سنة الثماني وأربعين، حلّتْ نكبتيِ/ وإلى ابن عجّور، أهديه مُعَنْوِنًا ببلدة عجّور التاريخ، وجلَّ عشيرتي".

الدخول

سجل عن طريق

هل نسيت كلمة المرور؟

أدخل عنوان بريدك الإلكتروني المستخدم للتسجيل معنا و سنقوم بإرسال بريد إلكتروني يحتوي على رابط لإعادة ضبط كلمة المرور.

شكرا

الرجاء مراجعة بريدك الالكتروني. تمّ إرسال بريد إلكتروني يوضّح الخطوات اللّازمة لإنشاء كلمة المرور الجديدة.