}

"الغرفة" بأول أعدادها.. السريالية مستمرة لتحرير الغيوم

ضفة ثالثة ـ خاص 19 يناير 2020
هنا/الآن "الغرفة" بأول أعدادها.. السريالية مستمرة لتحرير الغيوم
"تمويل مجلات السريالية يعتمد على السرياليين أنفسهم"
يحتفي سرياليون من أكثر من 30 بلدا حول العالم، هذه الأيام، بصدور العدد الأول (يناير/كانون الثاني 2020) من مجلة "الغرفة" التي تعنى بالفن السريالي.
قرابة خمسمئة عمل فني وتشكيلي ما بين لوحات وكولاجات وصور فوتوغرافية تحتفي بها المجلة على امتداد سبعمئة صفحة مؤثثة بمشاركات أكثر من ستين فنانا وشاعرا وباحثا ومترجما يمثلون أنفسهم كسرياليين مستقلين أو ممثلين عن مجموعات سريالية أدبية وفنية نشطة في عدة عواصم ومدن عالمية.
عبر منصة (ري بلاتفورم) الثقافية، الناشر الرئيس للمجلة، سيتوفر العدد الأول مجانا بصيغة إلكترونية (PDF)، ونظراً لضخامته لن يكون ورقياً، وفقا للشاعر والفنان التشكيلي المصري محسن البلاسي، رئيس تحرير المجلة، التي تضم هيئتها التحريرية كلا من التشكيلي المصري ياسر عبد القوي، والشاعر والباحث اليوناني توماس دي تيبالدوس (عضو مجموعة أثينا السريالية)، والكاتب والموسيقي الأميركي كريج. س. ويلسون، والكاتبة المصرية غادة كمال.
غلاف العدد الأول من تصميم الفنان الأميركي أدوين كوديل، بينما صمم الفنان الأميركي ريتشارد ميسيانو جوفينيز الغلاف الأخير. ويساهم في ترجمة مواد المجلة فريق من المترجمين العرب بينهم عنفوان فؤاد (الجزائر)، وهدى حسين (مصر)، والفلسطيني فخري رطروط (نيكاراغوا). كما تعتمد المجلة على الجهد المادي والكتابي الطوعي والتعاوني لأعضاء هيئة التحرير. ولهذا تصدر إلكترونيا.
ومعروف عن المجلات السريالية على طول تاريخها (المجلات المعاصرة تحديدا) أنها على مستوى العمل لا تمول من جهة داعمة. وهذا ما أوضحه رئيس تحرير "الغرفة" محسن البلاسي لـ"ضفة ثالثة" بقوله: "تمويل مجلات السريالية يعتمد على السرياليين أنفسهم.. إن هذا قانون أزلي لدى السرياليين لأنهم ضد التسليع.. يقيمون آلية تعاونية للإنتاج الفني والأدبي بجهد طوعي تعاوني فيما بينهم".

من جهته، قال الكاتب والفنان السريالي الأميركي كريج ويلسون (عضو هيئة التحرير) إن صدور العدد الأول من مجلة "الغرفة" مفاده أن السريالية مستمرة في الشرق الأوسط وفي جميع أنحاء العالم. وأوضح "ويلسون" لـ"ضفة ثالثة" أن السريالية لا تعيش كحركة فنية بل كتيار يوجهنا نحو حضارة غير قمعية، فهي طريقة حياة تعتمد على الإبداع الجماعي والألعاب وتوفر طريقاً نادراً بعيداً عن المكان الذي نجد فيه أنفسنا، محاصرين في الوقت الحاضر.

 

من أجل تحرير الغيوم!
لماذا تم إطلاق "الغرفة" اسما لمجلة سريالية؟. يجيب رئيس التحرير محسن البلاسي عن هذا السؤال: "لأن السريالية هي المساحة الأزلية المخبأة داخل رأس الإنسان فقط تنتظر من يفتح لها الباب. السريالية هي الغرفة الأزلية، طالما خيال الإنسان أزلي وطالما هناك مساحة بيولوجية تسمى اللاوعي، وتطورها المستمر هو حقيقة علمية، طالما واقع الإنسان يتغير فيتغير خياله وتتغير المساحات داخل وعيه ولا وعيه. الكل يرى أحلامه، الكل يمتلك لغة تلقائية كالبركان الخامد داخل بواطن نفسه. الكل لديه هذيانات باطنية يخاف من إظهارها لأسواط الخارج الاجتماعي؛ الغرفة تهتم بكل هذا وترعاه".
ووفقا للبلاسي: "على المستوى العربي الاهتمام بالسريالية كان قشريا وسطحيا يتناول التاريخ القديم للحركة السريالية ويتجاهل النشاط المعاصر السريالية. نحن هنا لنغير كل هذا ونأتي بالسريالية الحية إلى أرض الشرق الأوسط من جديد". ويؤكد أن "السريالية تجمع ما بين العقل الواعي والغرائز الحسية الحرة والحدس الدلالي، لذلك هي رغبة واقعية حرة ترفع راية الخيال عاليا وتعيد لتلك الراية الأزلية سلطتها المفقودة في مجتمعات الخيال فيها منهوب ومتشيئ ومستعبد ومباع لصالح منطق وقوانين السوق ومخدراته التجميلية، فلا يمكن أن تكون انسحابا للداخل. السرياليون موجودون أمس واليوم وغدا من أجل تحرير الغيوم، كل الغيوم، ولم ينقطعوا أبدا عن كونهم واقعيين، ولم يتوقفوا عن الوجود في البرهان على القوة القاهرة للخيال من أجل الاحتفاظ بشكل دائم التجدد بجهة أخرى من جهات الواقع".
ويستطرد البلاسي مشيرا إلى ما يقول عنه إنه عدة عوامل تفسر عودة ظهور السريالية عالميا بشكل نشط في الآونة الأخيرة واحتلالها مكانة واضحة في الفن المعاصر، سواء على المستوى الأدبي أو على مستوى الفن البصري بكل أشكاله وأنماطه ووسائطه والذي يتمتع بنهضة غير مسبوقة في ظل التقدم التكنولوجي في آخر عشرين سنة، وفي مقابل ذلك  ينهض الرعب والاغتراب الاجتماعي  وتنمو العنصرية وكراهية الآخر والقمع  الجنسي وجنون الشوفينيات القومية والإرهاب المتفشي الذي يتخذ أقنعة دينية بالإضافة لأقنعة اقتصادية  متعددة، كل هذا يستدعى السريالية لتنهض بجسدها الجديد مرة أخرى، فإذا لم يكن الخيال الحر أداة للنجاة من كل هذا الجحيم فما الذي سيكون؟.

 

مواجهة نفسية مع جحيم العالم
يتابع البلاسي: في ظل هذه الظروف الفن السريالي هو ملاذ مرحب به من الواقع الوحشي. السريالية وابل لا ينتهي من صخب المخيلات الجامح الذي لا يأبه لسلعية سائدة أو أوامر بابوية فيما يخص الأدب والفن. الحركة السريالية لم تتوقف لحظة عن النشاط والتطور. لم تتوقف أبدا عن الإنتاج، وسنويا تعقد العشرات من الفعاليات والمؤتمرات والندوات والمعارض السريالية، وآخر هذه الفعاليات السريالية العالمية كان منذ شهرين تقريبا حيث أقيم المؤتمر الثاني للجمعية الدولية لدراسة السريالية المعاصرة ومكانتها وعلاقاتها بالظروف التاريخية. هذا المؤتمر استضافته كلية العلوم الإنسانية في جامعة إكستر بالمملكة المتحدة بمشاركة جامعة ولاية بنسلفانيا، وبالتعاون مع جامعتيّ برينستون وويلاميت، وبدأت فعالياته في نهاية شهر أغسطس/آب المنصرم، وناقش التأثير الثقافي والفكري الواسع للسريالية المعاصرة. أما نحن هنا في الأوساط الأدبية والثقافية في الشرق الأوسط فلا نهتم بمثل هذه الفعاليات والأنشطة الأدبية والفنية والبحثية، ونكتفي بالقول إن السريالية حركة فنية من الماضي. هذه العزلة أمر محزن، وهناك الكثير من المراكز الثقافية والفنية والبحثية السريالية وهناك مجموعات أدبية وفنية سريالية منتشرة بكثافة حول العالم. السريالية نشطة الآن وطليعية في الحياة الثقافية والأدبية والفنية في فرنسا وإنكلترا وهولندا وألمانيا وبلجيكا وغيرها من البقاع الأوروبية بالإضافة لازدهار الحركة السريالية الناصع في أميركا الشمالية كالمكسيك وتشيلي وبيرو وأماكن عدة في أميركا اللاتينية.

ويختم رئيس تحرير "الغرفة" السريالية بقوله: "نحن لا ننبش في جثث وقبور تنتمي إلى الماضي.. نحن نسعى لتعرية العطب الذي يكمن في عدم تواصل الحركة النقدية العربية المعاصرة مع الحركات الطليعية الفنية والأدبية حول العالم وانعزال الحركة النقدية العربية وتقوقعها داخل نفسها وداخل ماضيها. للأسف النقد الأدبي والفني العربي ما زال أسيرا لهزائمه التاريخية. هناك طفرة سريالية تحدث أيضا في مجال التشكيل وفنون الكولاج والفوتوغرافية السريالية المعاصرة والسينما السريالية، أما الحركات الفنية والأدبية العربية فتكاد تكون معزولة عنها تماما إلا القليل".
الكاتب والشاعر السريالي اليوناني عضو هيئة تحرير مجلة الغرفة توماس دي تيبالدوس يقول لـ"ضفة ثالثة" بمناسبة صدور العدد الأول من "الغرفة" إن جاستون باشلار أخبرنا عن شاعرية الفضاء والمكان وكان أيضاً متأثرا بفرديناند شيفال وبنائه لقصره المسمى بالقصر المثالي، وكان ابتكار شيفال الرائع ملهما للسرياليين مثل أندريه بريتون وماكس أرنست ومصدرا لحماسهم تجاه شاعرية المكان والفضاء قبل تحمس باشلار له بسنوات. بخلاف ذلك كانت لمارسيل دوشامب تجربة بخصوص شاعرية المكان في معرض (ميل من الأوتار) في أول عرض للسرياليين المنفيين في نيويورك (ريد مانشن، 451 ماديسون أفينيو، من 14 أكتوبر إلى 7 نوفمبر 1942) وتمكن من خلال تلك التقنية من إنشاء فخ بصري للعيون، والجسم، والعقل. استخدم العديد من الحبال، وربطها من السقف إلى الأرض، وخلق الوهم المثالي لشبكة العنكبوت العملاقة. كان المتلقي بسهولة محاصراً في عش العنكبوت هذا مع روحه وجوهره. وكان التناغم البصري المخيف الذي أسسه بين الشبكة (المعرض) والغرفة (الفضاء)، قد وُلد من أجل كابوس حي والذي كان في الوقت نفسه حلماً داخل حلم، (الحلم الحي: مليء بالألم ولكن مليء بالسرور أيضا). العلاقة بين الفضاء والشعر هي واحدة من أكثر المواضيع المفضلة للسريالية الآن، في الوقت الحاضر.

ومتحدثا عن ظهور مجلة بعنوان "الغرفة" في الشرق الأوسط، يقول تيبالدوس: "بالنسبة لـ (غرفتنا)، فإن الفضاء والشعر هما شيء واحد. في (الغرفة)، الحلم والواقع هما نفس الشيء. هنا في الغرفة يمكنك سماع الألوان ويمكنك رؤية الأصداء. تعود السريالية إلى الشرق الأوسط من خلال هذه الغرفة التي تؤمن كما يفعل السرياليون الحقيقيون بالمعنى المدهش. كل شيء لديه لمسة مدهشة والقدرة على خلق واقع داخل الواقع، كل شيء واحد".
ويعتبر الشاعر اليوناني السريالية قوة مدفونة في النفس البشرية لا بد من اكتشافها: "اكتشِف جوهر اللاوعي، واكتشف قوتك المدفونة واحصل على الأسطورة الجديدة. السريالية على قيد الحياة دائماً وهذا ما تريد (الغرفة) قوله في الشرق الأوسط وليس فقط في الشرق الأوسط. لا نحتاج إلى حدود. وتوقفنا القادم هو اللانهاية!".
من ناحيته، يشير ياسر عبد القوي  (فنان وشاعر سريالي مصري، وهو مصمم المجلة وعضو هيئة تحريرها) إلى أن آخر المطبوعات السريالية العربية بالشرق الأوسط صدرت في الخمسينيات، وآخرها عالميا صدرت في أوائل السبعينيات، من حيث تقنيات الطباعة والإخراج الصحافي، وللوهلة الأولى تلك مطبوعات فقيرة بصرية لحد مؤلم، لكن النظرة المتفحصة تظهر العكس، فقد كانت تلك المطبوعات القديمة ثرية بصريا لأقصى حد، بمعايير عصرها، عصر الجمع اليدوي للحروف المسبوكة من الرصاص، وطباعة الزنكوغراف، كان الأمر يدويا جدا، ومحدودا لأقصى درجة، ولا أعتقد أن التقنيات الأحدث لو توفرت في مصر كانت متاحة خارج المؤسسات الصحافية الكبرى، لكنهم بأدواتهم البسيطة طمحوا لإخراج فني مبدع، كانوا تشكيليين في أغلبهم، وكان يجب أن تكون المطبوعات ثرية كاللوحات، وكانوا يرسلون رسالة بصرية عبر العقود الطويلة: هكذا يجب أن تُصمم مطبوعة سريالية، تُصمم كعمل سريالي، بكل معايير العمل السريالي، التدفق الفكري والشعوري الحر، الجرأة، الصدمة، الانعتاق من عبودية المنطق الشائع، لا يمكنك أن تأسر السريالية في قفص، لا يجب أن تكون مطبوعة سريالية قفصا، بل سلة منطاد تحملها لأجواء الفضاء التي تصبو إليها.
وعن مغامرة تصميمه للعدد الأول من "الغرفة" قال عبد القوي لـ"ضفة ثالثة": "هذا عام 2020، أنا أقدم مجلة لقارئ مشبع بصريا طوال الوقت، معتاد على المآدب البصرية الباذخة - ربما ليس القارئ الذي تعرف على الإنترنت عبر مواقع السوشيال ميديا البائسة والفقيرة في تصميمها لدرجة إجرامية- لكن على الأقل لجيلي أنا، الذين عرفوا الإنترنت في التسعينيات حين كانت تتفجر بالألوان والتصميمات والبهجة البصرية، هكذا يجب أن يكون تصميم المجلة، مأدبة بصرية لأعين شرهة ومفترسة".
ويستطرد قائلا: "كان عليّ أن أتجاوز ترددي وتحفظي الأول الناتج عن سنوات طويلة من العمل بتصميم مطبوعات تقليدية الطابع كان علي فيها دائما أن أكبح جماح ذئبي الإبداعي، هذه المرة كنت أخوض أرضا جديدة وأطلقت العنان لذئبي ليرتع في هذه الأرض الجديدة. انتهى عصر المطبوعات الثقافية الفقيرة بصريا، هذه ليست التسعينيات، الأمر أصبح مبتذلا فعليا وشديد الادعاء، أنا طمحت لبناء قصر للسريالية، عالم سحري يليق بها، أنا لست مصمم مطبوعات في الحقيقة، أنا فنان تشكيلي أصمم مطبوعة سريالية، وعليه أعتقد أنني اكتشفت قارة جديدة: التصميم السريالي للمطبوعات، وعليّ أن أستكشفها فيما سيلي من أعداد".

عبر منصة (ري بلاتفورم) الثقافية، الناشر الرئيس للمجلة، سيتوفر العدد الأول مجانا بصيغة إلكترونية (PDF)، ونظراً لضخامته لن يكون ورقياً


















سقوط وجودي
تذهب المترجمة والشاعرة الجزائرية عنفوان فؤاد، في سياق حديثها عن انطلاقة العدد الأول، إلى القول إن "كل شيء آيل إلى سقوط وجودي". وبلغة سريالية تساءلت عنفوان: "لم الغرفة تحديداً الآن؟". وتستطرد: "ما يحدث داخل هذه البرتقالة الزرقاء أكبر دليل على أن ثمة عفناً في سيستام الدول، يود تفسير نفسه بنفسه عن طريق انفجار وشيك. الانفجار لا بد أن يكون فكريا قبل أي شيء. وسط العبث الحائز على انتباه الموت، جاء قرار إنشاء الغرفة، التي ستضيق على البعض لتتسع بالبعض الآخر".
عن مهام الترجمة لمواد ونصوص "الغرفة" في عددها الأول، أوضحت فؤاد أنه تم توزيع المهام فيما بين الفريق كل حسب وقته وحماسته وكذا اللغة التي يتحكم بأدواتها، منوهةً أن الترجمة جسر يصل بين عالمين و"لهذا شيدنا العديد من الجسور المعلقة والتي ينطلق جميعها من الغرفة لينتهي بالغرفة".
وتضيف عنفوان: العدد الأول يحتوي على ما يقارب 700 صفحة والمشاركون من 34 دولة ولك أن تتخيل كم جناح خيال رفرف لجمع ما تم جمعه، فالغرفة مشروع ماراثوني بامتياز والمسافة التي قطعها جوية، وبرية، وبحرية، والأهم من كل هذا اختراق المجال التاريخي، والمركبة الوحيدة التي تمكنك بكل هذه التنقلات الزمنية والمكانية اسمها الترجمة.
وتتوقع عنفوان أن الألعاب السريالية التي احتواها العدد الأول من "الغرفة" ستغير من قناعات البعض، كما ستستفز القارئ العربي محدود الخيال مقولب الفكر وفقير اللغة، على حد قولها.
وبحسب فؤاد: "النصّ عبارة عن قنبلة موقوتة بما يحمله من أفكار، أيضاً هو فاتحة للتفكّر في أشياء تبدو لوهلَةٍ غير منطقيَّة".
وعن محتوى ومواضيع العدد الأول من "الغرفة السريالية" تقول عنفوان: "لا غرابة في ما قمنا به، خصوصاً أن المشاركات باللغة العربية لكن بكتابة غير عربية. نحفز خيال القارئ، هذا دورنا كما نحقن عضل الحقيقة برؤانا لا بما فرضه علينا المجتمع".
ختاما، تشير فؤاد إلى أن أهم شيء قامت به "الغرفة" هو التدوين الجماعي وتحويل الشعور إلى لغة. فالغرفة "مثل علبة مفرقعات تكفي شرارة مباشرة لتحريك الأصوات التي تصيب العابر والمقيم بها".
وللقارئ، وجهت عنفوان هذه الرسالة: "ادخل الغرفة، لكن أترك عقلك المبرمج عند العتبة".


أتمتة وتفسير أحلام
 
تعتبر الكتابة التلقائية السريالية بشكل جماعي تقنية أدبية جديدة كليا على المخيلة العربية وغير رائجة ولم تمارس بشكل واضح أو واسع في التاريخ الأدبي العربي إلا في تجارب معدودة وتعتمد هذه التقنية على أتمتة الشعر. وفي علم النفس، يشير مصطلح "الأتمتة" إلى الإجراءات والعمليات غير الطوعية التي لا تخضع لسيطرة العقل الواعي - على سبيل المثال، الحلم. وتلعب الأتمتة دوراً في تقنيات السرياليين، مثل الكتابة التلقائية أو الرسم التلقائي والموسيقى التلقائية كما تدخل في مكونات السينما السريالية؛ حيث ترتبط الصورة بالحرف بشكل حر وبشكل معبر عن ارتباطات اللاوعي وإيقاعاته. ومن الشائع عند السرياليين ممارسة هذه التقنية بشكل جماعي يضم شعراء وفنانين تشكيليين. كما كان السرياليون مهتمين أيضاً بتفسير الأحلام على أنها قنوات للمشاعر والرغبات غير المعلنة ومن نبعها يمارسون الكتابة والرسم والنحت والموسيقى.

الشاعرة المصرية رضا أحمد واحدة ممن شاركوا في كتابة قصيدة جماعية منشورة ضمن العدد الأول من مجلة "الغرفة". وتقول رضا لـ"ضفة ثالثة" عن هذه التجربة: "كانت مشاركتي في هذه التجربة السريالية تمثل ذلك الاستقلال الذي تبحث عنه دولة غاضبة في رأسي لتبدأ من جديد بشعب يتفهم خصوصية النور ويبادل الظلام المحبة التي يستحقها، لا يخاف منه. تجربة ما أردت أن تلعبه معي الحياة بعاطفة تمزج الطمأنينة والألم في أفكارها عني بدلا عن قيامي بتفسير يومي لحقي في التنفس كإنسان".
تفتتح المجلة بمقدمة جماعية كتبها ثمانية سرياليين. ثم تفتح بعد ذلك "باب الغرفة- وثائق"، وفيه كلمتان لعبد القادر الجنابي ولوران دوسيه، مدير بيت أندريه بريتون. وتنشر المجلة رسالة من سمير غريب يتبعها حوار مع مجموعة مدريد السريالية، وبيان تأسيسي لمجموعة تكساس السريالية، ورسالة مجموعة لندن السريالية، وجميعها كتبت خصيصا للمجلة.
كما تنشر المجلة "متاهة جماعية" هي عبارة عن نص سريالي جماعي كتبه في صيف 2019 كل من ريتشارد بورك؛ كريج ويلسون؛ رضا أحمد؛ محسن البلاسي؛ مهدي النفري؛ ديفيد نادو؛ غادة كمال؛ توماس دي تيبالدوس؛ تيم وايت؛ شيري منتصر؛ إدوين كوديل؛ ستايسي فينديش؛ نيك وينج؛ جان كارل بوجارت؛ كارل هويس؛ حامد محضاوي؛ مرام الجبلاوي؛ جوزيف يوسف؛ نادية محمد؛ ياسر عبد القوي، رفقة أعمال فنية لهدى لطفي؛ محسن البلاسي؛ إدموند سيمبسون؛ ستان ريد؛ أدوين كوديل.
ثمة باب آخر بعنوان "غرفة الحضارة السريالية"، يتضمن عدة مقالات. ومن بين عناوين أبواب المجلة الأخرى: غرف من مدن سريالية؛ الذاكرة السريالية- الأرشيف؛ ذئاب سريالية منفردة- قصائد ولوحات وكولاجات؛ ألعاب سريالية؛ وليمة الأعين المفترسة.



انطلاقة حركة السريالية عربياً
يعد عبد القادر الجنابي أبرز شاعر عربي في النصف الأخير من القرن العشرين مارس نشاطا سرياليا حقيقيا بشكل جماعي باللغة العربية عبر تأسيسه للمجموعة السريالية العربية في باريس في سبعينيات القرن الماضي، وما أصدرته من مجلات ومنشورات وكراريس باللغة العربية أبرزها "الرغبة الإباحية 1973" و"النقطة" في الثمانينيات.


في بداية السبعينيات وضع عبد القادر الجنابي انطلاقة حركة سريالية عربية جديدة من باريس تجاوب معها شعراء وفنانون عرب أصدروا في البداية مجلة "الرغبة الإباحية" على نفقتهم الخاصة باللغة العربية واستمرت ثورتهم السريالية العربية من باريس حتى أصدروا في بداية الثمانينيات مجلة "النقطة" باللغتين العربية والفرنسية.
وبالحديث عن منشورات الحركة السريالية العربية عبر تاريخها الممتد من ثلاثينيات القرن الماضي حتى الآن نعود إلى المقدمة الجماعية للغرفة حيث سنجد تأكيدا على أن الغرفة جاءت لاستكمال مسيرة مجلات ومنشورات سريالية عربية مثل: دون كيشوت 1939/ القاهرة؛ التطور 1940/ القاهرة (جماعة الفن والحرية)؛ العرض مستمر 1945/ القاهرة/ دار نشر ماس (جماعة الفن والحرية)؛ حصة الرمل 1947/ القاهرة/ دار نشر حصة الرمل (جماعة الفن والحرية)؛ الرغبة الإباحية باريس 1973/ باريس (مجموعة باريس السريالية العربية)؛ النقطة 1982/ باريس (مجموعة باريس السريالية العربية).
وفي زحمة مواد العدد التدشيني من مجلة "الغرفة"، تتداعى رسالة من الناقد والصحافي والباحث المعروف سمير غريب، صاحب المرجعين الشهيرين عن الحركة السريالية المصرية والعالمية (السريالية في مصر، وراية الخيال). وتصاحب الرسالة ترجمته لنص نادر من وثائق الحركة السريالية المصرية ينشر لأول مرة عبر المجلة، يحتوي على رؤية جورج حنين، السريالي المصري، في أندريه بريتون وفي ما قيل عنه من أنه كان يمارس الباباوية والسلطوية على المجموعة السريالية الأولى في باريس في عشرينيات القرن الماضي.

الدخول

أو

سجل عن طريق

أو

هل نسيت كلمة المرور؟

أدخل عنوان بريدك الإلكتروني المستخدم للتسجيل معنا و سنقوم بإرسال بريد إلكتروني يحتوي على رابط لإعادة ضبط كلمة المرور.

شكرا

الرجاء مراجعة بريدك الالكتروني. تمّ إرسال بريد إلكتروني يوضّح الخطوات اللّازمة لإنشاء كلمة المرور الجديدة.