في قلب متاهة طنجة القديمة، نقف أمام أحد أحدث الفضاءات الثقافية الفنية في المغرب، وهو "متحف القصبة؛ فضاء الفن المعاصر Musée De La Kasbah; Espace D'Art Contemporain"، والذي تم افتتاحه رسميًا في ديسمبر/ كانون الأول 2021، بعد أن قامت "المؤسسة الوطنية للمتاحف" بترميم شامل لمبناه التاريخي، ضمن مشروع "تأهيل المدينة العتيقة وتعزيز المشهد الثقافي فيها".
هذا البناء الغرائبي بجدرانه ولون حجره البني القرميدي المشغول على شكل مستطيلات رفيعة مع الإسمنت، محاط بأقواس كثيرة عالية، والحواف يسندها درابزين أبيض مزخرف برسوم هندسية جميلة. أما السقف فتتدلى منه مصابيح تلتقي مع النوافذ الصغيرة في أعلى الجدران.
ستصيبك الصعقة حينما تعلم أننا في داخل بناية سجن القصبة القديم، والذي احتجزت جدرانه السميكة، وممراته الحجرية، وزنازينه الصغيرة الضيقة، ذات الضوء الخافت، سجناء الحق العام والمعتقلين السياسيين في فترات زمنية محددة، منذ العهد السلطاني، وفترة الحماية، وخلال القرن الماضي. أما ساحته الداخلية فاستُخدمت للحراسة أو لأوقات التهوية. وقد تمركز موقعه في "القصبة" وهي أعلى نقطة في المدينة، تجمع كلًا من السلطتين السياسية والعسكرية.
بعد فترة من إغلاق السجن، تحولت بنايته هذه، من مكان للعزل والقيود، إلى صرح فني حداثي مفتوح للإبداع والحوار بين الفنان وجمهوره، يضم بين عناصر معماره الأساسية، كالزنازين التي أضحت فضاءات لعرض الألوان، فضلًا عن أروقته الجديدة: لوحات تشكيلية، وأعمالًا فنية، ومعارض مؤقتة، وفعاليات ثقافية، وبرامج إبداعية.
يمكن ملاحظة أنه تمت المحافظة على كل زنزانة ضيقة صغيرة لتغدو قاعة مستقلة تعرض أعمال فيديو، وتركيبات فنية، ومجسمات. هذه القاعات تمتاز بلعبة الضوء والعتمة، فطبيعة الزنازين مظلمة ومغلقة، ويساهم ذلك في استشعار عتاقة المكان، مع خلق جوّ من الرهبة والارتياب والتأمل.
في هذا المتحف مجموعة من الفنون البصرية، ومجموعة فنية لـ "أكاديمية المملكة المغربية إبداع" لرسامين مغاربة حفروا أسماءهم في قاموس الفن التشكيلي، مثل سعد بن الشفاج وياسمينة الزيّات، إضافة إلى أحمد العمراني صاحب اللوحة الموسومة بعنوان "استمرار" وهي عبارة عن صباغة زيتية على قماش.
من خلال لوحات الشروحات الكبيرة، المكتوبة باللغات العربية والفرنسية والإنكليزية، نلاحظ فترة "الطليعيين" من سنوات 1960–1980. ففي عام 1964، تكللت التجربة الرائدة لمحمد المليحي ومحمد شبعة ومحمد عطا الله بإنشاء "مجموعة مدرسة الدار البيضاء" مع فريد بلكاهية ومصطفى حفيظ ومحمد حميدي.
ونلتفت إلى أن معرضهم الأدائي، سنة 1969، في "ساحة جامع الفنا" ألهم جيلًا جديدًا من الفنانين، بمن فيهم خريجو "مدرسة الفنون الجميلة بتطوان". وهكذا أسس أحمد عمراني وعبد الكريم الوزاني وبوزيد بوعبيد وحبيبة بوعمو مهرجان "ربيع الفدان"، وانضم إليه لاحقًا مصطفى اليَسفي ومحمد السرغيني وآخرون.
وخلال سبع سنوات وخمسة إصدارات تخللتها معارض للفن المعاصر والتجريبي، وضع ربيع الفدان قطيعة مع "المدرسة الإسبانية".
بالموازاة مع ذلك، شهدت منطقة الشمال تجربة جديدة تجلت في "موسم أصيلة الثقافي" انطلاقًا من عام 1978، مع محمد بن عيسى ومحمد المليحي. هذه التظاهرة الثقافية التي عرفت بجداريات أنتجها فنانون وطنيون ودوليون كبار، كانت أيضًا حدثًا يجمع بين العديد من التعبيرات الفنية. وعززت روحها الديمقراطية والحرة ورشات تعليمية في الفن التشكيلي والكتابة الإبداعية، فضلًا عن مؤتمرات وفعاليات فنية.
أما عن فترة ثلاثينيات وخمسينيات القرن العشرين، فقد نشأ الجيل الأول من الرسامين المغاربة من مدينة طنجة، بفضل اتصال فنانيها الأوائل بفنانين عالميين، حيث تبنت سلائف الفن المغربي الحديث البساطة في التصوير، معتمدة على المشاهدة العينية وشبه الوثائقية للثقافة المغربية. أدخلت أعمال محمد بن علي الرباطي وعبد الرحمن المنبهي ومريم مزيان تعبيرًا فنيًا جديدًا للمغرب تجلى في اللوحة "المسند".
خلال أربعينيات القرن الماضي، أنجبت الأجيال الأولى من المتخرجين من "المدرسة الإعدادية للفنون الجميلة في تطوان" مجموعة من الأكاديميين الموهوبين، مثل: اليزيد بن عيسى وعبد الله فخار ومكي مغارة وسعد بن الشفاج ومحمد المليحي ومحمد أطاع الله وآخرين، والذين سيتجاوز بعضهم مبادئ "المدرسة التصويرية لتطوان" إلى أشكال واتجاهات تصويرية أخرى، كالتكعيبية والوحشية والسريالية.
تبع هذا التمرين الأكاديمي الأول الحاسم جيل من الفنانين العصاميين الذين تمكنوا من مواجهة هذه الأيقونات الأصلية بخيال إبداعي وحرية تأويلية غير مسبوقتين. هكذا سيشارك محمد الحمري وأحمد بن إدريس اليعقوبي في هذه النشوة الإبداعية لخلق أعمال امتد صداها إلى ما وراء حدود البلاد.
أما منذ فترة التسعينيات من القرن الماضي وحتى يومنا هذا، فإن الفنانين المعاصرين بصفتهم باحثين أيضًا، ومنهم من أنهى تكوينًا داخل "المعهد الوطني للفنون الجميلة"، عملوا على إنشاء "حركة للفن المفاهيمي في المغرب"، أمثال فوزي العتريس وعبد الكريم الوزاني ومصطفى بوجمعاوي وحسن الشاعر. ومن الأمثلة البارزة على هذه التجربة التعليمية غير المسبوقة، ورشة "تراكيب وأحجام" التي أنشئت عام 1993، والتي شكلت نواة للمشهد الفني المعاصر في المغرب. وهكذا شارك كل من منير الفاطمي وهشام بنوحود وصفاء الروّاس ويونس رحمون وبتول السحيمي مع العتريس في معرض "أشياء تافهة" في "متحف فنون الديكور" في باريس. هذا المعرض سافر بعد ذلك إلى "فيللا الفنون" في الدار البيضاء، ثم إلى "ستوديوهات الفنانين" في مرسيليا عام 2000.
هذا الجيل الجديد من الفنانين المغاربة قد تشبّع لا محالة بالتاريخ الفني لمنطقة الشمال، حيث اشتمل على مواهب في جميع الاتجاهات والوسائط الفنية.
في ركن يتوهج، تدهشك لوحة عازف ناي يرتدي جلابية حمراء، وعلى رأسه عمامة صفراء. نايه القريب من شفتيه بلون بني فاتح. يقف في فناء بيت، قبالته في أسفل اللوحة خمس نساء؛ امرأتان منهن تغطيان رأسيهما: واحدة منديلها أحمر مائل للبرتقالي، والثانية شالها بلون أزرق، تحمل طفلًا بهيئة غير بشرية! أما الأخريات فشعورهن مكشوفة: واحدة شعرها أسود، والثانية شعرها بني اللون، والثالثة شعرها أصفر... كلهن يتهادين مع النغم.
وعلى جدار آخر تشدنا اللوحة المستطيلة بحجم (90–64 سم) للفنان محمد أطاع الله الحاملة لعنوان "شباك أسود"، وهي بإطار "أكحل" أيضًا، وقد استخدم فيها الطلاء على الخيش المصبوغ بالبيج الرملي، والطلاء "الأكحل" كما لو أنه شِبَاك بخطوط عريضة تكوّن شباكًا ونافذة و"شرجمًا".
ومن المجسمات الفنية المستوقفة؛ العمل المبني من كؤوس زجاجية شفافة كبيرة تصلح للشاي أو للماء، موضوعة داخل حلقات معدنية دائرية، في أعمدة طولية حديدية. كل جزء من العمود يحمل كأسين بلونين مختلفين.
هذه الأعمدة الرفيعة منتصبة من الأعلى وتنزل حتى أرضية الرواق بأبعاد متباينة، هي تسعة أعمدة، بحيث يتقابل كل واحد من الجهة اليمنى بواحد من الجهة اليسرى بمسافة موحدة وثابتة. وبشكل يكون فيه العمود في أقصى اليمين نازلًا حتى الأرضية، يقابله توأمه في أقصى اليسار، ثم يأتي العمود الثاني من اليمين ليرتفع قليلًا، يقابله توأمه في جهة اليسار. وهكذا تقصر الأعمدة في الوسط، والأقصر يكون العمود التاسع، ليكون باستطاعتك أن تأتي خلف هذا المجسم البديع، لتأخذك الكاميرا في صورة مزدانة بالكؤوس الصفراء والزرقاء والوردية والحمراء. وما يزيد من سحر اللقطة؛ المستطيل الزجاجي تحت هذا العمل الفني العاكس لبهجة هذه الألوان.
بعد تأمل عميق في غرائبية هذا المتحف من ناحية فكرية ونفسية وعمرانية وإبداعية، نخرج بتجربة بصرية فريدة عبرت مرحلة الصمت إلى الحكي، تدمج ما بين استقراء ذاكرة محملة بعبق مرحلة تاريخية قاسية للمعتقل، وبين نظرة حالية واستشرافية لفضاء ونماذج الفن الحديث والرقمي، ولا عجب في أن نلتقي بأعمال تشكيلية تصوّر ثنائيات: القيد/الحرية، الزمن/الانتظار، العزلة/الانعتاق، الانغلاق/الانفتاح، وغيرها.


تحميل المقال التالي...