}

قنوات التطبيع تجتاح الذائقة وتركل الثوابت!

محمد جميل خضر 9 مايو 2020
هنا/الآن قنوات التطبيع تجتاح الذائقة وتركل الثوابت!
إدانة واسعة لانخراط مجموعةMBC في موجة التطبيع الرسمي
في تقرير عرضته لها قناة الجزيرة، تضع الزميلة فاطمة التريكي يدها على جوهر المعضلة، وتقيم مقارنة بين ما عرضته (قنوات التطبيع) من ثوابت في سوق البيع والشراء، وبين خيارات أخرى ما تزال ترى أن هناك ما يصعب أن يُشترى.

تقول التريكي في تقريرها: "هي أشياء تشترى وتباع على وليمة تطبيع عامرة أُلْبِست اسم شهر رمضان، تراود العربي المحبوس في بيته على ثوابته وتاريخه، حتى يبدل سيفًا كان له بسيف قد أثكله. كان الأمر ليمر عاديًا لو اكتفت القناة الممولة خليجيًا بصناعة ما تتقنه، لكنها اختارت الخوض في التاريخ والشائك الديني والسياسي على شكل دراما مختلف في مستواها، مثلت مخرجًا لعقل مأزوم في تسويق صعب، فجاء شيء اسمه (مخرج 7). وبالرغم من استدراك يمتص الصدمة، فإنه يحيل الثابت إلى دفاع، أما الفكرة فانفجرت في عقل المتلقي متجاوزة حوار العبور: هل ألهمت الحملات الإلكترونية منتجي المسلسل؟ أم ألهمها؟ أم لهما ملهم واحد؟".



لا يكتفي التقرير بطرح الأسئلة، بل يحاول أن يعاين الخراب الذي ملأ الشاشات، فإذا بالركاكة تتمدد فتعم وتطم، وإذا بالإسفاف يصبح عنوانًا جامعًا محدثًا قطعًا وجدانيًا عند جمهرة المتلقين مع تاريخ مشرق من دراما عربية لا تبدأ من "ملحمة الحب والرحيل" (1986) تأليف الفلسطيني وليد سيف وإخراج المصري وفيق وجدي، ولا تنتهي عند "التغريبة الفلسطينية" تأليف سيف أيضًا وإخراج السوري حاتم علي، وقبلهما "ليلة سقوط غرناطة" (1979) للمصري محفوظ عبد الرحمن كتابة وعباس أرناؤوط إخراجًا، وبينهم "ليالي الحلمية" (1987) لأسامة أنور عكاشة وإخراج إسماعيل عبد الحافظ، وقائمة تطول من أعمال تلفزيونية كان لنجيب محفوظ وكتاب كبار نصيب طيب منها، دون أن ننسى الأعمال العربية المشتركة الكبرى: "دليلة والزيبق" (1976) الذي شارك فيه ممثلون من الأردن وسورية ولبنان ومصر وغيرها، "حذاء الطنبوري" (1975) المسلسل الأردني الذي شارك فيه الممثل المصري الراحل عبد المنعم إبراهيم، وبرامج عربية مشتركة مثل "إفتح يا سمسم" بجزأيه: 1979 و1982. حتى أن أول مسلسل عرضه التلفزيون الأردني حمل اسم "فندق باب العامود" (1968) وشارك فيه ممثلون عرب من بينهم السوري هاني الروماني.


تغييب فلسطين
في عودة لركاكة مسلسلات رمضان الحالي، وأجندات بعضها المشبوهة، ها هو الفنان الأردني/ الفلسطيني زهير النوباني يتساءل في اتصال معه عن سبب كل هذا السقوط، معبّرًا، بعد سؤاله عن رأيه بمسلسل "أم هارون"، عن استهجانه اللجوء لهكذا نصوص، في الوقت الذي تزخر رفوف المنتجين بأعمال تنتصر لقيمنا وتلقي ضوءًا على تاريخ النضال الفلسطيني، مستشهدًا هنا، برواية "زمن الخيول البيضاء" التي حوّلها كاتبها إبراهيم نصر الله إلى صيغة السيناريو والحوار لصالح المنتج طارق زعيتر الذي استضاف المخرج السوري حاتم علي ووقّع عقدًا معه، وبعد ذلك طرق أبواب فضائيات عربية كثيرة علَّ واحدة منها توافق على إنتاج المسلسل/ الرواية الملحمية الراصدة حقبة مهمة من تاريخ فلسطين الحديث، دون جدوى.

وبسؤال الروائي الأردني/ الفلسطيني إبراهيم نصر الله عن حقيقة الأمر، أكد ما أورده الفنان زهير النوباني، وأحالنا إلى مقال له نشره عام 2015 في "القدس العربي" تحت عنوان "اليهودي الجميل والفلسطيني القبيح"، وبعد استهلال عن زيارة يقوم بها لوالدته التي كانت تقيم رحمها الله في مخيم الوحدات، والتعريج على أحوال المخيم وتراكمه عاموديًا بحيث لا يُسمح بالبناء، والتوسع العامودي وسيلة يحتال بها ابن المخيم على واقعه، بعد كل هذا وذاك، يتطرق نصر الله إلى مسلسلات رمضان ذلك العام، حيث يبدو أن زيارته تلك لوالدته تحققت في الشهر الفضيل، يقول عند وصوله إلى حديث المسلسلات: "لكن الحديث عن مسلسلات هذا العام، يختلف عن أحاديث السنوات الفارطة، حسب تعبير أخوتنا التونسيين. ولأن موضوعًا، ما، يُفتح بين جماعة من الناس، سيدفع كلًا منهم لاستعادة ذاكرته، أو مشاهداته، فقد استدعى موضوع المسلسلات هذه المرة قضية واحدة لا غير: احتلال اليهود مساحات غير مسبوقة في الإنتاج التلفزيوني العربي، في رمضان الكريم هذا". تكريس الرؤية الصهيونية وإدخالها بيوتنا جميعنا لم يبدأ هذا العام إذًا، فمقال صاحب سلسلة الملهاة الفلسطينية مكتوب قبل خمسة أعوام بالتمام والكمال، وهو الأمر الذي لفت الممثل السوري نوار بلبل في اتصال معه حيث يقيم في فرنسا، انتباهنا له، مؤكدًا أن اليهودي بصورته الجميلة ظهر أيضًا في الجزء الأخير من مسلسل "باب الحارة" الذي دأبت القناة نفسها التي تعرض "أم هارون" على عرضه حتى عامين ماضيين، بأجزائه التي لا تعد ولا تحصى. بلبل يورد أن المسلسل اُختطف من هذه الجهات المنتجة بعد جزأيه الأول والثاني، بوصفه يحمل رسالة ويركز على قضايا التحرر العربي، مع إمكانية إضافة الجزأين الثالث والرابع، بوصفه مساحة تسلية معقولة ومقبولة في ليالي شهر الصيام. بلبل يربط ما يجري برمضان هذا العام مع حملة ذبابية انتشرت في العربية السعودية عنوانها: "فلسطين ليست قضيتي"، قائلًا إن "القبح الذي كان متواريًا ومخبأ ظهر للعلن هذا كل ما في الأمر". ثم ما يلبث أن يضيف أن أجندات هؤلاء واضحة، وهم من صدّروا وهابية غير متسامحة، وهم من دعموا إنتاج إسلام سياسي تكفيري. "الموضوع أكبر من هيك"، يقول نوار بلبل الذي أدى في واحد من أجزاء "باب الحارة" دور أبو يوسف الفلسطيني الذي كان يدعم ثوار الغوطة، مؤكدًا أن تسريب الشخصية اليهودية للجزء الأخير من "باب الحارة" تحقق بطلب من النظام السوري الراغب بتلميع صورته أمام الأميركي والإسرائيلي، و"كلّه من تحت الطاولة".



بلبل يتحدث عن غزل مع العدو الصهيوني بدأ بنظرة فابتسامة وها هو وصل إلى "سرير الخيانة" على حد تعبيره.
في مقاله المشار إليه أعلاه، يستنتج إبراهيم نصر الله أن ثمة قرارًا بتغييب فلسطين، مشيرًا هنا إلى روايته التي حولها إلى عمل تلفزيوني: "على الجانب الآخر، تبدو فلسطين، منذ أعوام، ممنوعة من دخول أي مساحة محترمة في الفضائيات العربية الكبرى، وهناك تجارب كثيرة يمكن أن تروى في هذا المجال، فالرواية الفلسطينية التي تم تحويلها لسيناريو مسلسل، وأحبه مسؤولو هذه الفضائية الكبرى أو تلك، طلبوا دون خجل أن يتم تغيير المكان الذي تدور فيه الأحداث، شرطًا لشراء حقوق البث الأول للمسلسل على فضائيتهم! بمعنى أن تُمحى فلسطين من المسلسل، كما يعمل العدو على محو اسمها منذ سبعة وستين عامًا. في حين تطلب فضائية أخرى اقتباس مسلسل بدوي عن العمل نفسه!". 

فلمصلحة من تعمل تلك الفضائيات؟

الفنان جميل عواد، لا يتردد خلال اتصالنا معه في تأكيد أنها تعمل لصالح أميركا وبالتالي (ربيبتها) إسرائيل، ذاهبًا إلى أن مصطلح (شرق أوسط) وُجِدَ ليمحي مصطلحًا كبرنا عليه هو (الوطن العربي). عواد يرى أن مرور يهود في الكويت لا يمنحهم حقوقًا فيها، كاشفًا أن (إسرائيل) تنوي رفع قضية مطالبة بالتعويضات لرعاياها الذين كانوا ذات زمن عابر هناك. ويقول إن العمل "يسيء لتاريخ العرب والخليجيين منهم على وجه الخصوص، وللتاريخ الكويتي المشرّف نصرة للقضية الفلسطينية"، مذكرًا هنا بنضالات الشيخ فهد الأحمد الصباح (أو أبو الفهود كما كان رفاقه في السلاح يسمّونه)، وانخراطه في صفوف الثورة الفلسطينية في سبعينيات القرن الماضي. يؤكد عواد أن الشيخ فهد لم يكن يعامل بوصفه شيخًا وأميرًا بل مقاتلًا مثله مثل باقي المقاتلين الذين احتضنت الثورة عددًا كبيرًا منهم من غير الفلسطينيين عربًا ويابانيين وأوروبيين وأميركيين لاتينيين ومن بلاد كثيرة أخرى. كما استشهد الفنان عواد بمواقف رئيس مجلس النواب الكويتي مرزوق الغانم "ولكل من اسمه نصيب" ابن القومي العريق عبد اللطيف محمد ثنيان الغانم.
الفنان المخضرم عبد الكريم القواسمي يصدح قائلًا في اتصالنا معه: "الشمس لا تحجب بغربال"، مؤكدًا أن عروبة فلسطين وعدالة قضيتها ثوابت لن تهزّها فقاعة كالتي تحدث في بعض مسلسلات هذا العام. "أصول معظم عائلاتنا من الأشراف والأسياد وأجدادنا بناة أوائل زرعوا الحياة في مختلف ربوع فلسطين"، يقول القواسمي صاحب التاريخ الممتد في الدراما العربية.
بحسرة يعلن زهير النوباني أن "زمن الخيول البيضاء" معد وجاهز ونحن "لسنا ضد الأديان ولسنا نحن الذين ذبحوا اليهود، فمذابحهم حدثت هناك في أوروبا وليس في بلادنا".
القاص الفلسطيني المقدسي محمود شقير أدلى بدلوه حول شبهات التطبيع في بعض أعمال رمضان هذا العام، وعلى وجه الخصوص في مسلسلي "مخرج 7" و"أم هارون" اللذين يعرضان على قناة mbc، وأرسل كاتبًا لنا: "في ضوء الزيارات العلنية لمسؤولين إسرائيليين الى بعض بلدان الخليج العربي؛ وإجراء لقاءات مع بعض قادة هذه البلدان، تصبح مفهومة تمامًا هذه الانعطافة نحو بث مسلسلات تلفزيونية خليجية تروّج للعلاقة مع اليهود وتعمل على المبالغة في إبراز هذه العلاقة، وفِي الوقت نفسه ثمة غمز على الشعب الفلسطيني وعلى كفاحه المشروع من أجل حريته وحقوقه الثابتة في وطنه، ومحاولة لتبرئة حكام إسرائيل من جرائمهم ضد الشعب الفلسطيني، ولتبرير العلاقات معهم والتشجيع على إقامة هذه العلاقات".


انعطافة غير بريئة النوايا
شقير يرى أنها انعطافة غير بريئة النوايا (على الإطلاق)، بل هي مقدمة و"علاقات تطبيع تمهد السبيل للانخراط في صفقة القرن الرامية إلى تصفية القضية الفلسطينية، وإقامة علاقات على كل صعيد بين دولة الاحتلال وبعض بلدان الخليج، على حساب الشعب الفلسطيني وقضيته".

الفنان السوري المعارض المقيم في أوروبا عبد الحكيم قطيفان تحدث في اتصالنا الهاتفيّ معه عن "إمبراطورية الشر" التي تُضَخُّ لتقوية عودها مليارات الدولارات للإسهام في تخريب الذائقة العربية، فالفن، بحسب قطيفان، "حالة طليعية متقدمة تنتصر للخير والجمال والروح والمعنى"، وهو ما "لا تتبنى أيًا منه القناة التي تبث هذين العملين المشبوهين". إنها أعمال "تتماهى مع أجندات حكام الدول التي تحتضن هذه القنوات وتدعم بقاءها مواصلة تاريخًا من التفاهة"، على حد قول قطيفان الذي تعرض بوصفه يساريًا للاعتقال أيام الأسد الأب في بلده سورية، وقدم خلال مسيرته أعمالًا تلفزيونية مهمة منها "التغريبة" و"ساعات الجمر" و"لعنة الطين" و"فرقة ناجي عطالله" و"الولادة من الخاصرة" وعشرات الأعمال الأخرى.
وفي حين يرفض الأكاديمي والموسيقي الأردني محمد واصف الخوض في المسلمات، التي في المقدمة منها أن الصهيوني عدوٌّ، وأن الشعب الفلسطيني تعرض لأبشع شتات على مر التاريخ، مطالبًا بتقعيد تعريف واضح للتطبيع مع هذا العدو، فإن المنتج عصام حجاوي يرى أن أفضل رد على هكذا أعمال هو تقديم أعمال معلية من شأن نضالات الشعوب ومنتصرة لأعدل قضية عرفها بنو البشر، قضية فلسطين يقصد، ذاهبًا إلى أن إنتاجه مسلسل "الخوابي" يعد شكلًا من أشكال الرد العملي، دون منح (أولئك) فرصة الظهور من خلال أشكال الرد العشوائية والانفعالية. وهو ما يتفق معه فيه الممثل رشيد ملحس الذي يقول إن "أي عمل مسيء نشهره حين نتداوله ونغرق الفضاء الأزرق وباقي مواقع التواصل في الحديث عنه وحوله". ثم يخلص قائلًا: "من يدفع للزمّار يحدد النغمة".
الزميل الكاتب أنور محمد يتحدث في مقال نشرته له "ضفة ثالثة" في الرابع من الشهر الحالي، عن "ميلودرامات شائخة تقوم بدور الأم الحانية على إسرائيل هكذا علنًا؛ بل وتناضل في الدفاع عن حق الإسرائيليين في استملاك/ استعادة أرضهم، وكأنَّ الناس الفلسطينيين دخلاء على وطنهم!! ومن ثمَّ ما الذي يمنع دولة عربية ما، وهذا ما جاء على لسان الممثلين في مسلسل "مَخْرَجْ 7"، من إقامة علاقة تجارية معها".
لم تغب حركة المقاطعة العالمية BDS في نسختها العربية/ الفلسطينية عن المشهد، وصدّرت بيانًا جاء فيه: "تدين الحملة الفلسطينية للمقاطعة الأكاديمية والثقافية لإسرائيل، وهي جزء رئيسي في حركة مقاطعة إسرائيل (BDS)، انخراط "مجموعة MBC" الإعلامية في موجة التطبيع الرسمي للنظام الاستبدادي في السعودية مع إسرائيل من خلال بث مسلسليْن يحملان رسائل تطبيعية سافرة خلال شهر رمضان المبارك. وتدعو الحملة الجماهير العربية، بالذات الشعب السعودي الشقيق، لمقاطعة قنوات "مجموعة MBC" خلال شهر رمضان، كما تدعو جميع الشركات لسحب استثماراتها والامتناع عن أيّ شراكةٍ (لغرض الدعاية أو غيره) مع المجموعة حتى تتراجع عن تطبيعها الثقافي مع إسرائيل وترويجها لأكاذيب صهيونية مضللة بحق القضية الفلسطينية، قضية العرب المركزية". البيان أطول من ذلك بكثير، ويعرّج في فقرات منه على الأهداف المشبوهة للعمليْن، ويتطرق إلى تحويل الصراع العربي مع العدو الإسرائيلي إلى موضوع يتقبّل اختلاف وجهات النظر. كما يشير إلى المغالطات التاريخية "المتعمدة والهادفة إلى تطبيع وجود دولة الاحتلال والاستعمار- الاستيطاني والأبارتهايد الإسرائيلي في المنطقة".


الخطر الحقيقي
الناشط في الحركة على صعيد ساحة الأردن، المهندس حمزة خضر، نشر على صفحته رسالتين حول المسلسليْن، يقول في الأولى: "الخطر الحقيقي في المسلسلات الأخيرة، هو وضع القضية الفلسطينية على الطاولة من منطلق حيادي، وحوار حضاري بمعدل صوت متزن وهدوء جميل لا يخلو من الدعابة المتبادلة، وعلى أساس أنها صراع يتحمل فيه الفلسطينيون والاسرائيليون مسؤوليات مشتركةً. على أنه من الشائع بين شعوب المنطقة أن القضية الفلسطينية مركزية، نتعاطى معها على أننا جزء منها ونحملها من منطلق الخندقة، لم ندخل بصراع مع أحد، ولا نمتلك شيئًا للمساومة، تعرضنا للاحتلال والإحلال وجرائم الإبادة الجماعية والتطهير العرقي، ونريد الثأر، ونسعى للانتقام".


أما الرسالة الثانية فجاء فيها: "الخطير في المسلسلات الأخيرة، عرض النتيجة الطبيعية لعدم قدرة اليهود على التعايش في الخليج، على أنها الهجرة الى فلسطين المحتلة، فهو يعالج حياة بعض العائلات اليهودية وهم قلة قليلة، على أنهم جيراننا وإخواننا وشركاؤنا في الذكريات الجميلة، ولولا أنهم حُمِلوا على الهجرة إلى فلسطين المحتلة لما تركوا ديارهم، وهنا يتركنا صاحب الرؤية أمام مقاربة إنسانية تاريخية، وهي أن يهود أوروبا ليسوا أشرارًا كما نعتقد، ولولا أنهم حُمِلوا على ذلك لما فعلوه، كما هم يهود الخليج، وربما يذهب بنا إلى أبعد من ذلك بوصف الصهيونية ما هي إلا ردة فعل على جريمة".




الكاتب الفلسطيني السوري راشد عيسى، وبعد أن يمر في مقال له نُشِر في صحيفة "القدس العربي"، على فيديوهات رامي مخلوف بوصفها جزءًا من سوريالية رمضان الحالي، يعرّج في مقاله "حارس القدس هل هو النموذج النقيض لدراما التطبيع؟ ورامي مخلوف كمسلسل رمضاني منافس"، على "أن الأعمال الخليجية المشجعة على التطبيع مع إسرائيل مقززة ومؤسفة، مقززة لأنها، وبوضوح شديد، تنفّذ توجهًا سياسيًا بات معروفًا لدى القيادة السعودية لفتح الطريق أمام إسرائيل، يبدو معه صنّاع المسلسل وكأنهم مجرد مترجمين لبيان سياسي، لا مبدعين يعيدون خلق نص درامي نابع من وجدان أصيل لأناس لهم أفكارهم ولغتهم وتطلعاتهم. ومؤسفة لأنها جاءت على يد ممثلين لا يمكن إنكار مواهبهم، وكادوا قبل أن يجري توظيفهم سياسيًا بهذا الشكل السافر أن يحتلوا المكان الذي تأخذه الدراما المصرية أو السورية في قلوب المشاهدين العرب".

عيسى يرى أن دراما التطبيع أخذت نصيبها من "الرفض والانتقاد والإهمال"، رافضًا في الوقت نفسه النظر إلى مسلسل "حارس القدس" الذي تعرضه قناة الميادين عن المطران كبوتشي، بوصفه العمل المضاد: "صعب أن يهضم المرء مسلسلًا يناصر قتلة ومرتكبي مجازر (وللمفارقة فإن الفلسطينيين من بين ضحاياها. وهناك أرقام وإحصائيات لشهداء أبرياء ومعتقلين قضوا تحت التعذيب) بحجة مناصرته لقضية عادلة، حينها لن يكون مسلسل الانتصار للقضايا العادلة سوى تجارة وزيف".
فاطمة التريكي توجه في تقريرها المهم سهامها إلى "فرية" الفلسطيني الذي باع أرضه أمام "حقيقة المجازر الفلسطينية الأولى وبؤس الشتات اللاحق"، ما يجعل حملة "شيطنة الفلسطيني، واتخاذ مواقف فردية للقفز من المنسوب إلى المنسوب إليه". وتخلص إلى أن قضيته "لن تكون قضيتي كما الشعار الأثير للجيوش الإلكترونية". تقول التريكي في تقريرها: "والفلسطيني المشيطن؛ مسلمًا أم مسيحيًا، يقتضي بالضرورة حضور يهودي طيب جميل، ذاك ما ستتكفل به (أم هارون)، هنا ستسمع عن إسرائيل التي قامت على أرض (إسرائيل)".
الموسيقي الأردني وعازف الجيتار إيهاب أبو حماد كتب يقول: "هناك فرق بين أن تكون الثقافة والفنون والإبداع بشكل عام خاضعة لأيديولوجيا أو لمعايير العمل الإبداعي نفسه، فلا يمكن تسمية صخرة كبيرة أو فضلات حيوان عملًا فنيًا، ولا يمكن تسمية مسلسل "أم هارون" أو مسلسل المطران كبوتشي عملًا فنيًا، العمل الفني له معايير ومواصفات ويتطلب الحد الأدنى من المعرفة والعلم".

الكاتب مازن الحساسنة يقفز عن القيل والقال ويختار في مقال له تناقلته وسائل التواصل الذهاب إلى خيار القصة، وفي قصته تلك يستعرض حكاية معلم فلسطيني نابلسي اسمه ناصر، سافر عام 1957 إلى السعودية معلمًا للغة العربية، وخلال سنوات إعارته هناك، أثّر في طلبته بطريقة عميقة المعنى، إلى درجة أن أحد طلبته (قاسم القصبي) الذي كان شبه غوغائيٍّ وعلّمه وثقّفه ناصر وغيّر طباعه وصقل روحه، أعلن خلال حفل زفافه الذي دعا له معلمه وأستاذه ناصر النابلسي أنه سيمنح ولده الأول اسم ناصر تيمنًا بقدوته المثلى. عاد ناصر إلى نابلس، وبعد عام وصلته في عام 1962، رسالة بالبريد يبشره تلميذه فيها أنها رُزق بمولود وأنه سمّاه ناصر، توثّب الدمع في عينيه فرحًا وابتهاجًا بما كان لهم كمعلمين فلسطينيين من أيادٍ بيضاء في التطور المديني المجتمعي المعرفي في بلاد الخليج العربي، وفي المقدمة منها العربية السعودية. القصة تقفز بنا 58 عامًا دفعة واحدة، حيث يجلس المعلم الثمانيني أمام شاشة التلفاز، يشاهد ناصر القصبي ابن تلميذه قاسم القصبي، فتدمع عيناه، ولكن ليس فرحًا وابتهاجًا هذه المرّة بل كمدًا وتأسفًا. أخرج الرسالة من حقيبتها الجلدية المحفوظة فيها عقودًا ممتدة، ومن بين حشرجة الدموع، خاطب من يحتمي بشاشة التطبيع: "أهكذا علّمك أبوك؟ أهذا هو المعروف الذي تركتُ فيكم؟ أليس للوفاء حراسا؟ ألم ندلكم على طريق المستقبل؟ ألم يخبرك والدك عنا؟ ألا تعلم أن أرضنا لا تهون على عربي؟ لستَ ناصرا ولن تكون يوما كذلك". والحق يقال إن القصة إنْ كانت من وحي الخيال، فهي معبّرة، وإن كانت حقيقية فهي محزنة مؤثرة.
الروائية الأردنية سميحة خريس الحائزة روايتها "فستق عبيد" على جائزة كتارا، كتبت على صفحتها الفيسبوكية قائلة: "دراما رمضان ليست فقط كوفيد19 الرابض خلف الباب، إنها تطل من الشاشات على شكل كوميديا مقززة، أو استسخاف عجيب أو خلط يتمنى الوصول إلى تشويق ولا يصل، وأيديولوجيا مرتبطة بأجندات وسلطات فاسدة تتستر بأسماء الفنانين، فتقدم خطابًا سياسيًا فجًا لا فن فيه، يعجز فيه المؤلف والمخرج عن فهم البانوراما الواسعة للحياة والتفاصيل الدقيقة للشخصيات، ناهيك عن أعمال أخذت على عاتقها تشويه الحقائق وتتفيه الدم العربي الذي سفح على مدى عقود طويلة. كل ما يحدث في عالم الدراما خطير ويؤشر على انهيار شامل في الاخلاق والأفكار والذائقة، حين حاولت الهرب إلى فيلم قيل لي إنه رائع، يدور حول بطولات جيش عربي، فجعت بغياب تام للقضية الفلسطينية، كان فيلم "الممر" يبدأ من سيناء وينتهي فيها، ولا تعريج البتة على أصل القضية، حتى في نكسة عام 1967، لم يتم التطرق ولو من بعيد إلى ضياع الضفة الغربية، هناك قصدية تتعمّد مسح ذاكرة الأجيال القادمة، وتصفية القضية الفلسطينية من أفكارنا قبل صفقة القرن المُعدّة".
في كتابه "الرواية المفقودة"، يقول السياسي السوري فاروق الشرع الملتبس وضعه مع النظام أو ضده: "معضلة الفلسطينيين ليست مع الإسرائيليين والصهيونية العالمية فحسب، بل معنا أيضًا نحن العرب. لقد تعلموا من كتبنا وشعاراتنا منذ إنشاء المستوطنة اليهودية الأولى على أرض فلسطينية في مطلع القرن العشرين أنهم قضيتنا المركزية. لا نحن قبلنا أن نتخلى عنهم، لأنهم استثمارنا الأفضل والأول في سياساتنا الداخلية والخارجية. ولا هم فكّروا في هجراننا وكشف حدود شعاراتنا، لأننا نحن وهم من التربة العطشى ذاتها، ننتظر ما تجود به السماء".

الدخول

أو

سجل عن طريق

أو

هل نسيت كلمة المرور؟

أدخل عنوان بريدك الإلكتروني المستخدم للتسجيل معنا و سنقوم بإرسال بريد إلكتروني يحتوي على رابط لإعادة ضبط كلمة المرور.

شكرا

الرجاء مراجعة بريدك الالكتروني. تمّ إرسال بريد إلكتروني يوضّح الخطوات اللّازمة لإنشاء كلمة المرور الجديدة.