فوق قمّةِ تلٍّ كنعانيٍّ عنيد غرب القدس وشرق الرملة، رفع الحصان قائميه الأماميين الجامحيْن رافضًا مغادرة التل... صهل الحصان ومات... فإذا بحكاية خربة البويْرة المهجّرة المدمّرة تصبح ما باح به الحصان... وحق العودة يصبح وصيةَ صهيلهِ الأخير قبل أنفاس الصعود إلى السماء كما فعل البُراق ذات رسالة صلّى من أجلها الأنبياء. بمساحة لا تزيد على 1150 دونمًا، وعدد سكان وصل عند وقوع النكبة إلى زهاء 273 فلسطينيًا (يصل عددهم اليوم إلى زهاء أربعة آلاف لاجئ في بلاد الشتات)، كانوا يسكنون 37 بيتًا فقط لا غير، نسجت خربة البُويْرة حروف قصتها الشفوية والمكتوبة داخل مجلدات القرى المدمّرة... بقوّة إيمانِها، وعميق ثقتِها بمقدراتِها وبحقِها في أن تظل في دائرة الذاكرة بعيدًا عن مكامن النسيان...
بما خرج من بين ظهرانيها من مبدعين وشعراء وعشاق يؤْثرون بعض رمادها على لمعان الذهب، ولا يتخلّون عنه مقابل أجمل بقاع الأرض وكل أموال العالم... وبما توارثه أبناؤها كابرًا عن كابر، حافظت القرية/ الخربة على وجودها في سجلات الحق ودفاتر الحضور.
احتلتها عصابات الغزاة في 15 تموز/ يوليو 1948. تبعد 15 كيلومترًا عن الرملة جنوب شرقها. ترتفع عن سطح بحر فلسطين 250 مترًا. أراضيها بالكامل لأهلِها، كانت تتوزّعها بساتين الفواكه (على رأسها التين والتوت وبعض الحمضيات)، وكروم الزيتون، وحقول الحبوب... شمالها قريتا بئر ماعين، أو بئر معين، أو بير إمّاعين، (بعض الموثقين يتعاملون مع البويرة بوصفها خربةً من خرب بئر ماعين)... وشمالها أيضًا ناحية الشرق بيت سيرا وناحية الغرب برفيليا... شرقها عجنْجول وغربها بيت شنّه بِخربِها وكنيستِها... جنوبها يالو وعمواس (جنوب غرب) وبيت نوبا (جنوب شرق)... وبالتالي لم تكن القرية/ الخربة بعيدة عن معارك اللطرون... ولا عن طاعون عمواس إبان الفتوحات الإسلامية... ما يعني أن مقامات صحابة كرام كانت موجودة فيها قبل تدميرها كما هي حال معظم القرى حولها... وهي دفعت ثمن صمود عمواس ويالو وبيت نوبا، حين قررت العصابات الغازية (ضمن الحملة الصهيونية الإجرامية التي حملت اسم داني بقيادة المجرم الصهيوني إيغال آلون) تعويض هزيمتها وفشلها في السيطرة على هذه القرى الثلاث، لتأمين الطريق إلى القدس، باحتلال قرى أصغر منها، أو أقل تجهزًا وتسلحًا. ولعل السبب الأكثر إيلامًا لسقوطها بيد العصابات، هو أن الجيوش العربية التي قدِمت للدفاع عن فلسطين، ضحّت بالقرى الصغيرة التي قد يستنزف الدفاع عنها قدراتها المتواضعة أصلًا، مركّزة على البلدات الأهم والقرى الأكبر مثل قرى اللطرون، وعلى حماية القدس من جهاتها الغربية التي تسابق أفراد العصابات من تلك الجهات نحوها...
وبحسب صديقٍ، فإن رَدَّ ضابط في جيشٍ عربيٍّ على طلب عمّه النجدة دفاعًا عن خربة البُويْرة، كان أن انسحابهم أولى وأكثر منطقية. رغم ذلك حارب بعض شباب القرية... ودافعوا... واستبسلوا بأكفٍّ عاندت المخرز... وصدور قليلة العتاد ولكن كثيرة الشجاعة، لا تريد أن تغادر مرابع الصبا وموائل الحياة التي ظلت هانئةً إلى أن جاء الغزاة بحقدٍ محموم ووعدٍ مزعوم وأسلحة لم يعهدوا مثلها قبل ذلك... تمسّكهم بأرض أجدادهم، ومعنى وجودهم، وموجبات كرامتهم، جعلهم يدافعون ما استطاعوا إلى ذلك سبيلًا... استشهد بعضهم... وبلع حسراته بعضهم الآخر... وحين لملم رب أسرة حطام الأسى من حوله وسار هو وزوجته وابنه نحو المجهول، عاندهم حصانهم، ورفع (كما في الاستهلال) أقدام الصهيل حتى أعالي الإباء... هل مات الحصان بأوجاع الحسرة؟ هل دفعه رب البيت نحو الجرف السحيق لأن رفض المغادرة لو تحوّل إلى عدوى وانتقل إلى من معه فقد يتسبب بفقدانه بِكره وزوجَته؟ هل ألقى بنفسه ولم يدفعه أحد؟ هل قصة الحصان من ألفِها إلى يائِها مجرّد سردية شفوية متخيّلة أراد أهل البويْرة أن يتناقلوها لتظل القصة وما تحمله من رسائل محفّزة لوجدانهم كلما هاجت في ضلوع هذا الوجدان أوجاع النوستالجيا الجارحة؟ هل تُرِك الحصان وحيدًا ولم يمت من فوره، بل واصل الصهيل إلى أن جفّ حلقه، ونشفتْ أسباب تمسكه بعيشٍ لا سَهل فيه ولا أهل ولا دفءَ ما كان؟
فوق قمة كاشفة... حين يغدو بحر فلسطين إطلالة واعدة بالبهاء لكل جالس فوق شرفة التل الشامخ الحدوب... زرع أهل البويْرة الكنعانيون الفلسطينيون أرضهم... بعضهم جاء من قرى مجاورة وزرع ثم استقر، أو استقر ثم زرع سيّان... إلى أن صارت البويْرة كما هي حال كثير من قرى فلسطين موئلًا لأهل قرى مجاورة... سبق أهل البويْرة لقمّة التل كنعانيون تركوا بعض آثارهم تدل عليهم، ولهذا تحمل القرية اسم خربة، لأن هذا الاﺳﻢ يُطلق ﻓﻲ ﻓﻠﺴﻄﻴﻦ ﻋﻠﻰ اﻟﻤﻮاﻗﻊ اﻷﺛﺮﻳﺔ اﻟﻘﺪﻳﻤﺔ. أما الشقّ الثاني من اسمها فهو يعني أن القرية كانت مهجورة ردحًا من الزمن... أو أن خصب أرضها نضب فترة من فترات زهوها... مزرعةٌ دانيةُ القطوف كانت البويْرة قبل أن تصبح قرية... هادئة... راضية... يعرف أهلها بعضهم فردًا... فردًا... إلى أن جاء الغزاة... وتركتهم لأحزانهم مسرّات الحياة...
رماد البيت
حين علم صديقي الشاعر يوسف عبد العزيز أنني أنوي أن أكتب عن خربة البويْرة أرسل لي نصًا قديمًا له عنوانه "صرّة الزعتر"، ومما جاء فيه: "في صيف عام 1998، أي بعد خمسين عامًا من الخروج، قام أخي الكبير برحلة مكّوكيّة إلى البيت. كان قد ذهب إلى الضّفة من خلال تصريح زيارة، وانتهز الأيام القليلة المتبقّية له في التصريح ليعود أدراجه إلى البيت متتبّعًا طريق الحصان الذي أبى أن يغادر مع من غادروا. وقد اعترف قائلًا: ’ذاكرتي لم تكن لتسعفني، فخمسون عامًا لم تكن جرّة قلم لتجعلني أتذكّر تلك الطريق التي قطعناها في الطفولة. لقد تغيّرت ملامح الطبيعة، وفي ظلّ حالة الوحشة التي تعيشها الأرض هاج كلّ شيء فيها ونما بشكل جنوني، لقد استعادت الأعشاب والأشواك الطرق والممرّات التي كانت قائمة ومحتها. لهذه الأسباب، استعنت بأحد شيوخ القرية ليكون مرافقي ودليلي إلى البيت.
من كتف القدس إلى نواحي اللد حيث تقوم قرية البويرة، قطعنا الطريق مشيًا على الأقدام، تارة كنت أستعين بخبرة الشيخ، الذي كان يعرّفني بالأمكنة، وتارة أخرى كنت أندفع بنشاط تحرّكني حدوس خفيّة كواحد من كائنات الأرض الكثيرة التي بقيت تعيش على هواها طوال هذه المدّة الطويلة. خمسون سنة هي عمر هذه النّكبة ذابت دفعة واحدة، وحين وصلنا منطقة الجرف التي وقعت فيها حكاية الحصان، وجدتني أستعيد تفاصيلها كأنها حدثت البارحة.
فجأةً صاح بي الشيخ بحماس: نحن في القرية. ولكنّني لم أشاهد بيوتًا، كلّ ما كان هناك كان عبارة عن سحابة هائلة من الخضرة، أشجار عملاقة اشتبكت أغصانها، وشكّلت ما يشبه المظلّة. نباتات وأزهار بريّة مشوّشة أطلّت بدروعها الخضراء كأنّها تبارز العزلة. أين خروبة أبي العبّاس؟ هتفت بالشيخ. أين بيتنا؟ أين بيت جدّي؟ أين بيت عمّي؟ لم يجب الشيخ، وانخرطنا في نوبة من البكاء الحاد.
لا أعرف كيف قادتني قدماي إلى البيت. بالمصادفة وجدتني واقفًا على أطلاله، ولم أتبين منه شيئًا. كانت حجارته قد سُوّيت بالأرض ونبت لها ريش كثيف أخضر. الحجر الوحيد المتبقّي منه كان أنا، الحجر الوحيد الذي لم يمسسه سوء ومسّه كلّ خراب الدّنيا كان أنا. رحت أضرب في المكان على غير هدى وأتشمّم روائح الأشياء، والصّرخات القديمة، وعلى حين غرّة تحسّست ندبة في جبيني، وتذكّرت سقوطي عن خروبة أبي العباس التي بجوار بيتنا.
يا إلهي! هتفتُ. أين مضت حياتي؟ لقد صارت مرتع خيبات، وها أنا أخلّفها ورائي كومة أيام ممزّقة. شو بدّي بالأولاد. الله يخلّي البلاد، رحت أحرّف كلام فيروز وأدندن لحن أغنيتها. هذا هو بيتنا بحجراته الأربع... هنا كنت أعيش، ألعب، وأنام وأصحو... فأيّ حماقة ارتكبها التاريخ العاهر، أيّ جريمة اقترفتها الإنسانية بحقّي...’. عند هذه النقطة من اللاجدوى وفقدان اليقين، أنهى عصير، الذي هو أخي الكبير، سرد فصول رحلته الغرائبية إلى البيت. ولكنّ الجانب المثير من الحكاية لم ينتهِ بعد، خاصّةً وأنني دخلت من حيث لا أدري في خضمّ تلك الحكاية المروّعة. حين عاد أخي إلى عمّان كان قد أحضر معه كيسًا مليئًا بالزّعتر، وحين زرته قال لي: هذه هي هديّتك، فخذها. كانت الهدية عبارة عن صُرّة صغيرة من الزّعتر. قال، وهنا بيت القصيد: لقد قطفت هذا الزعتر الذي بين يديك من بين حجارة البيت. عندها أصابتني رجّة عظيمة وكدت أسقط. أخذت صرّة الزعتر ورحت أتشمّمها كمن يتشمم روائح الجنّة. عند ذلك تذكّرت بعض الحكايات التي كانت تحدث أيام الحرب العالمية الثانية، والخاصّة بأُسَر المفقودين التي تتلقّى تباعًا طرودًا بريديّةً هي عبارة عن رماد أبنائِها المغدورين. لقد كدت أُجَنّ وأنا أتحسّس الصّرّة التي فيها زعتر البيت. ’هذا رمادُ البيت’، هتفتُ بيني وبين نفسي".
من طين وحجارة صنع البوارنة بيوتهم... ومع مواويل الأرض نثروا بذورهم... طوال القامة هم كأنهم عماليق غزّة... عِراض الجِباه... أزقّة حارات قريتهم كانت ضيّقة لأن جداتهم كانت تقول لهم إن الزقاق الضيّق يتسع لمائة حكاية عن الحب والخصب وأشجان المساء في ليالي الصيف البعيد. أصواتهم كانت هديرًا يصعد بأعالي النشيد السعيد.


تحميل المقال التالي...