}

أزراج عمر يطلق "مثاقفات".. حوار مع الآخر الحضاري الجمعي

بوعلام رمضاني 29 يونيو 2020
هنا/الآن أزراج عمر يطلق "مثاقفات".. حوار مع الآخر الحضاري الجمعي
غلاف مجلة "مثاقفات" الجديدة وأزراج عمر

يستطيع الشاعر والمفكر والإعلامي الجزائري أزراج عمر أن يتباهى بمجلة "مثاقفات" التي سيطلقها في مطلع الشهر القادم من منفاه اللندني المقابل لبحر يناجيه من نافذته يوميا طمعا في سكينة من شأنها أن تساعده على تذليل الأزمة النفسية التي تعصف بكل مثقف فرضت عليه الهجرة لأن أفكاره وطموحاته وأحلامه تقض مضاجع حكام بلدان عربية يرفضون إبداع أصحاب الآراء المختلفة الأخرى. وجد عمر في لندن الفسحة الكافية التي تمنحه القدرة على التعامل مع المختلف الآخر، الأمر الذي مكنه من تحقيق حلم راوده منذ أكثر من عقدين، الحلم الذي حققه وهو في خريف العمر متقمصا دور سيزيف جزائري قرر أن يصمد في وجه صخرة كبيرة جدا. في هذا الحوار القصير الذي خصنا به حصريا يتحدث أزراج عن مجلة "مثاقفات"، الصخرة التي يحملها وحده على أكتاف تبدو رخوة لكنها صلبة صلابة عزيمته الروحية التي تخطى بها عقبات سابقة حالت دون تحقيق حلم تأسيس مجلة فكرية وأدبية لا تشبه مجلات سابقة، وتستهدف فتح آفق إعلامي غير مسبوق، في زمن يقال فيه إن القراءة الورقية قد ولت للأبد أو تراجعت بشكل تراجيدي.

*****

(*) لماذا مجلة "مثاقفات" وكيف تبلورت فكرتها لديك؟
- في السنوات الأخيرة فكرت طويلا في الطريقة التي يمكن أن تساعد على استيعاب ثم تمثل نماذج الثقافات المتطورة والنكهات الحضارية الإنسانية وتقديم ذلك إلى قرائنا في بلداننا فأدركت أكثر من أي وقت مضى أن العملية ليست سهلة وأنها تتطلب تحويل الوعي بضرورة فهم وإدراك واستيعاب وتمثل الإنتاج الثقافي والفكري والفني العالمي إلى عمل جدي ومخطط بدقة. على ضوء كل هذا قررت أن أصدر مجلة "مثاقفات" الورقية الفكرية والثقافية والفنية لتكون فضاء للمثافقة والحوار مع الثقافات الأوروبية الغربية بشكل خاص ومع الثقافات الأجنبية الأخرى بشكل عام.
لقد توضحت لي الرؤيا بعد تجربة إعلامية ثقافية وسياسية ببريطانيا دامت 34 سنة كاملة حيث صرت أشعر أنه آن الأوان لأن أشرع في تنفيذ مشروع ثقافي وفكري خاص بي وبالطريقة التي أراها أنجع وأكثر تعبيرا عن مشاغلي الأدبية والثقافية والفكرية بجزيرة بريطانيا. لا شك أن تجربتي الإعلامية باللغة العربية بمهجري البريطاني قد أكدت لي أن معظم منابرنا تختص فقط في إعادة "رسكلة" قضايانا ومشكلاتنا المحلية المتهافتة ولا تقيم وزنا ذا قيمة لتنفيذ خطط محكمة تفضي إلى استيعاب عناصر الثقافات الأجنبية الأكثر تطورا في مجالات الفكر الفلسفي، وفي المعمار، والنظرية الثقافية المتقدمة، والمهنيات أو الصنائع الأساسية بتعبير ابن خلدون، وفنون وأساليب التوجيه العملي والجمالي المبتكرة بتعبير مالك بن نبي، وأنماط العلوم المتطورة فضلا عن الفكر السياسي الجاد الذي يمكن أن يساهم في تقديم "نماذج حية" لتستفيد منها بلداننا بقصد صنع قيادات الفكر في مختلف المجالات.
إن الغاية من هذا هو خلق المناخ الفكري من خلال توفير النصوص والمناقشات المتطورة والعميقة للتعلم منها وتقديمها إلى قرائنا من المحيط إلى الخليج وإشراك المفكرين والأدباء والمنظرين البارزين وأصحاب التجارب المنتجة والمبتكرة الأجانب في مجالات التنمية العلمية والجمالية والاقتصادية والتربوية وغيرها.
لقد تبين لي أننا لا نفعل إلا مخاطبة أنفسنا داخل قواقعنا المغلقة وجراء ذلك فإن الفضاءات الأوروبية / الغربية والأجنبية الأخرى لا نعرف عنها ثقافيا وعلميا وفكريا وتجارب تنموية في شتى الميادين إلا القشور أو لنقل شذرات العناوين التي سرعان ما تتلاشى دون أن تساهم ولو بقسط بسيط في المبادرة لصنع "مناخ" المثاقفة الحضارية.
بعد مرور هذه الفترة الطويلة على إقامتي ببريطانيا تمكنت شخصيا من التعرف عن كثب على نماذج حيَة من تنوع الثقافات العالمية التي تتقاطع وتتجاور في هذه الجزيرة التي لم تمنعها المحيطات والبحار المحيطة بها من كل الجهات من الانفتاح على الحضارات الأخرى حيث يوجد ضمن جغرافيتها الصغيرة أكثر من 33 قومية فضلا عن لغات وديانات هذه القوميات والمجموعات البشرية المتعددة.
في هذه البيئة تعرفت على عدد كبير من الأدباء والفلاسفة والفنانين الآتين من خلفيات    حضارية متنوعة وتعلمت من هذه التجربة الحوارية أن الحضارة الإنسانية هي دائما تركيبة إبداعية يتم بناؤها بعيدا عن العادات السيئة "لحجر" الذات في قفص الهوية الأحادية المغلقة.  حاولت على مدى سنوات أن أتفاعل مع هذا التعدد الثقافي والحضاري فضلا عن تجاربي في التناص الفكري مع المؤسسات الثقافية والجامعات هنا وفي فرنسا وروسيا وأميركا وبعض دول أوروبا الشرقية والغربية الأخرى وهلم جرا.                                     
أحس دائما أن مجتمعاتنا المنغلقة على نفسها في حاجة إلى التفتح على الثقافات العالمية التي تملك رأسمال التجربة الفلسفية والعلمية والسياسية والاسهام الحضاري.

 

(*) هناك تجارب لمجلات عربية في مجال ترجمة ونقد النصوص الفكرية والأدبية إلى العربية فماذا يمكن أن تقدمه مجلة "مثاقفات" ليميزها عن غيرها من هذه المنابر التي توقف بعضها وما يزال بعضها الآخر على قلته يواصل الجهود؟
- أعرف أن ثمة بعض المجلات العربية التي فتحت وما تزال تفتح صفحاتها لتنوع الثقافات الأجنبية. وبالنسبة إلى الجزائر فقد بقيت منذ استقلالها جامدة في العربة الأخيرة من قاطرة التفتح الجدي والمدروس على الثقافات العالمية رغم أنها تقع قاب قوس واحد من أوروبا وأفريقيا وبالتأكيد فإن بلادنا لم تستفد من الثورة التكنولوجية الحديثة في ما يتعلق باستيعاب التجارب الثقافية والفكرية والفنية والسياسية والجمالية الأكثر حداثة في عصرنا. فالجزائر المستقلة لم تقم بمثاقفة عميقة مع الثقافات والحضارات العريقة في آسيا الوسطى وآسيا البعيدة ومع الفضاءات الأسترالية والكندية والأميركية الشمالية والجنوبية كما أنها كرَست نسيان عمقها الثقافي الأفريقي وهكذا دواليك. وجراء ذلك أصبح الانسان الجزائري الجمعي ذاتا محلية ليس له امتداد في الأفق الثقافي الكوني ما عدا بعض الحالات الفردية التي لا تمثل إلا أصحابها وقد ساهم هذا الجانب السلبي في تحول الجزائر إلى "تجمع سكاني" ضمن قفص جغرافي يتنفس برئة قديمة تكاد أن تكون منقطعة جوهريا عن أكسجين التفاعلات الثقافية الحديثة في عالمنا المعاصر.  

(*) حدثنا باختصار عن كيفية تنفيذ مشروع مجلة "مثاقفات"..

- أريد أن تلعب مجلة "مثاقفات" دورا في كسر الجدار الفولاذي الذي يفصلنا عن التجارب الفكرية والفنية والثقافية الطليعية ومختلف أشكال التعبير الحضاري في عالمنا وبشكل خاص في البلدان التي أنجزت العصرنة والحداثة بكل مفاصلها العلمية والتقنية والفكرية والسياسية. ستعمل المجلة من أجل تقديم نموذج للعمل الفكري والثقافي على أساس أسلوب حواري في المثاقفة مع "الآخر الحضاري الجمعي" في عالمنا المعاصر.  انطلاقا من هذا تنهض مجلة "مثاقفات" الفكرية/ الثقافية/ الفنية على أساس استراتيجية تعنى بفهم ودراسة الثقافات والفنون والأفكار الأجنبية الإنسانية وقيمها الحضارية.
يتمثل الهدف المركزي لهذه المجلة في تقديم الثقافات والآداب، والفلسفات والفنون، والأفكار السياسية الديمقراطية الأوروبية/ الغربية والأفريقية والآسيوية والأميركية بضفتيها الشمالية والجنوبية فضلا عن منطقة جزر الكاريبي إلى قراء شمال أفريقيا والشرق الأوسط، وإلى مهاجري هذه البلدان في أوروبا/الغرب، وذلك قصد تفعيل وتخصيب المثاقفة والحوار الفكري السلمي.
ستنجز هذه الغايات من خلال عرض ومراجعة ودراسة الكتب، وترجمة النصوص الأساسية، وإجراء الحوارات مع الشعراء، والنقاد، والفلاسفة، والفنانين والمفكرين البارزين.        ستكرس هذه الفصلية ملفَات للمستجدات الفكرية والأدبية والفنية في العالم، وستخصص مجلة صفحات ثابتة لإشهار الكتب الجادة التي تنشرها أهم دور النشر الأجنبية كما تقوم بتكليف المتعاونين معها في العواصم العالمية الكبرى بإنجاز تقارير تغطي النشاطات والندوات الفكرية والثقافية والفنية التي تنعقد فيها.
الهدف المركزي من وراء هذا المشروع هو تحقيق جزء حيوي من المثاقفة مع روح الثقافات والمجتمعات المتطورة في عالمنا، وإطلاع مجتمعاتنا، ومنها الجزائر، على أهم الأفكار التي تبتكر في مختلف أشكال التعبير الثقافي والفكري والفني بهدف المساهمة في "صنع" الإنسان الذي يقيم علاقة التواصل والحوار والتثاقف مع الآخر ببلداننا.

الدخول

أو

سجل عن طريق

أو

هل نسيت كلمة المرور؟

أدخل عنوان بريدك الإلكتروني المستخدم للتسجيل معنا و سنقوم بإرسال بريد إلكتروني يحتوي على رابط لإعادة ضبط كلمة المرور.

شكرا

الرجاء مراجعة بريدك الالكتروني. تمّ إرسال بريد إلكتروني يوضّح الخطوات اللّازمة لإنشاء كلمة المرور الجديدة.