}

مفهوم السلام اليهودي: بين النصّ الدينيّ والممارسة الإسرائيليّة

أحمد الجندي أحمد الجندي 14 أغسطس 2026
اجتماع مفهوم السلام اليهودي: بين النصّ الدينيّ والممارسة الإسرائيليّة
منحوتة "لنطبع سيوفنا سككًا" في حديقة الأمم المتحدة بنيويورك(Getty)

يحلو لليهود القول إن السلام "مفهوم محوري في اليهودية، إلى جانب الحق والعدل"، وتروّج بعض كتاباتهم لعبارات مدراشية تقول إحداها "كل ما كُتب في التوراة كان من أجل السلام"، وتقول أخرى "اطلبوا السلام واسعوا إليه، اطلبوه في دياركم، واسعوا إليه في ديار غيركم". لكن العبرة ليست باللفظ الذي يتكرر أكثر من 500 مرة في النص التوراتي، ولا بتعدّد دلالات اللفظ "شالوم" بين السلام والكمال والتمام، ولا بذكر عبارات تتحدث عن السلام، ولا بمقولة تلمودية عن أن "السلام هو انتصار الروح"، ولا بادّعاءات حاخامية حول أن "الوصول للسلام العالمي يتطلب حالة سلام مع النفس"، إذ ليس المهم عدد مرات تكرار الكلمة، ولا تعداد معانيها، فالأهم هو السياقات الاجتماعية والتطبيق التاريخي، خصوصًا وأن الصفحات نفسها التي تروّج لذات العبارات المذكورة تتجاهل وضع سقف لمستوى العنف المستخدم من أجل الوصول للسلام.
يحتاج الأمر إذًا أن نسعى أولًا لتحرير فكرة السلام في التراث الديني اليهودي قبل ربطها بتاريخ دولة الاحتلال، لتجنّب الوقوع فيما تحدّث عنه الباحث أليك أيزاكس، في دراسته عن "مفهوم السلام في اليهودية"، حول انطلاق الاهتمام المعاصر بموضوع السلام في الدراسات اليهودية الحديثة من حقيقة أن إسرائيل دولة غارقة في الصراع منذ نشأتها.(1)
تنطلق الرؤية اللاهوتية حول السلام في اليهودية من منظور دفاعي apologetics يرى أن نصوص الديانة اليهودية تحمل رسالة أخلاقية عالمية. وعلى هذا الأساس، يقوم أصحاب هذا التوجه بإعادة تأويل المقاطع التي يمكن فهمها على أنها تبرر العنف، ويركزون في الوقت نفسه على إبراز النصوص التي تدعو إلى الرحمة والسلام. لكن هناك ملاحظة مهمة لدى أغلب أتباع هذه المدرسة تتعلق برفض هؤلاء نتائج علم نقد العهد القديم بمدارسه المختلفة، والتي تثبت أن العهد القديم في أغلبه عمل إنساني، ولذلك فهم يسلّمون بقداسة النص ويعتبرونه إلهيًا. وبالتالي، فإذا كان النص مقدسًا ويستمد سلطته العليا من كونه كلمة الرب، حسب اعتقاد الحاخام البريطاني جوناثان ساكس، "فكيف يمكن للإنسان أن يأخذ كلمة أبدية ويُنزلها على واقعه الحاضر؟"(2). وبناءً على ذلك، يقوم ساكس بتأويل نصوص العنف الكثيرة التي أشار إلى وجودها في العهد القديم، أو ما أسماه "النصوص الصعبة"، سواء كانت حكايات تؤرخ لحروب الانتقام أو التحريم/ الإبادة الكاملة، كالحرب ضد مدين وحروب يشوع العديدة للاستيلاء على أرض كنعان، والانتقام الدموي ضد العماليق، أو كانت أوامر إلهية وأحكامًا تحضّ على الانتقام وإهلاك الآخرين كما في سفر التثنية وغيره، فيقيّد صلاحيتها بسياقاتها التاريخية، ويقول إن الوحشية العسكرية كانت سمة عامة في الشرق الأدنى القديم، وإن ما جاء في النص المقدس لا يصلح تطبيقه في كل زمان، وإن الأنبياء والتقليد الحاخامي لاحقًا أعادوا تأويل النص بما يتناسب مع الزمن.(3)

ماكس فيبر: أصبحت اليهودية في النهاية دينًا للانتقام (Getty)


غير أن هذا الطرح، وإن كان يصح في جانب، فإنه يبرر هذا الكم من العنف ضمن سياقه التاريخي، كما أنه لا يجيب عن سؤال أكثر أهمية، وهو: لماذا كان هذا العنف مبررًا أصلًا؟ خصوصًا أن القول بشيوع الإبادة تاريخيًا لا يحل الإشكال الأخلاقي للنص نفسه. يضاف إلى ذلك أنه يتجاهل حقيقة أن هذا الكم من العنف والقسوة وأحاديث الإبادة التي تعجّ بها النصوص، انعكس بصورة غريبة ولافتة على سلوك الحركة الصهيونية، وإن تفاوت هذا الانعكاس من تيار لآخر. ولهذا يمكن القول إن ساكس انتقل من التفسير التاريخي إلى التأويل، فلم يكتفِ بمناقشة ما كان يعنيه النص عند صدوره، بل سعى لبيان كيف ينبغي أن يفهمه المؤمن اليهودي في زماننا، حتى وإن سلك هذا اليهودي نمط العنف نفسه الذي سلكه السابقون.
ثمة فريق آخر ينتمي إلى هذه الرؤية اللاهوتية يمثله القس الأميركي وعالم اللاهوت والتر بروجمان. فعلى الرغم من إيمانه بقداسة النص، فهو لا يتبنى القراءة الحرفية له، ويحاول توظيف أدوات النقد التاريخي والأدبي في تفسيره للعهد القديم. لكنه، وإن كان يختلف في المنهج عن ساكس، إذ يعتمد تفسيرًا تاريخيًا واجتماعيًا بدلًا من التأويل اللاهوتي المباشر، فإن النتيجة التي ينتهي إليها لا تبتعد كثيرًا عن الخلاصة الدفاعية، حيث يردّ نصوص وأوامر الحرب الكثيرة في أسفار التثنية ويشوع والقضاة وصموئيل... إلى خبرة جماعة كانت تعيش حالة تهديد وجودي دائم، ويجعل هذه الخبرة مفتاحًا لفهم خطابها الديني. وبذلك يتحوّل العنف من كونه تعبيرًا عن نزعة دينية لأن يصبح استجابة وجودية لظروف تاريخية استثنائية (4). لكن هذا التفسير يبقى بدون أن يحسم الإشكال الأخلاقي المتعلق بمفاهيم الإبادة، بل يُفهم بوصفه تبريرًا تاريخيًا للعنف.




ولا شك في أن من يطالع العهد القديم يقف على نصوص عديدة تبشر بالسلام، منها: "فيكون في آخر الأيام... فيطبعون سيوفهم سككًا ورماحهم مناجل، لا ترفع أمة على أمة سيفًا، ولا يتعلمون الحرب فيما بعد" (إشعيا 2: 2-4)، عبارات يكاد لفظها يتكرر في سفر ميخا (4: 1-4)، "هوذا ملكك يأتيك... يكلم الأمم بالسلام، وسلطانه من البحر إلى البحر" (زكريا 9: 9-10)... وقد دفعت هذه النصوص وغيرها بعض المفسرين المعاصرين للقول إن السلام المثالي لإسرائيل، وفق الرؤية التوراتية، لا يمكن أن يكون نتيجة مباشرة للعمل السياسي، بل يجب أن ينبع من "ختان القلب"، وهي استعارة لإزالة غطاء صلب يحول بين الوعي الداخلي وإدراك الله وحضوره الدائم في الخليقة. وتتطلب عملية إزالة هذا الغطاء تحولًا نفسيًا عميقًا في كيفية تفاعل البشر مع بعضهم بعضًا، ومع العالم ومع الله، وفي هذا السياق يتحقق السلام.(5)
غير أن توظيف تلك العبارات ومثيلاتها لترسيخ فكرة عالمية السلام في الفكر اليهودي، يتجاهل سياقاتها الأخروية وارتباطها برؤية نبوية مسيحانية؛ حيث ظهور المسيح المخلص وهيمنة بني إسرائيل، أو "عودة المنفيين إلى الأرض" حسب التصور اليهودي، ومن ثم إتمام العهد التوراتي. أو كما يقول ماكس ڤيبر في كتابه "الاقتصاد والمجتمع Economy and Society"، إن اليهودي كان يتوقع مشاركة ذريته في مملكة مسيحانية تخلّص مجتمعه المنبوذ بأكمله من وضعه المتدني، بل وترفعه إلى مرتبة السيادة في العالم (6). وهذا يعني أن مفهوم السلام في الفكر اليهودي يرتبط ارتباطًا وثيقًا بتحقيق الغاية اليهودية في التاريخ.
وهكذا فإن ما تضمنه تصوّر السلام عند أنبياء بني إسرائيل بالذهاب إلى ما وراء وقف النزاعات العسكرية، عبر حل جميع الصراعات داخل النفس البشرية، أو حل مشكلات العلاقات الثنائية داخل الأسرة والمجتمع وفي السياسة الدولية والطبيعة، بل وحتى بين البشر والله، يأتي كله ضمن عملية سلام نبوية موعودة يتحقق فيها الخلاص على يد مسيح مخلص من نسل داود. وهو وضع ناتج عن أننا أمام نظام يجسد الإثنية الدينية ethno-religious system يمزج بين الشعب والدين والأرض والشريعة في بوتقة واحدة. وعلى هذه الخلفية يقرأ العديد من اليهود الصهاينة، وخصوصًا المتدينين، الهجرات اليهودية إلى فلسطين، والقوة الغاشمة والاعتداءات والإبادة والاستيطان وتهجير الفلسطينيين... وغير ذلك مما تقوم به إسرائيل، ضمن سياق الثأر، ويعتبرونها تحقيقًا لتلك الرؤية المسيحانية القديمة عن السلام.

الحاخام البريطاني جوناثان ساكس (Getty)


ثمة طروحات أخرى كثيرة تتجاوز النظرة اللاهوتية المحدودة. ويعدّ الطرح الذي قدمه ڤيبر ذا قيمة كبيرة تعود إلى تركيزه على البعد السوسيولوجي. يظهر ذلك جليًا في نظرته لمضامين سفر المزامير، حيث أكد على أن السفر مشبع بالحاجة إلى الثأر Vengeance، ورأى أن المزامير تزخر بنصوص تضفي مشروعية صريحة لإشباع هذه الرغبة، وتدعو لأن يتحول غضب الرب إلى معاقبة الأعداء والثأر منهم.(7) ويُظهر استخدام ڤيبر لتعبير "الثأر"، وليس العدالة أو القصاص، شعورًا ضمنيًا بمعنى الانتقام الذي تضمنته النصوص، حتى وإن تمثّل في الدعاء إلى الرب بتنفيذ هذا الثأر حين يعجز الإنسان عن تنفيذه بنفسه، حتى أصبحت اليهودية في النهاية دينًا للانتقام، حسب تعبيره. ويقود ذلك ڤيبر للقول إنه "لم يجد في أي دين آخر في العالم إلهًا يمتلك ذلك التطلع الذي لا نظير له إلى الثأر، مثلما يتجلى في الإله يهوه" (8).
يربط ڤيبر كلامه السابق عن الثأر بمصطلح "الشعب المنبوذ Pariah people" المأخوذ من السياق الاجتماعي الهندي، والذي يشير إلى الجماعات المنبوذة خارج نظام الطبقات التقليدي. كان ڤيبر يعتقد أن الأحداث التي مرّ بها اليهود في مراحل كثيرة من تاريخهم جعلت منهم جماعة منبوذة، وهو وضع ولّد لديهم أملًا بالثأر من الأعداء الكثيرين، ثم تحوّل هذا الأمل إلى عنصر ديني دائم في العبادة والنصوص الدينية. وهنا تحديدًا يقتبس من الفيلسوف الألماني فريدريش نيتشه مفهوم "الاستياء Ressentiment"، أو ما يمكن التعبير عنه في هذا السياق بالكراهية تجاه الآخر حينما يعجز الشخص عن الانتقام، ليفسر به ڤيبر الديانة اليهودية. وعلى الرغم من تحفظه على فكرة أن يكون هذا الاستياء العنصر الحاسم في تفسير الديانة اليهودية، ورفضه اختزال اليهودية كلها في هذا العامل، يحذر ڤيبر من التقليل من تأثيراته، ويشدد على أن عنصر الاستياء أو الكراهية لعب دورًا فريدًا لدى اليهود لا نجده لدى الطبقات المهمشة أو المعزولة في أي دين آخر (9).

لا يعني ذلك بالطبع غياب نصوص تتحدث عن السلام بوصفه قيمة دينية أخلاقية، لكن هذه النصوص لا تبدو ممثلة لتيار جارف ومهيمن في مجمل العهد القديم، الذي يضم تراثًا هائلًا يبرر القتل والعنف، بل ويربطهما بالإرادة الإلهية. ومن ثم، فإن الحديث عن طبيعة فهم السلام في العهد القديم لا ينفي وجود هذه النصوص، وإنما يضعها في سياقها الأوسع. وتكشف هذه القراءة عن أن مفهوم السلام في الفكر اليهودي لا يمكن فصله عن البنية التي أنتجته، ولا عن الغاية التاريخية التي ارتبط بها. كما تُظهر أن السلام، حتى في أفضل المواضع التي تضمنت الحديث عنه، كان جزءًا من تصور أخروي يدور حول إسرائيل ويجعلها صاحبة المكانة المهيمنة. وفي المقابل، فإن محاولة الدفاع اللاهوتي عن نصوص العنف والانتقام بقيت أسيرة إشكال أساسي؛ إذ ركزت على تفسير السياقات التي ظهر فيها العنف ولم تتطرّق إلى البنية التي منحته شرعيته. ولذلك فإن مثل هذه التأويلات لم تمنع استدعاء العنف كلما وجد ممارسوه في إسرائيل أن الظروف السياسية تسمح بتكرار فعل العنف القديم.
وتظهر خطورة هذه المسألة حين ينتقل المفهوم الديني من مجال الاعتقاد إلى الفعل؛ إذ إن السلام الذي يُفهم بوصفه تحقيقًا لوعد تاريخي أو ديني لجماعة بعينها، كما في الحالة الإسرائيلية، يصبح مشروعًا للتعامل مع الواقع بما ينسجم مع هذا الوعد، وهو ما يجعل القتل والإبادة مطالب ضرورية وأدوات مهمة في طريق تحقيق "السلام المنشود" المشروط بتحقيق غاية قومية ودينية محددة.

الهوامش 

[1] - Alick Isaacs, The Concept of Peace in Judaism, in: The Concept of Peace in Judaism, Christianity and Islam. Walter de Gruyter, Berlin 2020. p. 2.

[2] - Jonathan Sacks, Not in God's Name: Confronting Religious Violence, New York: Schocken Books, 2015, p. 208-209.

[3] - Ibid, p. 207-209.

[4] - Wlater Brueggemann, Peace, Missouri: Chalice Press, 2001, p. 26.

[5] - Isaacs, p. 8.

[6] - Max Weber, Economy and Society: An Outline of Interpretive Sociology, Berkeley: University of California Press, 1968, p. 494.

[7] - Ibid, p. 494.

[8] - Ibid, p. 495-496.

[9] - Ibid, p. 496.

الدخول

سجل عن طريق

هل نسيت كلمة المرور؟

أدخل عنوان بريدك الإلكتروني المستخدم للتسجيل معنا و سنقوم بإرسال بريد إلكتروني يحتوي على رابط لإعادة ضبط كلمة المرور.

شكرا

الرجاء مراجعة بريدك الالكتروني. تمّ إرسال بريد إلكتروني يوضّح الخطوات اللّازمة لإنشاء كلمة المرور الجديدة.