(1)
منذ ثمانينيات القرن العشرين، حظي قطاع السياحة باهتمام كبير في حقل العلوم الإنسانية والاجتماعية؛ إذ ساهمت تخصصات متنوعة ضمن هذا المجال في فهم القضايا الجوهرية، الاجتماعية والثقافية والاقتصادية والبيئية والسياسية والجيوسياسية، التي أفرزها التوسع العالمي لهذه الصناعة، حسب الباحثة الفرنسية صوفي كروازي. وقد أتاح هذا الاهتمام العلمي متعدّد التخصّصات توظيف طيف واسع من الرؤى المنهجية والنظرية لفهم ظاهرة السياحة، ولتطوير رصيد من المعرفة والممارسات التي تشكل اليوم مجالًا بحثيًا أكاديميًا متكامل الأركان على الصعيد الدولي. وتُعد هذه المشروعية الأكاديمية، التي انتُزعت بجهد دؤوب، ثمرةً لعمل باحثين في العلوم الإنسانية والاجتماعية نجحوا في دحض الانتقادات التي سعت إلى تهميش السياحة باعتبارها موضوعًا تافهًا يفتقر إلى الأهمية المعرفية، أو باعتبارها ممارسة تؤدي بطبيعتها إلى الاغتراب نظرًا لارتباطها الوثيق بالسوق والرأسمالية الجماهيرية. لقد تمكّن هؤلاء الباحثون من الربط بين الممارسات السياحية وفهم كيفية تشكّل ما يُعرف بالمجتمعات الحديثة؛ وأسسوا مجالًا بحثيًا لا يطرح نفسه بوصفه نموذجًا علميًا (باراديغمًا) جديدًا، نظرًا لتداخل تخصصات عديدة ذات مناهج وأهداف متباينة، بل بوصفه مجالًا دراسيًا متعدد الأبعاد ومتقاطع المسارات، ذا أصول متنوعة، ويتسم بكونه "تشكيلًا متنوعًا وغير متجانس من المؤسسات والشبكات والفاعلين والمجالات الأكاديمية." (ص. كروازي).
(2)
ارتبطت السياحة، أيضًا، وفي الغالب، بمجال التصور، أو الانطباع. تُعد "الصورة" مفهومًا معقدًا يتطلب، في المقام الأول، فهم كيفية تشكّلها وتطورها أثناء الرحلة السياحية. كما تتشكل هذه الصورة بتأثيرات ثقافية، ومن الضروري إدراك مدى الدور المحوري الذي تلعبه الصور النمطية والأحكام المسبقة في تشكيل التوقعات السياحية. وتلعب "صورة العلامة التجارية" دورًا جوهريًا في استراتيجيات الشركات والوجهات السياحية؛ وهي صورة تتطلب العمل والبناء، لا سيما بالاستناد إلى السمات الهوياتية. وتظل الصورة مفهومًا متعدد الأبعاد، إذ تشمل خصائص الوجهة ومفاهيم أكثر عمومية تستوجب القياس؛ وتتيح أساليب التحليل (الكمية والنوعية) تقييم هذه الصورة بكافة جوانبها المعقدة، كما تؤكد الباحثة الفرنسية المتخصصة في التدبير إيزابيل فروشو. إن تشكّل الصورة السياحية هو نتاج مزيج معقد للغاية؛ فالمنتجات السياحية والوجهات هي حصيلة عوامل متنوعة تشمل الجوانب المادية (المناخ، والخصائص الجغرافية، وغيرها)، والبنية التحتية السياحية (النقل، والإقامة، والمطاعم)، والعوامل التاريخية والثقافية (التراث، والتاريخ، والثقافة المحلية، وغيرها). كما تؤثر استراتيجيات التواصل التي تتبعها شركات تنظيم الرحلات والوجهات السياحية في تشكيل هذه الصورة. وأخيرًا، فإن المستهلك، بحكم خصائصه الاجتماعية والاقتصادية ودوافعه الشخصية، يكوّن لنفسه تصورًا خاصًا وفريدًا عن هذه الصورة.
(3)
ترتبط السياحة بكل ذلك وأكثر. فهي أيضًا ترتبط بمعنى ما بالموت. تعود فكرة السياحة والموت/ الزمن/ الذكرى/ الذاكرة إلى عالم الاجتماع واللغوي والإثنولوجي الفرنسي المتخصص في مجال السياحة، جان ديدييه إيربان، المولود في 1 أغسطس/ آب 1951. وكل تلك الأفكار الطريفة والعميقة تعود أصالتها له. فمن هو هذا الإثنولوجي المتفرد؟
درس الفلسفة في البداية، ومن خلال نظرية المعرفة (الإبستمولوجيا) وفلسفة اللغة، انتقلتُ من الفلسفة إلى علم اللغة (اللسانيات)، عاقدًا العزم تمامًا على تكريس نفسه لهذا التخصص الأخير.
وعندما بدأ ما كان يُعرف آنذاك DEA (دبلوم الدراسات المعمقة). في عامي 1976 و1977، أراد مواصلة بحثٍ كان قد بدأه خلال مرحلة الماجستير في اللسانيات، مُركِّزًا على النحو (التركيب) في النقوش الجنائزية واللغة الجنائزية من منظور سيميولوجي، ولكن هذه المرة بالاعتماد على مدونة نصية موسعة تشمل مقابر في جميع أنحاء أوروبا. ومع ذلك، ورغم أن دراسة اللغة المكتوبة كانت مقبولة حتى مستوى الماجستير في ذلك الوقت، إلا أنها لم تكن خيارًا متاحًا على الإطلاق بدءًا من مرحلة الـ DEA فصاعدًا. ففي تلك الأيام، حين كانت "المركزية الصوتية" (phonocentrism) هي السائدة والمسيطرة، كان علم اللغة "الحقيقي" يُعرَّف حصرًا من خلال الكلمة المنطوقة، لا الكتابة. وعلاوة على ذلك، فإن رغبة ج. د. إيربان في دراسة الروابط بين النص والصورة في اللغة الجنائزية كانت تعني الخروج عن حدود اللسانيات "التقليدية". وفي نهاية المطاف، أنجز أطروحته للدكتوراة في الأنثروبولوجيا، إذ كان ذلك التخصص أكثر انفتاحًا على دراسة الكتابة وأشكال التواصل غير اللغوية الأخرى التي تشكّل التفاعل الاجتماعي والثقافي. ومع ذلك، لم يتخلَّ قط عن هذه المقاربات المتنوعة؛ ولعل هذا ما يفسر الغموض الذي أحاط بموقعه العلمي، حسب ما قاله في أحد حواراته، وهو ما انعكس في التصنيفات التي أطلقتها وسائل الإعلام عليه؛ إذ وصفته لفترة طويلة بأنه "عالم اجتماع". لكنه في الواقع لم يكن يومًا عالم اجتماع، حسب اعترافه دومًا. كان أنثروبولوجيًا، نعم؛ وإثنولوجيًا، نعم؛ أما عالم اجتماع، فلا. بل كان يفضل أن يُدعى سيميولوجيًا. ففي الجوهر، كان موقفه متأثرًا بشدة بفكر عالم اللغة السويسري فرديناند دي سوسير (Saussure)؛ فبالنسبة له، كل شيء هو لغة. لقد تبني ج. د. إيربان تمامًا وجهة نظر بنفينست (Benveniste) القائلة بأن اللسانيات ليست سوى شكل واحد من أشكال السيميولوجيا إلى جانب أشكال أخرى. وكان ذلك دائمًا هو منطلقه المعرفي (الإبستمولوجي). ظلّ يتصور الأنثروبولوجيا بالمعنى الذي قصده دي سوسير في كتابه "دروس في الألسنية العامة"، فهي علم نفس العقليات الجماعية. بالنسبة له، الأنثروبولوجيا هي دراسة "الذات" (أو الفاعل الإنساني). إنها حقًا إعادة الإنسان إلى مركز الدراسة، قبل النظر في الظاهرة نفسها. وفي الأخير، كان هذا الباحث الفريد يصف نفسه بأنه لغويٌّ متخفٍ، فرضت عليه الظروف ذلك إلى حد ما.
استفاد ج. د. إيربان من مفهوم "مخطط ديمومة الشيء"، و"المستَمَد من نظرية المعرفة التكوينية (الإبستمولوجيا التكوينية) لدى جان بياجيه، ليصبح الغيابُ نمطًا من أنماط الحضور، وذلك بفضل الطابع الإجرائي، أو الفعّال للأثر". ثم أتت، بعد ذلك، مسألة "الحركية"؛ "إذ قد يُقال إن الحركية ليست السمة المميزة للمقابر، ومع ذلك، فهي موجودة فيها بالفعل".
ولتعميق البحث في أفكاره عن الجنائزي/ الموت، يقول إنه اكتشف الأهمية الخاصة التي تحظى بها العلامات ضمن "ثقافة الأثر"؛ فهي تتيح التعبير عن الحضور في غياب المُشار إليه. وفي سنة 1978 ألّف كتابه الأول عن المقابر، وهي فترة كانت فيها ممارسة حرق الجثث لا تزال في بداياتها في بلد مثل فرنسا. يرى ج. د. إيربان أن الرماد يمثل صورة مصغرة للمتوفى، ولكنه يمثل أيضًا إمكانية حركته؛ فمع حرق الجثث، بدأ الموتى يتحركون بالمعنى الحرفي للكلمة، ودخلوا حيز أماكن لم يكن في وسعهم الوصول إليها من قبل. ومنذ ذلك الحين بدأ يتحدث عما أسماه "سياحة الرماد". وهو بذلك يستعمل مصطلح "سياحة" بمعناه الأكثر حرفية: أي فكرة التنقل، أو الدوران. فمن الناحية الاشتقاقية، تنبع كلمة "سياحة" (tourisme) من كلمة "tour" (جولة أو دورة)، أي من مفهوم المسار الدائري؛ ولطالما أثارت هذه السمة الدائرية اهتمامه العميق.
أما الشكل الثاني للحركية في المقابر، فيقول موضحًا فكرته: "فهو شكل متخيَّل: إنه التباين بين الرحلة وفعل الاستقرار. ثمة "برنامجان سرديان رئيسيان"، إذا استخدمنا مصطلحات غريماس، بتعبير آخر، يشكّلان بنية المخيلة الجماعية المحيطة بالموت. فهنالك الموتى الذين يستقرون في أماكنهم: أولئك الذين "يرقدون هنا في مثواهم الأخير". وهنالك أيضًا أولئك الذين يسافرون: "لقد رحل"، "لقد غادر"، "استُدعي إلى جوار ربه"، وما إلى ذلك. وهكذا، تُولِّد هذه السيناريوهات النموذجية طريقتين ممكنتين لتنظيم العالم غير المرئي: فمن ناحية، هنالك السفر، ومن ناحية أخرى، نمط الحياة المستقر (الثابت). وقد لفت هذا انتباهي لأنه يسلط الضوء على نوعين رئيسيين من الحركية: حركية تنتهي بالتوقف، أي حركية تقترن بالاستقرار، وحركية تستمر وتتواصل، وهي حركية تقترن بالتنقل والدوران".
(4)
يؤكد جان ديدييه إيربان على ظهور سياحة وطنية تتجه نحو مواقع المجازر، وقد شكلت هذه السياحة نشاطًا تجاريًا مربحًا. فعلى سبيل المثال، أصبحت مدينة نانسي (Nancy) الفرنسية وجهة بارزة في هذا السياق؛ لأنها كانت تقع عند خط التماس الفاصل بين نانسي وميتز (Metz) التي كانت تقع ضمن المنطقة المحتلة، وكانت سابقًا أرضًا فرنسية؛ لذا كان الناس يقصدون نانسي كما يقصدون تخوم إمبراطورية بُترت أوصالها. وقد صدر للباحث كتاب يتناول الملصقات؛ وهو كتاب يضم، من بين أمور أخرى، ملصقات صُممت للترويج لسياحة الحرب وزيارة ساحات المعارك. يقول في هذا السياق: "الواقع أن السياحة غالبًا ما ترتبط بالموت؛ إذ تتحول من سياحة قائمة على الذكرى (ذات طابع وطني) في مواقع معينة، إلى سياحة "ذاكرة" (ذات طابع تاريخي) في مواقع أخرى، كزيارة أضرحة الملوك، أو أطلال الحضارات القديمة، أو البائدة".
تنطوي "سياحة الموت" على علاقة محددة للغاية بالزمن؛ فهي شكل من أشكال السياحة التي تركز على الماضي، لكنها تعمل ضمن أطر عاطفية، وتحديدًا تلك المرتبطة بالحداد، مما يميزها عن "سياحة الذاكرة". إنها نمط انتقائي من السياحة يسلط الضوء على جانب معين من حقبة ولت، سواء كان ثقافيًا، أو تراثيًا، على النقيض من سياحة الذاكرة التي تقترب كثيرًا من السياحة التاريخية (ج. د. إيربان). وعن الهدف يقول إن السياحة التاريخية تهدف إلى عرض آثار الماضي بشموليتها؛ وهنا يميزها عن أشكال أخرى من السياحة "الموجهة نحو الماضي"، مثل السياحة التذكارية. التي تتسم بطابع انحيازي، إذ تتمحور حول ذكرى محددة، أو منعزلة، أو حتى مُسيَّسة ترتبط بقضية مشتركة. كما يمكن أن تتخذ السياحة القائمة على الاستذكار شكل رحلات عائلية، مثل زيارة مسقط الرأس، أو منزل الطفولة، أو مسكن الأجداد، أو مكان عمل العائلة. وتمثل هذه الرحلات العائلية (أو تلك القائمة على الصداقة) شكلًا فرديًا وشخصيًا للغاية من السياحة، يختلف عن السياحة التذكارية التي تتعامل أيضًا مع الاستذكار ولكن بشكل جماعي. وإلى جانب السياحة التذكارية (أو سياحة الاستذكار الانتقائي) وسياحة الذاكرة التاريخية (أو الشاملة)، يضيف الباحث "أود أيضًا تسليط الضوء على (السياحة الإصلاحية)، ولا سيما في صورة السياحة الإنسانية. ينطوي هذا النوع على علاقة بالماضي، سواء كان استعماريًا أو مرتبطًا بزمن الحرب، أو الجانب الاقتصادي، تدفع نحو سفر يتسم بالإيثار والسعي للإصلاح والمسؤولية، سواء كانت النتائج إيجابية، أو سلبية (كما يحدث عندما يتحول العمل الإنساني إلى سوق تجارية فعلية)".


تحميل المقال التالي...