يحاول الناقد محيي الدين اللاذقاني في كتابه "في الطريق إلى بيت ولادة" (دار العين للنشر، 2026م) أن يجاور الياسمين وزهر الرُّمان وعبق التاريخ والتراث في قرطبة الأندلسية بعد أن امتدَّ المنفى واستطال وأوجعه الحنين إلى دمشق، وما إن حطَّ رحاله فيها حتَّى داهمته فكرة مجنونة، ودفعته إلى أن يبحث عن بيت ولادة بنت المستكفي التي تعتبر من أشهر العاشقات والشاعرات العربيات في تلك المدينة، التي لا تزال تحتفظ برونقها الدمشقي وانتمائها إلى بني أمية، ومع مرور الذكرى الألفية لأشهر كتب الحبِّ وهو كتاب "طوق الحمامة في الألفة والأُلاف" تطورت الفكرة مستندة إلى رموز التاريخ ونصوصه ووثائقه وكشوفات العصر الرَّقمي.
محي الدين يقلِّب الصفحات وينبش كتب تاريخ الأندلس باحثًا ومفتشًا عن كلِّ ما في هذا العصر من وثائق ليقدمها إلينا في صفحات هذا الكتاب، إنَّه يهدي الباحث عن الحبِّ إلى حيث يبدأ اللغز من تمثال ابن حزم الأندلسي الذي عاصر ولادة. والغريب أنَّه لم يذكرها في كتابه "طوق الحمامة"، وتتقاطع الطرق مع تشابك السيرتين والسير مع شخصيات ابن زيدون وابن عربي والمعتمد ابن عباد. وينطلق الكاتب إلى مرسية والمرية وغرناطة وطليطلة وإشبيلية، ثمَّ يعود إلى قرطبة ليبدأ من بيت ولادة الافتراضي كتابة سيرة جديدة لملحمة العشق العربي في العصر الحديث.
إنَّ جميع حركات العالم العلوي والسفلي تابعة للإرادة والمحبة، هذا ما يقوله ابن القيَّم في "روضة المحبين ونزهة المشتاقين"، وهذا سيأخذنا إلى الحديث عن المرأة القوية ولادة، بنت واحد من أواخر الخلفاء في الأندلس، التي عاشت في عصر مضطرب زال مجده، واستطاعت أن تنشئ بسيرتها نموذجًا جديدًا للمرأة التي تعرف ماذا تريد وتدافع عن حقوقها بحدِّ الرِّمش واللسان والجمال، فإذا ظلَّ عندها بعد معاركها وقت تلهَّت بالعشاق واللهو البريء مع صويحباتها كما تتسلى بتبديل خواتمها، وكان أشهر عشاقها الوزير الخطير ابن زيدون.
ولادة في الثقافة العربية أهمُّ من سافو في ثقافة الإغريق، فقد جاءت الثانية من تراث كهنة المعابد اللاتي عددن المتعة جزءًا مكملًا لبعض أشكال العبادات الوثنية، وبهذا المعنى كانت سافو حبة بارزة في طوق الجواهر الأصغر حجمًا، أمَّا ولادة فكانت الأولى وكانت فريدة التكوين ومفردة السياق وغريبة عن خط تطور المرأة العربية التي قنعت قبل ولادة وجيلها بأن تكون الظل، وما فكرت بالتحوُّل إلى قمر يشعُّ على من حوله ويمنح بركته للحدائق والظلال، وحتَّى بمقاييس الثقافة الأنثوية العالمية تظلُّ ولادة رمزًا مميزًا ونكهة مختلفة، والعالم لم يتعرّف بعد إلى نمط من النساء المدافعات عن حقوقهنَّ في التمتع بالحياة والمجاهرة بذلك، باستثناء سافو وبعض الشاعرات الرومانيات الأقل شأنًا... إلى أن جاءت ولادة كإعصار أنثوي أندلسي لتبث الذعر في أوساط رجال قرطبة ولتسخرــ محتمية بأرومتها الأمويةــ منهم جميعًا، ومع تطوّر الظاهرة قادت ولادة تيارًا مؤثرًا من النساء المتمردات على الدور التقليدي للمرأة القرطبية/الأندلسية التي ساعدتها الفتنة ورفاهية العيش وتوافر اللهو على تثبيت وضعها الجديد في غيبة رجال التهوا بالصراعات القبلية والعنصرية والسياسية، بدل أن يتمتعوا بجمال قرطبة وطبيعتها الساحرة ونسائها اللاتي هنَّ أرقُّ من صوت حفيف الشجر.
وقد كان لهذا التيار بعض المشاركات في مختلف الممالك والإمارات الأندلسية كحمدونة بنت المؤدب وحفصة الرَّكونية واعتماد الرُّميكية ونزهون القلاعية، وكثيرات من اللاتي وجدن في شجاعة ولادة نموذجًا يحتذى به في الأجيال اللاحقة.
| |
| محي الدين اللاذقاني ينبش كتب تاريخ الأندلس باحثًا ومفتشًا عن كلِّ ما في هذا العصر من وثائق ليقدمها إلينا في صفحات هذا الكتاب |
ولدت ولادة وشبَّت في زمن الفتنة السياسية الكبرى التي عصفت بقرطبة وأنهت خلافة أبيها وحكم الأمويين ومهدت لقيام الحقبة المعروفة تاريخيًا بحقبة "دول ملوك الطوائف"، وحملت تلك الفتنة الشهيرة اسم "فتنة البربر" التي دمَّرت الزهراء تدميرًا كاملًا.
ولادة التي كتبت على طرف ثوبها كما زعموا:
أنا والله أصلح للمعالي وأمشي مشيتي وأتيه تيها
أمكِّن عاشقي من صحن خدِّي وأمنح قبلتي من يشتهيها...
وقد اختلف الكتاب والفلاسفة في كلِّ العصور حول تعريف الحب، إلى أن جاء معاصر ولادة وابن مدينتها ابن حزم ليشير إلى خطر الحب الحقيقي الذي لا يدركه العاشق إلا بعد أن يتورط، فهزله جدٌّ وجدُّه هزل، وأوله لعب وآخره عطب.
الرواية الوحيدة التي تشير إلى حبِّ ولادة لابن زيدون وردت على لسانه، ولنستمع إليها كما حكاها ابن بسام في كتابه "الذخيرة":
قال أبو الوليد ابن زيدون: كنت في أيام الشباب وغمرة التصاب هائمًا بغادة تدعى ولادة، فلما قُدر وساعد القضاء كتبت إليّ:
ترقب إذا جنَّ الظلام زيارتي
فإنِّي رأيت الليل أكتم للسر
وبي منك ما لو بالبدر ما بدا
وبالليل ما أدجى وبالنجم لم يَسِر
فلما طوى النَّهار كافوره ونشر الليل عنبره أقبلت بقدٍّ كالقضيب وردف كالكثيب، وقد أطبقت نرجس المقل على ورد الخجل.
ولا داعي للإطالة في هذه الرواية فالسجع ثقيل وممل فيها، وقد اقترن اسم ولادة باسم الوزير ابن عبدوس، جنَّ ابن زيدون وكتب رسالة باسمها وطلب أن ترسلها إليه، ويبدو من سياق الأحداث أنَّ ابن زيدون قد أسرف في الحديث عمَّا كان بينهما، وذلك أسلوب لا يليق بشاعر بغض النظر عن صحة الوقائع من عدمها، فاضطرت ولادة لأن ترد على إشاعاته بهجائياتها حتَّى تتوازن السيرة في الأوساط القرطبية، وينسب الناس قصصه إلى الغيرة وأضغاث الأحلام. لقد كانت ولادة ومجلسها وحرِّيتها وصداقاتها تتويجًا لوضع حضاري متطوِّر وصلت إليه المرأة الأندلسية، عاشته وتمتَّعت به.
ثمَّ كان أن ركبت جوادها وانطلقت فربما تغتسل من وعثاء السفر في النهر ذاته والماء نفسه عند قنطرة قرطبة التي لا تبعد كثيرًا عن بيت ولادة الافتراضي الذي كان كقصر المعتمد يجاور نهر الوادي الكبير، ولكن في مدينة أخرى. قرطبة فيها دمٌّ كثير ولكنها تحتفي بجماليات الرُّوح على قدم المساواة مع عربدة الجسد، قدمت رومانسياتها وفلسفتها على دسائسها فصارت مدينة للعشق وتسامح الرُّوح التي تتنشقها إلى اليوم صافية على قنطرة الوادي الكبير.
لم يذكر ابن حزم ولادة في كتابه "طوق الحمامة"، مع أنَّهما تعاصرا وعاشا متجاورين على الجبهة الشمالية للقنطرة، عند حومة بلاط مغيث، وربما يعود ذلك إلى أنَّ قصتها لم تكن بالأهمية التي يتناقلها الناس، ويتحمَّل ابن زيدون القسط الأكبر في تشويه سمعتها، لقد استجدى وطرد وتذلل ورفض فقرَّر الانتقام لكبريائه الجريح بالإيحاء بوجود علاقة وصال مع الشاعرة، وجنَّد كلَّ إمكاناته لتشويه صورتها، وهناك بعض قصائد ولادة توضِّح ذلك:
إنَّ ابن زيدون على فضله يغتابني ظلمًا ولا ذنب لي.
ومن الأرباض إلى الأبواب إلى باب إشبيلية أو باب الجزيرة الخضراء الذي يطلُّ على النهر، فإذا ما تخطينا السور سنجد ساحة فسيحة وإلى اليمين في هذا الزقاق الضيق والعابق بالشذى ستجد المكان الافتراضي لدار ولادة في انتظارك، ولا بد أن نلاحظ أنَّ المدينة قد تغيَّرت بعد فتنة الربض وفتنة قرطبة وتبدل الكثير من بنيانها خلال ألف عام.
ولا يمكن لك إلا أن تثني على عبقرية اختيار تلك البقعة، هنا يقع باب العطارين حيث تجتمع النساء وينشط بيع العطر والمساويك والثياب والبخور، وعلى هامشها يعيش النشاط الأساسي المتمثل في تبادل الغزل ورسائله وشجونه، وكانت عجائز قرطبة يرحن ويجئن بين الجنسين محملات بالرسائل والهدايا، ويواصلن سعيهن في السلم والحرب لجمع الرؤوس بالحلال.
الدكتور محيي الدين اللاذقاني الذي جال بحثًا عن بيت ولادة، لم يترك ورقة تضيع منه في تاريخ الأندلس باحثًا منذ الدخول إليها حتى انهيارها وطرد العرب منها، وبيت ولادة كان هو مفتاح الدخول إلى بحثه هذا.


تحميل المقال التالي...