جميع مذاهب الروحانية الخالصة علّمت ازدراء الجسد وإهماله أو تعذيبه، بسبب جميع غرائزه، حتى إنّ الديانات التوحيدية، وبخاصة المسيحية، جعلت الجسد مصدرًا للذنوب والآثام والمعاناة واللعنات، من خلال شيطنة الإروس. أما الخصائص النفسية والبدنية البحتة للجسد (الإعاقات على أنواعها، الصحة أو المرض، الجمال أو القبح، الشكل، الطول، الوزن...) أو الخصائص العرقية (لون البشرة، لون العينين، لون الشعر، شعر الجسم...) فإنها تلعب دورًا في تحديد النموذج الجسدي للذات. الجسد هو أصل إدراك العالم، الموضوع المباشر للذات، ولا يمكن إدراك كل المواضيع الأخرى إلّا من خلاله. إنه نقطة الانطلاق لمعرفة الذات، بحسب شوبنهاور الذي يقدّر لكانط فكرته عن إدراك العالم بواسطة الجسد. يقدم شوبنهاور أمثلة في هذا الصدد، ومنها مثلًا أن المولود ضريرًا لا يكتسب تصوّره للعالم تدريجيًا إلا من خلال "البيانات" التي توفّرها له حاسة اللمس، ولذلك فإن الضرير الذي لا يملك يدين لا يُمكنه أبدًا معرفة شكل جسده، أو يبني تصوّره عنه من تأثير الأجساد الأخرى عليه.
يقف الجسد وحيدًا في هذا العالم أمام الموت والمرض والوحدة والبطالة والشيخوخة والعذابات والمحن. تتضاعف مأساته في الأزمنة الحديثة، بعد طول معاناة على امتداد العصور والأطوار المنصرمة. ولا أحد مثل الإنسان المسنّ يختزل جوانب هذه المأساة كافة، إذ يمسي جسده منفيًّا، سواء وسط عائلته أو في بيت للعجزة، منسيًّا، غير نافع، منتظرًا موته. ففي معظم تلك المؤسسات يُمحى العمق الإنساني والخصوصية الفردية تحت العنوان الواحد للجسد التالف الذي ينبغي تغذيته وغسله، طالما هو حيّ وفي انتظار موته. الإنسان المسنّ لا يبقى تاريخًا شخصيًا، ولا شخصًا فاعلًا. إنه مجرّد جسد مهزوم يطلب العناية للبقاء، تمامًا مثل الإنسان المعوّق، يمسي مادة لجسده. هو كما وصفه بيشا/ Bichat جسد ينطفئ عند نهاية شيخوخة طويلة، يموت بالتفصيل، تنتهي جميع وظائفه الواحدة بعد الأخرى، وتضمحلّ كل حواسه على نحو متتالٍ. والأقسى في شيخوخة الإنسان المعاصر أنه لا يلقى اعترافًا اجتماعيًا متزايدًا كما كان المسنّ في الماضي وسط عائلته أو قبيلته ومجتمعه. أضحت شيخوخته حِدادًا بطيئًا لجسد غير نافع يحتاج إلى مساعدة الغير. يسكنه الموت الرمزيّ عبر الخضوع المتنامي للأشخاص الذين يعتنون به. ومع الموت البطيء الذي ينجو من الإدراك، يندمج الزمن بالوجه، ويدخل الخلايا، ويضعف العضلات ويصغّر الطاقة. تقول سيمون دو بوفوار عن الشيخوخة: "أصبحتُ شخصًا آخر في حين أنني ما زلت أنا نفسي". ويقول بروست: "إن الشيخوخة، من بين كل الحقائق الإنسانية، هي التي تبقى لمدة طويلة الأكثر تجريدًا". يولد الشعور المجرّد بالشيخوخة من نظرة الآخر.
لميشال فوكو تعبير بليغ عن الجسد، ذاك "المكان عديم الرحمة"، فهو بالنسبة إليه وعاء الذات وسجنها (قبرها في تعبير أفلاطون). يحدّد الجسد الذات بحيث يغدو الفرد منتميًا إليه أكثر من انتماء الجسد إلى الذات. تقيم الذات داخل الجسد وتحاول الهرب منه من خلال نافذة العينين، لكي ترى الأشياء وتحلم بأن تبقى حيّة حين يموت الجسد. لكنها، بحسب فوكو، "يوطوبيات خرافية وميتافيزيقية تهدف إلى تفادي الحقيقة المخزية للجسد الذي يمتلك في داخله، هو أيضًا، أماكن بلا أمكنة، وأماكن أكثر غورًا، وأكثر عنادًا أيضًا من الروح، ومن القبر، ومن سحر السحرة. فله كهوفه وخزائنه، وله رحلاته الغامضة، وله شواطئه المشمسة". الجسد مفتوح ومغلق، مرئيّ وغير مرئيّ، يستحيل استنفاد ظاهرته. إنه مكان للولادة ومكان للموت. الجسد في وصف بليغ لفوكو، "يشكل نقطةَ صِفْرِ العالم، النقطة التي تتقاطع عندها الطرق والفضاءات، ولا يكون الجسد في أي مكان: إنه في قلب العالم، في تلك النواة الطوباوية التي انطلاقًا منها أحلم، أتكلّم، أتقدم، أتخيّل، وأتصوّر الأشياء في أماكنها وأنفيها أيضًا اعتمادًا على القوة اللامحدودة للطوباويات التي أتخيّلها. إن جسدي هو مثل مدينة الشمس، ليس له مكان، لكن من داخله تخرج وتشعّ كل الأمكنة الممكنة، حقيقية، أو خيالية".
يقول جيل دولوز: "الشيخوخة هي الوجود"، فالبشر لا يفقهون عامةً معنى الوجود وحقيقته إلّا مع بلوغ سنّ الشيخوخة وإدراك أن الحياة ليست حقًا مكتسبًا لنا. وبالنسبة إلى هايدغر، تقرّبنا الشيخوخة من سؤال الموت بحيث يصير الإنسان "كائنًا نحو الموت" (Sein-zum-Tode). وترى سيمون دو بوفوار الشيخوخة وضعًا اجتماعيًا أيضًا، فالمجتمع هو الذي يحدّد إلى حد بعيد ماذا يعني أن تكون "عجوزًا". ويؤكد شوبنهاور على أن الشيخوخة هي اكتشاف متأخر لحقيقة الحياة فـ "في النصف الأول من العمر يكون الإنسان مفتونًا بفكرة السعادة، وفي النصف الثاني يبدأ إدراكه أن السعادة لم تكن سوى وهم". تسقط الأوهام التي كان الشباب يحتاج إليها كي يستمرّ. وترتبط الشيخوخة لدى بروست قبل كل شيء بالزمن الذي يعمل سرًّا على الوجوه والأجساد والذكريات، ففي "البحث عن الزمن المفقود" تتغير الشخوص التي عُرفت في شبابها إلى درجة يصعب معها التعرّف إليها من جديد. المأساة البروستية ليست أن الجسد يشيخ فقط، بل إن الزمن يجعل الإنسان غريبًا عن ذاك الذي كانه. ويقدم توماس مان في "الموت في البندقية" صورة رجل متقدم في العمر لا تزال تتملّكه الرغبة في حين أن جسده المريض لا يسمح له بامتلاك ما يرغب. ويقدّم شكسبير في مسرحيته "كما تشاء" صورة شديدة القسوة لإنسان في سنّ الشيخوخة، "بلا أسنان، بلا نظر، بلا ذائقة، بلا شيء"، والشيخوخة في نظره "طفولة ثانية ونسيان تام". ويصف الشاعر وليم بتلر ييتس أجساد الشيوخ بأنها "ثوب ممزق على عصا". ويصوّر همنغواي الشيخوخة بأنها "صراع ضد الهزيمة". ويرمز ماركيز في روايته "الحب في زمن الكوليرا" إلى الرغبة الشابة في جسدٍ عجوز. ويصف دافيد لوبروتون الشيخوخة بـ"القارة الرمادية" التي تحاصر فئة من الناس غريبة عن العصر وتائهة عنه، فالزمن المعاصر لم يعد زمن الذاكرة أو الخبرة (أو الحكمة) لأنه عالم مكرّس للحظة الراهنة، بحيث بات التاريخ للأجيال الشابة يميل لأن يكون الحاضر. أمّا الشيخوخة فهي تنزاح ببطء خارج المجال الرمزي وتنحرف عن القيم المركزية للحداثة: الشباب، والجاذبية، والحيوية، والعمل، والأداء، والسرعة.
فوق مأساة تدهوره الطبيعي، بات الجسد البشري فاقدًا في زمن الحداثة والتكنولوجيا مقوماته الإنسانية كالقيمة والكرامة والحرمة والإرادة والحرية، أي شخصيته الفريدة ووعيه وقدسيته، ليضحي مثل الأشياء التي تباع وتشترى، أي عنصرًا "اقتصاديًا"، من خلال تكنولوجيا زرع الأعضاء، مثلًا، التي تضعنا في حقل من المفاهيم الفلسفية كالإيثار وحرية التبرع، بالإضافة إلى مفهوم النفعية والمتاجرة بالجسد وأعضائه. فالتطور التكنولوجي والعلمي أجبر الأخلاق أيضًا على "التطور" كي تواكب التقدم، فما كان مرفوضًا في السابق كالتبرع بالأعضاء والجراحة التجميلية والتقويمية، أصبح ضرورة الآن للجسد المشوّه خلقيًا أو للمحتاج إلى عضو ليبقى حيًا. تلك الأخلاق التي تكون مع ما هو إيجابي وضد ما هو سلبي ومشين من استعمالات التكنولوجيا وتدخلاتها في الجسد البشري.
يقول الفيلسوف الفرنسي لوسيان سيف/ Sève: "إذا أردنا التقدم البيوطبّي في كنف احترام الإنسان يجب أن نبدأ بتحريم المتاجرة بالجسد البشري في أشكالها كافة"، فبعد تحرير جسد الإنسان من العبودية أصبح مهدّدًا ببيعه أجزاءً. باتت المنفعة الذاتية دافعًا لاستئصال العضو في مقابل المال. وبعض النساء يؤجّرن أرحامهنّ لإنجاب أطفال يستغنين عنهم لآخرين في مقابل المال (!). حضت التكنولوجيا الفقراء على بيع أعضائهم، وشجعت الدول على سرقة الأعضاء المنتزعة من أحياء في بلدان فقيرة.
يا للهول ويا للجسد الإنساني المنتهك (الكيان الصهيوني من أكثر البلدان إقدامًا على بيع أعضاء الفلسطينيين). الإنسان في خطر فعليّ بحسب الفيلسوف الألماني هانس يوناس إذ يقول: "إننا نعيش في حالة تهديد بكارثة كونية إذا تركنا الأمور الحالية تتابع مسيرها". كما أن التكنولوجيا الجينيّة المحوّلة للجسد تضع البشرية في مواجهة مع أسئلة عملية بشأن الفعل الأخلاقي. وماذا عن التلاعب الجينيّ والاستنساخ والجراحات التجميلية بمختلف أخطارها وتشويهاتها؟ من سخريات الوجود أن يتعرّض الجسد للدمار بمختلف وسائل التدمير التي توصل إليها العقل البشري، بعد الحروب والمجاعات والأوبئة والزلازل.
تفرز الصورة البشرية في ظلّ التلاعب البيولوجيّ والجينيّ تساؤلات إتيقيّة جديدة أكثر إحراجًا، على ما تشير الباحثة البلجيكية في العلوم والأخلاق ماري-جنفياف بينسار/ Pinsart. فمن شرور التكنولوجيا تدخّلها في "مادة" الإنسان لتصميم وجهه وشكله وجسده. بالتالي، هل الإنسان هو الذي يرسم حدود التكنولوجيا، أم العكس؟ فالوسائل التي حقق الإنسان رفاهيته وطموحاته بها، هي نفسها التي تدمره وتلغي شخصيته، والدليل هو تدخل البيوتكنولوجيا والطب في الجسد البشري ليصيّره منجمًا لقطع التبديل من ناحية، ومسرحًا للعمليات التجميلية والتركيبية والتبديلية من ناحية أخرى. فتشوّه الوجه يعني فقدان الهوية، وهنا الجسد مهزوم مرة أخرى. لذا تفتقر البشرية، والجسد البشريّ، إلى إتيقا علمية جديدة وضوابط أخلاقية في ظل تيار جارف من العلوم والتقنيات. وإذا كانت الإتيقا ترتكز على الأنطولوجيا، أي الوجود، وإذا كان منطلقها الكائن البشري، فلن تُحصر في الإنسان-المركز، بل سيكون اهتمامها موجهًا إلى الوجود برمته، أي البيئة الطبيعية لحياة الإنسان. فالجسد البشري في حاجة إلى الحماية وإلى إتيقا ترفع عنه الانتهاكات الظاهرة والخفية باسم التقدم العلمي والتكنولوجي والطبي. هل يُنقذ هذا الجسد، ولو بجزء مستطاع إنقاذه، من هزيمته؟


تحميل المقال التالي...