(1)
تقوم فلسفة الحمّامات الشعبية على ثنائية الخارج والداخل. أي من الهواء الطلق إلى الهواء الحراري المحبوس بين جدران ثقيلة، تمنع تسرب البخار والأنفاس، لمسك صورة المكان المغلق من كل جانب. وتلك الثنائية توضّح إشكالية العلاقة السلبية بين الاثنين، من حيث هما فعل ورد فعل. فالخارج مدنّس، والداخل مقدس، والمكان يعالج الخارج من الداخل، وهذه مفارقة دائمة، مع أن "الإزالة" مؤقتة عادةً.
هذا يستدعي الكثير من الحذر والمزاج في التهيؤ إلى دخول مثل هذه الأماكن المغلّفة تمامًا. وبما أنه مكان هامشي فهذا يعني بأنه شعبي إلى حد كبير. ويبدو أن الهامشي ارتبط بالشعبي على نحوٍ ما. وهذه الشعبية تجعل من قراءة المكان ذات زوايا نظر متعددة ومختلفة، ليس أولها ولا آخِرها بأن مثل تلك الحمّامات يمكن وصفها بالرحم الدافئ المسكون بدرجة حرارة ثابتة، تتحرك فيها الأجساد بشكلٍ طقسي وبتقاليد اجتماعية لا تختلف كثيرًا في المناطق العربية، كما لو أن الاغتسال في المكان يشبه ولادة جديدة تحدث في حلقات الضباب وشهيق الأنفاس البخارية لأجنّة تريد أن تولد بطريقة رحْمية، لكن ليس على الطريقة البيولوجية، إنما على طريقة تكوينية فيها تعقيد نسبي، إيماني، خيالي، أقرب إلى الفانتازيا منه إلى الواقع. وهذا من مباعث التأويل القادرة على وصف المكان الساخن وأهميته من الناحية النفسية والطقسية التي تستنجد بالماضي العقائدي في كثير من الأحيان.
(2)
آدم وحواء هبطا عاريين من الجنّة... لنتأمل!
(3)
الخارج واضح المظاهر: يومي، منهك، تقليدي. متشابه. فهو أول الثنائية التقليدية الذي قد لا يكون نظيفًا لأنه ليس رحمًا، فخوالطه من الغبار والهوام والتراب والأوساخ والمجهريات تتسلل منه بشكل طبيعي، بينما يكون الحمّام الشعبي رحمًا مثاليًا لولادة افتراضية، تزيل الرواسب غير النظيفة والسوائل اللاصقة والعرق الثقيل، لا سيما في الأجواء الساخنة التي تفوق حرارتها حرارة رحم الحمّام الشعبي. لذلك نجد أن الخارج والداخل لا يتشابهان من حيث الوظيفة اليومية، فيتقاطعان فيها.
الخارج سموم وغبار وحشرات ناعمة وخشنة، بينما الداخل بخار ونظافة وإيمان ومعتقد وطقس بالرغم من وجود بقايا الخارج. لا سيما إذا ما اتفقنا على أن الخارج هو إنهاك وعمل وتعب وقهر. إنه بلا طقوس، بمعتقدات مترجرجة تقريبًا؛ بينما الداخل انفراد ووحدة وتأمل وخفّة تحت تأثير طقسي ومعتقدي قد يكون لازمًا للكثيرين، خاصة لكبار السن، الذين وجدوا أن الحياة تحتاج إلى عزلة حميمة لا يعكّرها الخارج بتفاهاته وسرعته وفقره أيضًا. لهذا نجد أن الحمّامات الشعبية تشبه الملاذات الآمنة، أرحامٌ شخصية، تشبه إلى حد كبير قفصًا لطيور تخشى المفترسات الخارجية. أيضًا تشبه صندوقًا مقفلًا يمنع أصوات الخارج من أن تشتّت صفاء اللحظات المسكونة بالعزلة والفردية.
الخارج عبء.
الداخل سكينة وسلام.
(4)
مع أن وظيفة الحمّام هي "الإزالة" فإن الخارج هو "الإضافة" وبينهما أجساد تحمل الأوساخ والأتربة والنفايات المجهرية، تلقيها في المكان. تطردها وتزيلها. بمعنى ضرورة التخلي عن "الخارج" وما يتركه على الجسد من بصمات، والدخول إلى الرحم الفوّار من أجل إعادة خلق الجسد وتثقيفه على ثقافة "نزع" الأدران والأوساخ منه. وبالتالي يمكن لنا أن نقرأ جسد الحمّام على أنه جاء من الفطرة الولادية إلى أن يتمظهر في فورة الماء والبخار الساخن، ليكتسب دلالة ثانية، هي أن يكون الجسد الثقافي الذي خضع لطقوس الجماعة وتشرّب منها فـ "النظافة من الإيمان" والإيمان هو أن تستسلم لمعتقدات وطقوس دقيقة تخرج بها لاحقًا من "الداخل- المقدس" إلى "الخارج- المدنس" ولا تنسَ بأنك قدِمتَ من المدنس إلى المقدس؛ في معادلة معكوسة تشي بأن تلك الثنائية متداخلة نسبيًا، فالخارج لم يدخل الفرن الحراري ولم يتطهر، والمطهّر الطقوسي التقليدي يقذف بالأجساد اليه في أية لحظة، مما يعني أن الولادة المفترضة تعاود - بين فترة وأخرى- الدورة الاغتسالية بالطريقة ذاتها بين الخارج والداخل في لعبة طويلة، قد تكون إدمانًا في كثير من الأحيان. لا سيما وأن الداخل هو خلاص وملاذ وخفّة روحية.
نصل إلى أن الخارج مسكون بالمرض.
والداخل مشفى مُطهّر.
(5)
قراءة الحمّام هي قراءة الجسد المُتعرّى ثقافيًا في فطرته الولادية الأولى. لا توجد حشمة كاملة. عُريٌ طبيعي في أجواء تبتعد كثيرًا عن وساخات الخارج وكينونته الملحّة بأن تجعل المرء أكثر عرضة للأمراض النفسية والجسدية. لهذا فالمكان بطبيعته حاجز وقتي بين هذا وذاك. آمن لدرجة التعري الكامل؛ من دون أن يكون للعيب أثر في ملامح المغتسلين؛ فالهبوط إلى المكان هو هبوط إلى المقدس المائي التعميدي الذي يفتقده البعض في زحمة الخارج المعبّأ بكل ما هو سلبي قطعًا.
نجد اختلاف القراءات الماضية فيه بطريقة فيها التباس واضح؛ قد تكون إيمانية غيبية لم نجد فيها مثالًا صحيحًا واحدًا، ولا رؤية حقيقية يمكن تتبع سيرتها. بل الكثير من الأوهام تخالط الآراء النابعة من معتقدات طقوسية، دينية، لثبت بأنها لا علاقة لها بالحمّام. فقد تكون من إسقاطات المجتمع آنذاك. أو إسقاطات السياسة الملتبسة بالتدين الظاهري.
(6)
إذا كان الحمّام التركي الشرقي قد ألهم الرسامين المستشرقين، فإن الحمامات المغربية والبغدادية والتونسية القديمة ألهمت هي أيضًا رسامي البعثات الديبلوماسية الذين وجدوا في الشرق مواصفات يومية قد تختلف عن الحمّامات الرومانية والإغريقية القديمة بطقوسها الإيمانية والمعتقدية التي تبدو صارمة في بعض الأحيان، تحت شروط غير معلنة. لكن الإدمان على دخول الحمّامات أوجد تلك اللوائح غير المكتوبة تحت لافتات معروفة، لا تبدو مهمة اليوم، بقدر ما هي- الحمّامات- أمكنة مغلقة مهمتها تنظيف الأجساد من عوالق الأيام المشمسة والغبارية، من أجل ولادة شكلية، يخرج بها الجسد خفيفًا كريشة؛ وإعادة تنظيمه إعادة إيمانية على الأكثر. وهذا يقرّبنا إلى حد ما من هبوط كائنين أسطوريين ربما، هما آدم وحواء اللذين ارتكبا خطيئة التفاحة المعروفة. حينما هبطا من الجنة عاريين، بعد أن ولدتهما السماء فارتكبا خطيئة التفاحة الشهيرة، بحسب الميثولوجيا القديمة.
الحمّامات الشعبية والعامة تقتضي العُري أو شبيهه، فالخطايا التي يرتكبها الإنسان كثيرة؛ إنها معادلة نفسية تعكس أثر السابق على اللاحق من هوامش الحياة وطبيعتها العامة، فالنزول البشري الجماعي جاء من الخارج إلى الداخل- الرحم، مثل آدم وحواء اللذين هبطا من الجنّة إلى الأرض، ووجدا نبعًا طريًا على جبال الهيمالايا، فشربا واغتسلا وتطهرا وتوسّلا إلى الخالق حتى عفا عنهما. وهذه أسطورة جميلة للهبوط المفاجئ كعقوبة، ومن ثم التوبة التي منحها الرب إليهما.
الاغتسال في ينابيع الهيمالايا؛ كما نقرأ؛ هو اغتسال من أدران الخطيئة الأولى التي عذّبت البشرية.
(7)
أسطورة آدم وحواء مثيرة في الغالب، وخضعت للتأويل والتعليل كثيرًا، لكن قد يكون هذا التشبيه (العري) تعوزه دقّة ما في التشكيل الأخير لصورة آدم وحواء، فمن آراء كثيرة ينبعث الرأي الأهم؛ الواقعي كثيرًا؛ من أن آدم مجموعة ذكرية كبيرة، وحواء مجموعة أنثوية أخرى توازي المجموعة الذكورية الآدمية، ليلتقيا ويتكاثرا حتى اليوم. ونحن الأحفاد نتطلع إلى كائنين جنّتيين هبطا بسبب تفاحة، فغطيا عورتيهما من ورق الجنة ونباتها، وهذا أول "عيب" نقرأه بشكل إلهي من دون التشكيك فيه إطلاقًا.
الحشمة المباشرة درس أول في أن يُفسر الرمز بوضوح، فعلاقة الحمّام بالجسد علاقة مباشرة. هو بيتُ عراء وعدم تستر (يقوم مقام الشجرة المحرمة التي نزعت عن آدم وحواء لباسهما) وهذا التطرف في التشبيه ذكره ابن سيرين لأن الحمّام ارتبط، حسب ما يقول، بالفساد الأخلاقي والفسوق والذنوب. وهذا ليس صحيحًا، فالحمّام ولادة جسد فطري في رحم مغلق يبتعد عن الذنوب كونه مكانَ تطهرٍ طقسي، إن لم يكن عِباديا عند شعوب عربية واسلامية كثيرة. ومن ثم لا بد وأن يُقرأ ابن سيرين في زمنه القديم.
(8)
الحمّام بئر وإن ليس كغيره من آبار الماء النازلة. لكنْ فيه حيّزان للاغتسال والتحمم، فردي وجماعي. وهذا يشير إلى هندسته الداخلية التي تضمن وجود غرف صغيرة لمن يتغلب عليه الحياء. وحوض دائري جامع لأجساد المغتسلين. وغالبًا ما يكونون من كبار السن الذين وجدوا في المكان ألفة قديمة تواصلوا معه بطريقة حثيثة، فهو الطقس والمعتقد والنظافة الإيمانية التي درجوا عليها منذ زمن بعيد.
نعرف بأن هذا الحوض
مكان ثرثرة لا تنتهي من
أول رشقة ماء حتى آخرها.
(9)
يشاع أن في الحمّامات عوالم من السرية يتوجب أن لا نعرفها أو نتجاهلها لكن الذي نعرفه بأنه لا توجد أسرار مطلقًا. عالم مغلق ومفتوح في آن واحد بين الأبخرة وضبابها المعتم قليلًا، يشير إلى زمنيته المحلية وأيقوناته الشخصية، حتى زبائن المكان هم من الماضي تقريبًا، لهم طرقهم الشخصية في التعاطي مع المكان وعناصره من الماء الساخن المتدفق من الحنفيات، ورنين الطاسات النحاسية التي تنتمي إلى غير عصرها. بقيت متوارثة جيلًا بعد جيل. بنقوشها الدقيقة التي تظهر عليها، لذلك عندما يرسم الفنان الفرنسي جان ليون جيروم لوحة عن الحمّامات المغربية، لا يهتم في تجسيد الداخل؛ فهو متشابه تقريبًا، لكنه يهتم بإبراز الملامح الشرقية عبر "الثياب والأريكة والشيشة والإبريق الذهبي" والقائمين على سلوك الحمّام التشغيلي. بما يعني الانبهار العميق بتلك الثقافات الشرقية عبر الحمّامات، كما فعل الفنان جان أوغست أنغر في رسمته عن الحمّام التركي الذي وضع أيقونات محددة لشرقية المكان.
(10)
حمّامات النساء الشعبية هي ذاتها حمّامات الرجال، الذين تركوا روائحهم النظيفة وخرجوا من باب صغير إلى الخارج الملوّث. تركوا قلعة النظافة الساخنة، وبقي رنين الطاسات النحاسية المعتّقة يرن في أرواحهم المائية المغادرة، لتكون دورة أسبوعية ليومٍ واحد خُصّص للنساء، اللاتي يعانين من أمراض الكبر ولوثة الخارج المقيتة التي لا تنتهي، هنالك العرائس الجميلات اللواتي يتوجب أن يدخلن حمّام العرس تحت ما تبقى من حرارة الرجال الباقية في المكان.
هامش:
لا تحضرني رواية أو قصة أو مسرحية عربية جعلت من الحمّامات الشعبية حاضنة لها وخلفية تدور فيها أحداث اجتماعية معينة. غير أن بعض اللوحات الفنية الاستشراقية اهتمت بهذا الهامش الحياتي وجعلت منه عالمًا مثيرًا قابلًا للتجسد الفني. وبما أن إنشاء الحمّامات قديم جدًا، فلا يسعفنا الحيّز أن نورد كل شيء عن هذا الهامش الذي قد ينقرض. مع أن المصادر تشير إلى أن بناء الحمّامات يعود إلى قبل 2000 عام لزمن الإمبراطور الروماني هادريان، وقد تكون أبعد من ذلك. لكن الأساطير الدينية القديمة يُذكر فيها النبي سليمان على أنه أول من دخل الحمام وصُنعت له النورة، بمساعدة الجن. والمسلمون الأوائل، من جماعات ابن سيرين، يرون أن للحمام ارتباطًا بالشيطان، وأنه تذكير بنار جهنم، فكلما "ولجنا الحمّام اقتربنا من البيت الحار"، هذا ما ذكره الباحث علي المخلبي في كتابه المهم "آدم والتاريخ" (مؤمنون بلا حدود- المغرب- الرباط 2018).


تحميل المقال التالي...