يُمكننا أن نرى سيولة العالم كما يسمّيها زيغموند باومان من خلال سلسلة من السيرورات. منها ما يتعلّق بالظواهر (الدولة والاجتماع) ومنها ما يتعلّق بالمعاني (الحريّات). سأحاول في هذه المقاربة أن أتتبع خطى السيولة في ظاهرة الدولة ليس كمصوّر فوتوغرافيّ وإنّما كصاحب وجهة نظر تقول بضرورة تعديل مفهومنا للاجتماع من خلال الدولة. يبدو لي أنها لم تعد قادرة على حفظ الاجتماع و"معناه" كما صيغ في إطار الدولة الحديثة التي قامت إمّا على حقّ الجماعة القومية في دولتها المستقلّة السياديّة أو حقّ سكان الدولة وجماعاتها في مواردها التي فوق الأرض وتحتها.
لقد كان عدد الدول الأعضاء في عصبة الأمم قبل عام 1945 نحو 99 دولة. وقبل أن يمرّ قرن من الزمان وصل عدد الدول حتى كتابة هذه السطور إلى الضعف، حوالي 204 دولة! بمعنى أن الدول لا تزال تنشأ وتقوم وترتسم حدودها وتُسمّى وتُضاف أسماؤها إلى السجلّ. ومع هذا علينا أن نتوقّف عند ملابسات قيام الدول من حقبة إلى أخرى. فقد قامت في ظروف مختلفة من حقبة لحقبة. وهو اختلاف إنما يترجم السيولة كما ذكرناها آنفًا ويجعلها مرئيّة.
لقد أتت الـ99 دولة حتى عام 1945 كمحصّلة تفكك إمبراطوريات وتمكّن شعوب من نيل استقلالها. سيرورة عمّت القارّات كافّة. كان هذا استمرارًا لنشوء الدولة القوميّة بصيغتها الأوروبيّة في أواسط القرن السابع عشر (صُلح وِسْتفاليا الأوّل في عام 1648، هو البداية وفق حساب المؤرّخين). كان ذلك من خلال انشطار كيانات سياسيّة أو انفصال أقاليم. أمّا الموجة الثانية فكانت محصّلة التحرّر من نير الاستعمار لا سيّما في أفريقيا وآسيا. مستعمرات لدول محوريّة استقلّت بعد نضالات وحروب تحرّر وملايين من الضحايا. في الموجة الثالثة جاءت الزيادة في عدد الدول كمحصّلة انهيار الإمبراطوريّة السوفييتيّة وتفكّكها وصولًا إلى تفكّك دول المنظومة ذاتها كيوغسلافيا. أما في الحقبة الراهنة، فإن الدول تختفي أو تنشأ بقوّة الصراع المفتوح على الموارد وخطوط التوريد ومنافذ البحار وفي إطار تموضع القوى المتنفّذة من جديد كجيوش ومصالح. أمّا السِمة البارزة لهذه الحقبة فهي التشظّي وانبثاق دول عن دول أخرى. صحيح أن لهذا التشظّي تربة خصبة في تركيبة دولة ما أو بلاد لجهة تعدد الجماعات الإثنية أو كون الحدود إرثًا استعماريًّا أو غير ذلك. مع هذا فإن التفكيك الحاصل بقوة دفع خارجيّة كأن تلجأ دولة متنفّذة إلى احتلال جزء من دولة أخرى وإقامة كيان جديد فيها أو كأن تساعد دولة خارجية جماعة إثنية في الانشقاق عن الدولة.
أذكر في هذا السياق مؤتمرًا بادرت إليه في كلّية القانون في جامعة حيفا تحت سؤال: لماذا لم يتدخّل العالم في سوريّة تحت البند السابع لدستور مجلس الأمن؟ وقد سألني أحد الطلبة عن رأيي في إمكانية تقسيم سوريّة فأجبته على الفور أن سورية قد تقسّمت على الأرض وأن خريطة سورية التي نعرفها هي مجرّد خدعة بصريّة. يومها كان الأميركيون ومعهم بعض جيوش الغرب في الرقّة (أعتقد أنهم لا يزالون هناك) وكانت إسرائيل في الجنوب الشرقي وكانت روسيا وإيران في الساحل ودمشق وكانت تركيا في شريط طويل في الشمال. خمسة احتلالات تقسّم سوريّة أو مواردها ضمن كيانات وجيوب أنهت عهد الدولة السوريّة كما عرفناها. واليوم إذ أنظر إلى السودان أو إثيوبيا أو ليبيا أو العراق أو اليمن أو الكونغو أو النيجر أو الصومال وشبه جزيرة القرم (كان في أفريقيا قبل مئة عام 1926 ثلاث دول فقط هي مصر وليبيريا وإثيوبيا، أمّا بقية القارة فكانت مُستعمرات أوروبيّة). هناك موجة تشظّيات حاصلة في بلاد كانت دولًا منذ تحررها من نير الاستعمار على الأقلّ.
يترافق التشظّي الحالي مع حصول رخاوة في مفهوم الدولة خاصة التي تنشأ من جرّاء التفكيك المتعمّد بفعل قوى خارجيّة. رخاوة، أمكننا معها أن نقول إن الدول هبطت في مكانتها إلى "كيانات" تتسم بالهشاشة أو بفقدان المعنى ـ إذا صحّ التعبير. فدولة "أرض الصومال" مثلًا التي أقيمت على القرن الأفريقي بقوة دول أخرى كإسرائيل ودولة الإمارات مثلًا لغرض السيطرة على خاصرة البحر الأحمر، لا تحمل أيًّا من سمات الدولة القُطريّة سوى أنها كيان عسكريّ ـ حامية بالمفهوم الأقدم قليلًا. كذلك "الكيان" الذي تسعى الإمارات أن تُقيمه في جنوب اليمن يُشرف على باب المندب.
باعتقادنا أن الظاهرتيْن ستستمرّان بالتدحرج أمام أعيننا ولو لأن الصراع الكونيّ المفتوح حول الموارد وسلاسل التوريد سيستمرّ ردحًا آخر من الزمن وسيكون أطرافه معنيين بتفكيك دول وإنشاء كيانات بديلة مكانها، تيسّر لها التحكّم بالموارد أو بالممرّات البحريّة أو بنقاط استراتيجيّة. وسيكون من تبعات ذلك أن يستمرّ الانحسار في معنى الدولة القُطرية الحديثة لجهة تآكل سياداتها وسيطرتها على تخومها. وهو ما سيُغذّي نزعات انفصاليّة قائمة ونزاعات ضمن حدودها أو على حدودها. وهو ما يجعلنا نوجّه أنظارنا إلى بقاع تبدو مستقرّة مثل الجزر البريطانيّة (إسكتلندا وأيرلندا) وإسبانيا (الباسك وكاتالونيا) وإلى الولايات المتّحدة ذاتها حيث النظام الفيدرالي يشهد وهنًا لصالح الولايات الأقوى. ومقابل نزعة التفكك هذه، ستقوى نزعة مضادة قوامها تشديد بعض الدول القادرة على وحدتها ووحدة أراضيها وقمع كلّ نأمة انفصال أو موالاة دول أو جهات خارجيّة.
أرجّح أن يكون الإقليم العربي بمشرقه ومغربه مسرحًا لهذه الظواهر لا سيّما التفكيك أو الإضعاف أو تعزيز الوحدة وتأكيد السيادة. ومهما تكن الظاهرة الأبرز، سيكون علينا أن نُدرك انتهاء عصر الدولة كما عهدناها على الأرض وفي نظريات علم السياسة والاجتماع. يبدو مثلًا أن نقطة الذروة المتمثّلة في "دولة الرفاه" و"الحياة الطيبة" من ورائنا وكذلك دولة سلطة القانون والمؤسّسات والحقوق والحريّات، فهي كلّها معانٍ تتحوّل وليس في الاتجاه المأمول. لقد استطاعت العولمة بوصفها جملة من سيرورات التفكيك أن تجعل من خرائط الدول مجرّد خدعة بصريّة وخطوط هذه الخرائط صورة من الماضي. واليوم الذي تُرسم فيه حدود جديدة للكيانات والدول ليس بعيدًا، خاصة إن الاجتماع المعولَم يفضّل كيانات رخوة على دول صلبة.
(الأول من أيلول/سبتمبر 2026)


تحميل المقال التالي...