}

نشرة "نيزك" الشعرية.. بالشعر يحيا الإنسان

دارين حوماني 16 فبراير 2020
هنا/الآن نشرة "نيزك" الشعرية.. بالشعر يحيا الإنسان
زنوبيا ظاهر ومحمود وهبة وباسل الأمين.. شعراء "نيزك"
"ما جدوى الشعر في زمن حقيقي كالموت والخراب"- تساؤل يطرحه معدّو نشرة "نيزك" الشعرية التي صدر العدد الأول منها في كانون الأول/ديسمبر الماضي من أحد مقاهي بيروت، وهم زنوبيا ظاهر، محمود وهبة، وباسل الأمين. هم "ثلة قلق"، كما يصفون أنفسهم، أرادوا من خلال هذه النشرة الشعرية إعلان حالة طوارئ على كمية القرف الموروث الذي لا يمكن عدّه في بلاد تتنفّس داخل مستنقعات موبوءة تتناسل عمراً خلف عمر حتى باتت شعوبها مجموعات من المتسولين أمام حقوقهم الطبيعية.

يكتب باسل الأمين "كل ما طلبناه أن يحبنا أحد/ كنا نحتاج عناقاً واحداً"، وتكتب زنوبيا ظاهر "وجه السجّان لم يفهم النكتة/ ضحك/ لكن مسخاً في جوفه انكمش". إنه التأثير الأول للثورة يدّقها في رؤوسنا معدّو "نيزك": "أحلامنا بسيطة أن نكسر إبريقاً من الفخار على رأس تافه/ مهمتنا الكبيرة أن نعوي في ليلكم مثل الذئاب". هم ثلة موجوعة في عالم فَقَد معانيه الجميلة فتراهم يبحثون عنها في الشعر. نشرة "نيزك"، التي تضمّنت أصواتاً من شباب لبنان منهم فيديل سبيتي، ربيع الأتات، محمد ناصر الدين ولولا رينولدز، أرادت أيضاً للشعراء المكرّسين أن يكون لهم مكان في الثورة فأمسكت بأيديهم وأدخلتهم هذا المكان الذي يحتاجهم بقدر ما تحتاجهم بلادهم فكتب فيها الروائيون حسن داوود وحازم صاغية وأحمد بيضون. أرادت "نيزك" أيضاً أن تكون عربية لأن أحلام شباب هذه البلدان أرضيّتها مشتركة وواحدة فكتب فيها شعراء من دول عربية منهم ماهر شرف الدين وقصي زهر الدين (سورية)، حامد سليمان (السعودية)، علي الذرب ومبين خشاني (العراق)، ويطمح معدّو "نيزك" لأن تصبح فعلاً منبراً لبنانياً عربياً قادراً على أن يعيد للشعر جدواه من جديد.
قليل من التساؤلات طرحناها على معدّي "نيزك" لنتعرّف على هذا العالم الذي ينبت بين مفاصل بيروت، ولربما يشير إلى أنها استعادت بعضاً من زمنها الجميل: 


 أرادت "نيزك" أن تكون عربية لأن أحلام شباب هذه البلدان أرضيّتها مشتركة وواحدة 

















(*) النيزك في تواريخ الشعوب القديمة كانت تُنسب له قوى خارقة، هل لرمزية النيزك علاقة باختياركم لعنوان النشرة؟

- منذ فترة غير قصيرة والناس تردّد على ألسنتها تلك الكلمة: نيزك! وأيضاً في انتظار النيزك!! متى سيأتي ومتى سيهبط؟ متى سينهي هذه المهزلة؟ حتى أن السبيل إلى الخلاص أضحى ذلك النيزك الذي سيقلب العالم رأساً على عقب. وجدنا نوعاً من الأسطورة والخلاص في هذه الفكرة التي بطبيعة الحال تشبهنا وتمثّلنا في جدّتها وسخريتها أيضاً. بكثير من اللامبالاة والعفوية ورعونة الشباب الحالم كانت الفكرة وكان الإسم.  

(*) تصدير النشرة يبدأ بـ"لا": "لا بد من إعلان حالة طوارئ، بلادنا تنتفض"، ويتبع ذلك ستة لاءات في ذيل الصفحة ولاءات أخرى بين النصوص الشعرية داخل النشرة، ماذا تمثّل هذه اللاءات، ما هي دلالاتها؟
- شعار "لا" هو للصديق الفنان فادي الشمعة الذي أحب أن تكون مساهمته في العدد الأول الثوري عبر هذا الشعار. ولم يكتفِ فقط بوضع الشعار في "نيزك" بل عمد مع فنانين آخرين على طباعته على ورق ولوحات ولصقها على جدران وساحات الثورة. ولعل فكرة الرفض والإنكار كلها تتجسد من خلال هذه اللاءات، الرفض الحتمي والقاطع لكل شيء ما عدا الثورة.

نحتاج لثورة على الشعر
(*) إعلانكم لحالة الطوارئ في تصدير النشرة هو انعكاس مباشر "للاستنفار ضد القرف"، هل يمكن أن نعدّ هذه النشرة جريدة الثورة؟
- هذه النشرة هي ثورية بطبيعتها. ففي خضم كل ما يحدث من تغيّرات على الصعيد السياسي والاجتماعي، نحن نحتاج لثورة على الشعر. نشرة تكرّس ثورة شعرية أدبية على كل ما هو بالٍ وكلاسيكي جداً. هذا الوقت هو وقت التغييرات الجذرية والتي لا يمكن أن تحدث لولا فعاليات شبابية على كل ما هو قديم وعجوز، هذا النيزك جاء ليكسّر أصنام الشعر، وهذه هي ثورتنا.

(*) انطلقت "نيزك" من مقهى، هل لاختيار المكان رمزية معينة بالنسبة إليكم نظراً لدور المقاهي التاريخي في تشكيل الحركات الأدبية والثقافية وحتى السياسية؟
- بالطبع، نحن نحب المقاهي القريبة من الأرصفة والناس. إن المقاهي هي مشاع متاح للجميع، وهذا ما نريده، شعر متاح للجميع. رغم أننا ابتعدنا عن ساحات التجمّع الثورية، وذلك لأننا لم نرد الذهاب الى الناس بشِعرنا، بل أردنا لهم أن يأتوا إلينا وهذا أضعف الإيمان.


(*)
هناك تساؤل ضمن مانفيستو النشرة عن جدوى الشعر، هل تراهنون على استعادة الشعر لدوره التاريخي بتحريك الرأي العام، ونحن الآن وسط عالم مكتظ بالتخلف وربما بالموت؟
- نعتقد أولاً أن الشعر هو أداة للتعبير عن كل ما هو شخصي، يتقاطع طبعاً مع القضايا البشرية والحياتية بشكل عام، لكن هدفه شخصي بحت. الشعر الشبابي الذي نؤمن به نحن والذي ندعمه في نشرتنا هو شعر حرّ تماماً، هو رسالة سياسية بأن الشباب لهم صوت أيضاً وأن باستطاعتهم غزو العالم بهذا الصوت الحر الذي يحاول الكثيرون من أصنام الأدب والشعر عزلهم عنه.

(*) يتشارك الفن التشكيلي مع الشعر في أغلب الصفحات حتى أن الفنان التشكيلي حسن إدلبي قام بتصوير أجزاء الثورة أماً حزينة تحضن طفلاً، قلماً ينفث دخاناً، مواقع تواصل تؤثر، ووجوهاً تتألم، لقد تكلم حسن إدلبي بما يجب أن يُقال، هذا التساوي بين الشعر والفن التشكيلي هل يمكن اعتباره مناداة لروّاد الفنون الأخرى أن يضعوا أقدامهم على جسر الثورة أيضاً؟
- بالتأكيد، هنا بالمناسبة لا بدّ من الإشارة إلى دور الأصدقاء الفنانين التشكيليين ومساهمتهم في صدور هذا العدد، فادي الشمعة الذي أنجز شعار "لا" والذي توزّع على صفحات "نيزك" وأيضاً في ساحة الثورة وعلى جدرانها، غيلان الصفدي وحسن إدلبي اللذان ساهما بلوحاتهما وسكيتشاتهما في نقل أحاسيس وصرخات المنتفضين كأنها قصائد تزعق وتصدح. إن الشعر يتساوى مع جميع الفنون: سينما، رسم، موسيقى، مسرح.. إلخ. الشعر هو مرسال الفنون جميعها، إنه صوتها ومئذنتها، كل اللوحات لها جوهر شعري، لأنها تحاكي أحاسيس الكائن. الشعر يحاكي أحاسيس شخصية فيختلف بين شخص وآخر. "نيزك" وُجدت لتكون منبراً حراً لمن يملكون ذلك الهم. 

نيزك كنشرة شعرية هي بنت الثورة ووليدتها ولكن كفكرة هي قبل الثورة موجودة


















(*) أغلب المشاركين في النشرة تعارفوا مسبقاً عبر الفيسبوك وتويتر، كيف تقيّمون دور مواقع التواصل الاجتماعي كضرورة للحراك الشعبي في لبنان وفي الدول العربية؟
- قد تكون هذه الفكرة هي حسنة "نيزك" في أنها تُشعر المنتمين اليها بأنهم في بيتهم وعلى صفحاتهم الشخصية بكل حريتهم وجموحهم، والحقيقة أن وسائل التواصل الاجتماعي شكّلت منصة بديلة أدّت دورها في إيصال صوت هذه الثورة الى مختلف أنحاء العالم في ظل كل هذا الارتهان لوسائل الاعلام.

 

منبر حرّ
(*) يتضمّن العدد الأول من "نيزك" أقلاماً من العالم العربي رغم أنها نشرة شعرية تمخضت فكرتها من ضرورة مرافقة الأدب في لبنان للحراك الشعبي اللبناني، ما هي مسوّغات تضمينكم أصواتاً عربية؟
- فكرة "نيزك" ولدت قبل الثورة بسنة تقريباً لذا لا يمكن حصر هم "نيزك" بالثورة. نعم كنشرة شعرية هي بنت الثورة ووليدتها ولكن كفكرة هي قبل الثورة موجودة، وما أخّر في ولادتها الى هذا الوقت هي العوائق المادية وتكاليف الطباعة وإنشاء الموقع.

بقينا عدّة أشهر في انتظار "نيزك"، النشرة الشعرية الجنونية، نعم جنونية فهذه الفكرة في مدينة مثل بيروت وفي هذا الوقت بالذات، مجرّد التفكير بالشعر أو الالتفات إليه في هذا الزمن الأغبر هو بحدّ ذاته مغامرة، فكيف إذا كانت الحاضنة لهكذا نشاط هي بيروت المتجهة شيئاً فشيئاً نحو مسارات وخيارات ممعنة في الممانعة. جلّ تفكيرنا كان خلق تلك المساحة الخاصة التي نهربُ إليها من سخط العالم، جموده وقبحه، مساحة آمنة روحية. وجدت "نيزك" لتكون منبراً حراً يشبهُنا ويمثّلنا يحتضن هواجسنا وتطلعاتنا، ويكون سنداً لثلة من الصعاليك لم تترك الحياة لهم شيئاً سوى الشّعر. ثلة ثرثارة ناقمة على كل شيء، تعتبر الشعر قبل كل شيء ثورة ووسيلة لانتظار القادم والآتي والأفظع. بكثير من المبالغة المضحكة ترفع "نيزك" لافتتها وتطلق خشبة خلاصها وتقول: نعم بالشعر وحده يحيا الإنسان، تفتح أبوابها لكل الأمة العربية لتكون صالة عرض لكل شاعر/ة وأديب/ة، متنفساً لمن ضاقت بهم سبل الحياة الصغيرة، صرخة مدوية بوجه كل أشكال الإنعزالية والتطرّف ورفضاً قاطعاً للسياسات الثقافية البالية الموجودة اليوم.

(*) هل ستكون الأعداد اللاحقة مرتبطة تماماً بالثورة أم أن هناك مشروعاً آخر في أذهانكم؟ 
- نشرة شعر جسّدت في عددها الأول خطابها الثوري من خلال قصائد وسرديات ولوحات، الأعداد القادمة ستكون ملتفتة أكثر للحضور الشبابي العربي فيها إيماناً منها بالدور الطليعي لهذه الفئة وبكونها الواجهة الحقيقية لكل تغيير وتجديد.

(*) تقول مديرة الأونيسكو إيرينا بوكوفا "إن الشعراء يتمتعون بقدرات تمكّنهم من مرافقة الحركات المدنية وتوعية الضمائر في خضم التغييرات الهامة التي يشهدها العالم اليوم وما يعصف به من تقلبات سريعة ومن تحولات اجتماعية"، ويقول أدونيس "الشعر سياسي بالضرورة، فهو يتجاوز البنية السائدة على مستوى النظام والبنية السائدة على مستوى الكلام، ويفترض في الكتابة الشعرية أن ترفض الواقع السائد أو بعبارة أكثر دقة تُنشىء رفضاً له". هل يمكن أن يبدأ التغيير من الكتابة الشعرية التي تكاثرت وفقدت من قيمتها حتى يتمكن بعدها الشعر من ممارسة دوره المجتمعي؟
- لا يمكننا تحميل الشعر أكثر من دوره وطاقته، ليس من وظيفة الشعر اختراق الحواجز ورفع الصوت عالياً، بل يكتفي الشاعر بدوره في الإضاءة على الحوادث الواقعة والمتخيّلة بشكل بسيط ولماح، الشعر كائن شخصي جداً ومنعزل، إلا أنه رغم كل هذه الهامشية يمكنه إيصال تلك الصرخة، دوره اليوم نقل هذا الصوت والصدى الثوري بكلمات ومواكبة كل هذه التطورات السياسية والاجتماعية بالتحريض. يبقى للشعر دوره الطليعي برأينا بين الفنون كافة ومكانته في اختصار الوعي الجماعي والوجع الجماعي بجملة شعرية خصبة.

(*) يرى الشعراء المخضرمون أن لا تجربة عربية ستكون مماثلة للتجارب العربية في الستينيات وأهمها "مجلة شعر" في لبنان و"البيان الشعري" في العراق، فهل ترون في الأفق أنه يمكن للأجيال الجديدة أن يكون لها تفرّدها في التجربة الشعرية وتمرّدها الخاص وخلق حداثة شعرية تتجاوز ما سبق؟
- نقول دائماً إن لكل مرحلة سكّينها، الشعر هو سكّين هذه المرحلة ويجب أنّ نتسلّح به، يجب أن نحافظ عليه كي يحافظ على وجودنا، نحترم كل التجارب الشعرية السابقة ونشجّع على استمرارها لكن لم يعد أحد يأخذ الشعر على محمل الجد بل أهملوه جميعهم، وهذا هو دورنا أن نعيد تجديد النثر الشعري.

نعتقد أن قصيدة النثر بطبيعتها قصيدة لاسلطويّة وهي إلى حد ما قرينة هذا العصر والزمن الأغبر، تكسر القيود والسائد وتخترع حرية خاصة بها، ونحن هنا كي نطلق الشعر من قيوده كعصفور، ونضيء عليه في ركنه وزاويته وهامشه.

الدخول

أو

سجل عن طريق

أو

هل نسيت كلمة المرور؟

أدخل عنوان بريدك الإلكتروني المستخدم للتسجيل معنا و سنقوم بإرسال بريد إلكتروني يحتوي على رابط لإعادة ضبط كلمة المرور.

شكرا

الرجاء مراجعة بريدك الالكتروني. تمّ إرسال بريد إلكتروني يوضّح الخطوات اللّازمة لإنشاء كلمة المرور الجديدة.