عادةً ما تُنسب هذه العبارة: "كُلنا خرجنا من معطف غوغول" إلى دوستويفسكي. غير أنّ أقدم مصدر معروف يوردها هو الناقد الفرنسي أوجين ــ ميلكيور دو فوغيه في كتابه "الرواية الروسية" في ثمانينيات القرن التاسع عشر. لكنه لم يشر إلى أنّ دوستويفسكي كان قائلها، فكل ما فعله هو أنّه ألمح إلى أنّها لكاتب كبير.
بغض النظر عمّن هو قائل هذه العبارة، فقد أصبحت لاحقًا واحدة من أكثر الصيغ اختصارًا للدلالة على تقليد أدبي روسي جعل الإنسان الهامشي مركزًا للسرد، اصطلح على تسميته "أدب الرجل الصغير"، والذي تكرّس في أوساط النقد الروسي، وأصبح يستخدم لوصف الأدب الذي ظهر مع بوشكين، ومن ثم غوغول، وبعدهما دوستويفسكي، وتشيخوف، ومن لحق بهم. ومع ثيمة "أدب الرجل الصغير" توسّع اهتمام الأدب الروسي خاصة، والأدب العالمي عامة، خارج سرديات الملوك والأبطال والعشاق الكبار، إلى الإنسان الذي يعيش على هامش المجتمع.
كانت البطولة الأدبية شأنًا يخصّ الشخصيات الكبيرة في المجتمع، إلى أن جاءت الواقعية الروسية وقلبت هذا المنظور رأسًا على عقب. إذ رأت أنّ المأساة الحقيقية لا تسكن القصور، فتردّد هاملت، أو توهان عوليس، لا يرصدان إلا جزءًا بسيطًا في المجتمع الذي يتألّف من ملايين البشر المغمورين في قاع المجتمع، الذين يولدون ويعملون ويعانون ويموتون من دون أن يلحظهم التاريخ. ومن هذا النسيان ظهر أدب الرجل الصغير الذي يرصد هؤلاء المهمشين بوصفهم أبطالًا لأدب جديد خرج عن أصوله الكلاسيكية، فالرجل الصغير لا تكمن أهميته في ما أنجز، وإنّما في هامشيته القادرة على كشف قسوة النظام الاجتماعي وتهافته. غير أنّ هذا المصطلح الأدبي كثيرًا ما تم تعميم استخدامه، فأصبح يطلق على كل إنسان في قاع المجتمع، أو في أسفل سلّم الوظائف، أو على أي إنسان يعيش الفقر المدقع. مع أنّ الرجل الصغير، كما وطّنه الأدب الروسي في السرد، يجب أن يمتلك مميزات معينة نشأت نتيجة ظروف سياسية واقتصادية واجتماعية في روسيا. هذه المميزات من الممكن حصرها بأنّ الرجل الصغير عادة ما يكون في موقع هامشي، لا سلطة له ولا نفوذ. ونتيجة لهذا الواقع يتعرّض إلى الإذلال والاضطهاد. ومن خلال التعمّق في حياته اليومية المزرية، يستطيع الكاتب أن يكشف خلل النظام الاجتماعي والأخلاقي الذي يعيش فيه.
لهذا السبب، لا يعد كل فقير "رجلًا صغيرًا"، ولا أي موظف ينتمي إلى هذه الثيمة. فقد يكون الفقير بطلًا ثوريًا، وقد يكون الموظف شخصية انتهازية، أو ذات نفوذ، على الرغم من تدنّي رتبتها في السلّم الوظيفي. لم تبق شخصية الرجل الصغير ثابتة كما ظهرت إرهاصاتها عند بوشكين، والتي كانت ضحية للطبقية، ولا حتى عند غوغول الذي أصّلها بوصفها ضحية للبيروقراطية وفقدان الهوية، فقد تحولت عند دوستويفسكي إلى ذات واعية بمأساتها وكرامتها المجروحة. ومن ثم بلغت مع تشيخوف مرحلة أكثر تعقيدًا حين أصبح الإنسان يستبطن السلطة في داخله، فيراقب نفسه ويخضع للسلطة حتى في غياب الرقيب. هذا التطور لثيمة الرجل الصغير في الأدب الروسي لم يبقها أسيرة منبتها، وإنّما مكّنها من أن تصبح نموذجًا تم اقتباسه في آداب ومجتمعات أخرى.
لا يمكن فهم ظهور ثيمة الرجل الصغير بعيدًا عن التحوّلات التي شهدتها الإمبراطورية الروسية منذ إصلاحات القيصر بطرس الأكبر. ففي عام 1722، أصدر بطرس الأكبر ما عُرف بـ "جدول الرتب"، الذي أنشأ سلمًا رسميًا من أربع عشرة درجة للخدمة المدنية والعسكرية، وأسهم في إعادة تنظيم المكانة داخل الدولة القيصرية وفق مراتب الخدمة الحكومية. ومنذ ذلك الحين لم يعد الإنسان يقاس بما يملكه من علم، أو أخلاق، بل بالموقع الذي يشغله داخل الجهاز الإداري للدولة. أنتج هذا النظام مجتمعًا هرميًا صارمًا أصبحت فيه الرتبة الإدارية لغة اجتماعية قائمة بذاتها. فالحقوق والواجبات والتحية والاحترام وحق الدخول إلى المجالس وطريقة المخاطبة كانت كلها تحدّدها الدرجة الوظيفية لا القيمة الإنسانية.
ومع انتقال العاصمة الروسية إلى بطرسبرغ، المدينة التي شيّدت لتكون رمزًا للدولة الحديثة، تضخم الجهاز البيروقراطي بصورة غير مسبوقة، فامتلأت المدينة بالدوائر الحكومية التي يعمل بها آلاف الكتبة والناسخين وصغار الموظفين الذين يقضون حياتهم في نسخ الوثائق وختم الأوراق وانتظار الترقيات التي قد لا تأتي أبدًا. داخل هذا العالم ظهرت مفارقة لافتة، فالدولة الحديثة التي وعدت بالتنظيم والعقلانية، أنتجت في الوقت نفسه إنسانًا يكاد يختفي داخل آلتها الإدارية، فالموظف ليس فردًا له كينونته الخاصة، وإنّما رقم يمكن استبداله في أي لحظة. في هذا الواقع، ولد الرجل الصغير، وقد خرج من قلب الحياة اليومية الروسية، قبل أن يصبح فكرة أدبية من الممكن تعميمها. لم يتعامل الأدب الروسي مع هذه الشخصيات باعتبارها مادة للهجاء الاجتماعي فقط، فلقد جعل منها مرآة أخلاقية تكشف العلاقة المختلّة بين الفرد والدولة، فكلما ازداد هذا الإنسان ضعفًا، ازدادت قدرة الأدب على فضح النظام الذي استعبده. لهذا السبب لم تكن ثيمة الرجل الصغير دعوة إلى الشفقة، بقدر ما كانت احتجاجًا أدبيًا على عالم أصبح يقيس الإنسان من خلال قدرته على الطاعة لا بقدرته على الحياة.
الإرهاصات الأولى لثيمة الرجل الصغير
يجمع معظم مؤرخي الأدب الروسي على أنّ ألكسندر بوشكين كان لحظة انتقالية سبقت التأصيل لثيمة الرجل الصغير مع غوغول، فمعه بدأت الشخصية الهامشية في المجتمع تتحرّر من كونها عنصرًا ثانويًا في السرد، لتغدو موضوعًا أدبيًا يستحق التعاطف والتأمل. تعد قصة "أمين المحطة" (1831) من أقدم المعالجات الناضجة التي ستقرأ لاحقًا ضمن ثيمة الرجل الصغير في الأدب الروسي. لم يكن بطل القصة سامسون فيرين فارسًا ولا ثائرًا، وإنّما موظف حكومي يقع في أسفل السلم الوظيفي. لقد كان يقضي وقته في خدمة المسافرين، يستقبل شكاواهم، وإهاناتهم، بصمت، لأنّ موقفه الوظيفي لا يسمح له بالاحتجاج. قد يبدو هذا الوضع عاديًا، لكن مأساته تبدأ بعد أن يعجب الضابط الأرستقراطي مينسكي بابنة سامسون دونيا، فيأخذها معه إلى العاصمة. يحاول الأب استعادة ابنته، فيُقابَل بالازدراء الطبقي والوظيفي، فالقانون منحاز إلى أصحاب النفوذ. يشعر سامسون بأنّه عاجز عن المطالبة بالعدالة، لأنّه في الدرك الأسفل من سلم الرتب الاجتماعي، فيموت في النهاية منكسرًا. في هذه القصة لا تكمن مأساة سامسون في فقره وحده، بل في موقعه الاجتماعي الهشّ، الذي يجعله عاجزًا عن مواجهة صاحب المكانة والنفوذ. لقد سلطت "أمين المحطة" الضوء على مأساة الفرد الذي يعيش في قاع المجتمع في مواجهة التراتب الهيراركي، لكن مع قصيدة "الفارس البرونزي" (1833) يقترب بوشكين أكثر من ثيمة الرجل الصغير، لأنّه كان في "أمين المحطة" ما زال مرتهنًا للمسحة الرومانسية التي تفوّقت على الجانب الواقعي. أمّا في الفارس البرونزي، فيقترب بوشكين أكثر من الصورة التي سيصطلح النقد لاحقًا على تسميتها بـ "الرجل الصغير"، إذ يضع أحد سكان بطرسبرغ الفقراء في مواجهة مع الدولة ومشروعها الإمبراطوري. قام بطرس الأكبر ببناء مدينة سانت بطرسبرغ على نهر "نيفا" لتكون واجهة روسيا الجديدة. لقد كان إنجاز العاصمة الجديدة صرحًا سياسيًا عظيمًا، لكنه نهض على أكتاف العمال والجنود والفقراء الذين سكنوا الأحياء الفقيرة خلف الواجهة البراقة. كان أحد هؤلاء المهمشين يحلم بالزواج وببيت صغير، لكن فيضان نهر نيفا جرف الأحياء البائسة، وأغرق حبيبته. وفي لحظة غضب، ينتفض ذلك المهمّش بوجه تمثال بطرس الأكبر، ومع أنّه لم يكن يعلن تمردًا سياسيًا وإنّما صرخة إنسان مسحوق، لكن يخيّل إليه بعد هذه الصرخة أنّ الحصان البرونزي يطارده في شوارع بطرسبرغ، فيسمع وقع حوافره في كل مكان. هكذا يمكن قراءة القصيدة بوصفها تصويرًا لكيفية امتداد سلطة الدولة من المجال العام إلى أعماق الفرد. ولهذا يرى كثير من النقاد بأنّ "الفارس البرونزي" ليست قصيدة عن الفيضان، أو عن بطرس الأكبر، وإنّما عن الثمن الإنساني الذي تدفعه المجتمعات عندما يتحوّل المشروع السياسي إلى قيمة أعلى من الإنسان نفسه.
لقد كان بوشكين رائدًا في أدب الرجل الصغير، ومع ذلك يجب القول إنّ شخصياته رومانسية ودرامية، ولم تتحوّل بعد إلى نموذج اجتماعي متكرّر يحمل رؤية نقدية متكاملة، كما سنرى عند غوغول، الذي سيمنح الرجل الصغير بنيته الفنية والأدبية والفلسفية، محوّلًا هذه الثيمة إلى أحد أكثر النماذج تأثيرًا في الأدب العالمي.
*كاتب سوري.
(يتبع جزء ثان وأخير).


تحميل المقال التالي...