}

مثقفون جزائريون: مستقبل الحراك بين مطرقة السلطة وسندان كورونا

بوعلام رمضاني 31 يوليه 2020
هنا/الآن مثقفون جزائريون: مستقبل الحراك بين مطرقة السلطة وسندان كورونا
متظاهر ضد الحكومة في الجزائر العاصمة (6/3/2020/فرانس برس)
أجمع معظم الإعلاميين والكتاب الذين قبلوا دعوتنا للإدلاء بآرائنا على أن حراك الجزائر يبقى إيجابيًا مهمًا عظمت التحديات والمصاعب ما دام يمثل فكرة تتجاوز الزمان والمكان، وترسي لبناء اجتماعي وحضاري وفكري طويل وعريض المسيرة والمسار، كما أكدته تجارب شعوب سابقة لم تغير من واقعها دون عقود من النضال القائم على رؤية متبصرة ومتفحصة لواقع تاريخي معقد يقوم على صراع مصالح متضاربة وعدائية بامتياز.
وفي هذا السياق، قاد الإعلامي والشاعر اللندني الإقامة أزراج عمر قاطرة التنبيه إلى خطورة التحليل "التقني" الضيق، وإلى الاختزال المميت عند مقاربة حراك الجزائر عاطفيًا من خلال الربط بمعطيات ظرفية لا تعكس حقيقة التحدي التاريخي المعقد الذي يواجه الحراك، و"جائحة كورونا التي يخشى أن تقضي عليه ليست هي المشكلة"، في تقديره إذا وضعنا الحراك في إطاره السياسي والفكري التاريخي. خلافًا لأزراج، فالكتاب والإعلاميون الذين ردوا على سؤال: كيف ترون مستقبل حراك الجزائر الواقع بين مطرقة السلطة وسندان كورونا، وما هي الهوامش المتبقية لتحرك مثقفين يسعون للتغيير؟ كانوا أقل "نفيًا حادًا" ـ إن صح التعبير ـ كما يمكن أن يقال عن تحليل أزراج، والذي قد يبدو مجحفًا في حق مثقفين وناشطين فاعلين وحقيقيين يعدون على الأصابع، لكن عامل قلة العدد لا يعني عدمية تأثيرهم في المطلق.

 

كورونا ليست هي القضية
رغم تقاطعه مع بعض الكتاب الذين أكدوا غياب المثقف بمعناه العضوي وبسلبية وانتهازية وخيانة بعضهم، لم يتردد أزراج في القول: "إن جائحة كورونا ليست هي القضية ولا المشكلة،

لأنها لا تعني شيئًا إذا ما وضعنا صراع السلطة مع الحراك في إطار أشمل تاريخيًا واجتماعيًا وفكريًا يتجاوز كل أنواع الظروف العابرة والمؤقتة، ومنها ظرف كورونا الذي وضع المثقفين الملتزمين بقضايا المجتمع في ورطة غير محددة لمستقبل الحراك" كما يعتقد. حيال هكذا أمر، لا يمكن التحدث في نظر أزراج عن مثقفين واقعين بين مطرقة السلطة وسندان كورونا، ما دامت الجائحة شكلية التأثير، لأن أزمة السلطة الجزائرية منسوجة من عدة عوامل، ومعقدة وسابقة لها ومتنوعة ومتداخلة تاريخيًا وفكريًا واجتماعيًا على النحو الذي يحيلنا على نظرية التعقد المعرفي الشامل وغير المجزأ للمفكر الكبير إدغار موران، آخر عمالقة الفلسفة في فرنسا (99 عامًا)، والتي عاد إليها في كتابه الجديد "لنغير توجهنا... دروس كورونا". ومعرفته العميقة والشاملة، تركته يضيف: "إن الانفجار المتمثل في الحراك كان منتظرًا، وليست فترة بوتفليقة وحدها التي أدت إلى الانفجار ما دامت تعد حلقة جديدة من تراكمات سابقة"، وكورونا في ضوء الأسباب البنيوية العميقة والمعقدة ليست هي التي ستحدد مصير السلطة في الجزائر تحت وطأة ما أسماه "بالإسقاط الانفعالي". فـ"التخلف الشامل والمتعدد المستويات وراء أزمة السلطة حكامًا ومحكومين، وموالين ومعارضين، في غياب مثقفين حقيقيين يمثلون مشروع الدولة الحديثة، ويقطعون الصلة بجيل أول نوفمبر/ تشرين الثاني غير المشبع بالفكر، ويعد جيلًا عسكريًا ومصفحًا بالذهنية التقليدية المتخلفة". وخلص أزراج إلى القول: "أمام معارضة فاقدة لمشروع وطني ومثقفين قلائل لم تستغل الجزائر تجربتهم العصرية مع مفاهيم الدولة الحديثة وقوى رجعية وحراك عاجز عن إفراز قيادة تمثل مشروع دولة حديثة وسلطة بدائية ومتخلفة، ستبقى الجزائر تدور في حلقة التخلف، وأسيرة صراع شبه مخنوق بين قوى التقدم والعصرنة وبين القوى الغالبة التي تجتر الثقافة التقليدية، وحتى إذا تلاشى فيروس كورونا، وتحول بضربة ساحر إلى عنب وعسل، فسوف لن تبنى الدولة الحديثة في ظل ما ذكرت من معطيات".

 

كورونا كفرصة للمراجعة والنقد
تصريحات الإعلاميين والكتاب الذين عايشوا الحراك، ردوا على سؤالنا بمعطيات خاصة وملموسة بعيدًا عن روح التنظير "الأزراجي"، وقريبًا من واقعية المعايشة السياسية التي تؤكد أن الحراك مكسب تاريخي غير مسبوق، رغم كل ما طاله من ضعف وخيانات وارتباك، الأمر

الذي لا ينقص شيئًا من مقاربة الشاعر اللندني، ولا يتناقض معها بالضرورة.
الإعلامي السعدي نصر الدين أكد أن من أسماهم بمثقفي التغيير والوعي والالتزام في وضع صعب "لأنهم توقفوا عن التظاهر حرصًا على مصلحة الشعب، إلا أن السلطة غير الصادقة والمتجبرة استغلت كورونا لسجن الصحافيين والكتاب والأساتذة والحقوقيين". وحيال مطرقة السلطة، وسندان كورونا، لا بد أن "يبدع المثقفون طرقًا جديدة لمقاومة الأمر الواقع بالصيغة التي تحوله إلى عامل إيجابي يفرض على كل القوى السياسية المتنوعة المراجعة والتجديد، وستكون الجامعات الساحة الأنسب لنشاط المثقفين"، على حد تعبيره.
المؤرخ محمد أرزقي فراد يتقاطع مع السعدي في دعوته إلى استغلال توقف الحراك بسبب كورونا لتجاوز قهر ومناورات السلطة، بمراجعة ما حققه الحراك، لكن باستعماله تعبير النقد الذاتي: "أين أخطأنا نحن المثقفين، بدل رمي الكرة إلى ميدان الآخر متسائلين عمن يتآمر علينا؟". نبذ وتجاوز المشاعر العاطفية جمعت فراد بأزراج، ودفعت العقلانية به إلى القول مضيفًا: "لماذا غاب دور النخب الناقد لترشيد الحراك ودفعه إلى طرح أفكار سياسية واضحة وواقعية حسب سلم أولويات استراتيجية، وإلى التساؤل عن جدوى ما يسمى بالمعارضة التقليدية، وإلى خطورة تخوين الحراكيين لبعضهم بعضًا، بدل قبول الاختلاف، وإقرار الحوار كوسيلة للتعاطي مع الحدث؟".


المثقفون بين الغياب والتعالي والخيانة

 متظاهرون جزائريون يسيرون بعلم عملاق في الجزائر العاصمة (31/5/2019/فرانس برس)

الكاتب والإعلامي فيصل شريف، المقيم في بوردو، وصاحب مشروع كتاب "الصحافيون النزهاء"، وضع مثل أزراج دور المثقف في سياقه التاريخي بقوله: "لم يلعب دوره إلا في

حالات قليلة، وكان يغرد خارج السرب بأنغام تميل للسلطة، أو لجهات أو تيارات معينة، وحتى لاعتبارات ذاتية ومصلحية منفعية، وجاء الحراك لتأكيد القاعدة". شريف "نزل" على المثقفين المقيمين في الخارج دون ذكر الأسماء، وهم المثقفون الذين حكموا على الحراك بالموت في أبراجهم العاجية، مستصغرين شعبهم، ومتعالين عليه، وعلى الذين كانوا بلا امتيازات ولا مناصب، والواقعين اليوم بين مطرقة السلطة وسندان كورونا، الوقوف مع الهبة الشعبية، حتى وإن شابها كثير من التشويش.
الإعلامي والكاتب إبراهيم قارعلي تحدث من دون تردد عن خيانة مثقفين راحت ضحيتها الثورة الشعبية، وليس الحراك، كما يفضل أن يقول. في تقديره، تعرضت هذه الثورة إلى خيانة من قبل المثقف نفسه: "وعليه، لا يمكن أن نراهن على مثقف يباع ويشترى ويقبض في سوق النخاسة السياسية حينما يرضى في النهاية بأنصاف الحلول". أضاف قارعلي أن "الحراك يعيش مرحلة ما بعد الحركات الشعبية الاحتجاجية التي تنتهي إلى حلول سلمية تفاوضية. وللأسف الشديد، واكب هذا التحول الطبيعي كورونا التي تراهن عليها السلطة لتحجيم الاحتجاج، وتقييد الحريات الفردية والجماعية. الأدهى والأخطر، يتمثل في مراهنة المعارضة على السلطة لمعالجة الأزمة الوبائية، وفي استثمار الجميع في المآسي الاجتماعية، بعدما أصبح المجتمع بين مطرقة السلطة وسندان كورونا".




استمرارية الحراك من دون تظاهر
دخول كورونا على خط الصراع بين السلطة وأنصار ومناضلي الحراك، وتحولها إلى أمر واقع، فرض التوقف على التظاهر. هذا لا يعني أن الحراك قد مات، خلافًا لما تحاول السلطة

تمريره، بالمناورة تارة، والقمع تارة أخرى. و"لا يمكن اعتبار كورونا ضربة قاضية للحراك، والعكس هو الصحيح"، في تقدير الكاتب الصاعد العربي رمضاني، صاحب كتاب "أناشيد الملح" المثير بمقاربته مأساة المهاجرين "الحراقين"، الذين يفضلون حرق أنفسهم وكل القوانين في عرض مياه المتوسط، وإهداء أجسامهم طعمًا لذيذًا للحوت على العيش في وطن نهشه لصوص تفننوا في النهب، كما يشهد على ذلك سجن الحراش، الذي أصبح ينافس سجن تدمر بشهرة جديدة. العربي تجاوز خطاب تأثير كورونا على الحراك، وكأنه مشكلة تقنية، ووباء كورونا العابر أسقط في نظره ورقة التوت من السلطة الفاشلة منذ الاستقلال: "الأمر الذي يؤكد شرعية وحتمية استمرار الحراك، ومراهنة السلطة على المطرقة لتفجير رأس الحراك سوف يفشل لأن الحراك فكرة عظيمة لن تموت مثل كل الأفكار العظيمة". استطرد العربي يقول: "الاحتجاج أضحى غريزة مستمرة عند الشعب الجزائري، وعليه سوف يستمر للمطالبة بالتغيير على أنقاض سلطة تعمق أخطاءها من يوم لآخر. وخلافًا لما تهدف إليه السلطة الفاشلة، فإن كل أسباب الاحتجاج قائمة، وأقوى من السابق، بل وتنتعش من يوم لآخر، الأمر الذي يؤكد أن وباء كورونا لا يخدم السلطة كما يروج بعضهم، والمثقف الملتزم جزء من الشعب الواعي بمناورات السلطة، وليس منذ بروز كورونا فقط".
البروفيسور محمد قيراط، الأستاذ في جامعة الدوحة، والذي اضطر إلى الهجرة من الجزائر بعد عودته من الولايات المتحدة الأميركية بسبب رداءة جامعة الجزائر التي خدمها مدة سبعة أعوام، أكد بدوره أن كورونا ليست مشكلة في وجه الحراك، لأنها فكرة تجذرت في أفئدة وعقول الملايين من الجزائريين الساخطين على الوضع، كما قال العربي، وفي تقديره: "توقف الحراك بسبب الجائحة بمبادرة حضارية من المتظاهرين لا يعني أن الشعب الجزائري قد نسي الأهداف والمطالب التي ثار من أجلها". قيراط المتخصص الكبير في الاتصال الجماهيري أضاف يقول كخبير بتأثير الاتصال الحديث في الصراعات السياسية: "سوف لن تنال مطرقة السلطة من عزيمة وإصرار الشعب على التغيير، وسوف يستمر الحراك بشكل أقوى عبر شبكات التواصل الاجتماعي ومختلف المحطات الإعلامية الكثيرة والمتنوعة"، والمثقف الملتزم مطالب في نظره اليوم وأكثر من أي وقت مضى بالمحافظة على صيرورة وديمومة الشرح والتحليل والتفسير وإبراز الحقائق والتنديد بالتجاوزات، ومن بينها بيان وزارة الاتصال الذي يعتبر تهديدًا مباشرًا وخرقًا صارخًا لحرية التعبير. أخيرًا، أكد البروفيسور قيراط على مسؤولية المثقفين الملتزمين القلائل في مواجهة جيش من الصحافيين والأساتذة الذين يتفننون في الدفاع عن سلطة مواظبة على وسائل المصادرة والتهميش والتعتيم نفسها، وسياق ما بعد توقف الحراك في شكل تظاهرات يعد فرصة تاريخية للمؤثرين الحقيقيين للقيام بدورهم عبر الفضاء الافتراضي، على حد تعبيره.



الحراك كثقافة ومسار وعي
الكاتب والإعلامي عبد الرزاق بوكبة ربط بين "المقهى الثقافي"، التجربة الأولى التي يقودها بنجاح رغم الداء والأعداء، وبين الحراك الذي "يجب أن يعتبر مسار وعي شامل يتجاوز

الزمان والمكان، وليس مسيرة فقط ترفع شعارات تغيير في زمان ومكان محددين، ويجب أن يكون الحراك تجسيدًا حضاريًا وثقافيًا يوميًا على كافة المستويات الاجتماعية، والحراك الذي لا يدفع المواطن إلى احترام قيم العمل والوقت والحوار والتعايش والعلم والتخصص والعطاء ليس حراكًا" على حد تعبيره. بهكذا تصور، يكون بوكبة قد وضع الجميع أمام مسؤولية تاريخية، وأشار بكل أصابع يديه إلى المحسوبين على نخب الثقافة والتعليم والوعي والشعارات المتضاربة والبراقة، والذين يثرثرون ويدينون، وربما يشتمون، لكنهم لا يحركون ساكنًا حينما تدق ساعة المحك، كما أراد أن يقول إنه: "ليس من الموضوعي دائمًا اعتبار السلطة المطرقة الوحيدة التي تضرب رأس الحراك"، كما أن كورونا ليست سوى سندان مؤقت، وليست مشكلة جوهرية، كما أشار أزراج قبله إلى ذلك.
حميد العربي، الشاعر المقيم في مونبلييه، المدينة الواقعة جنوب فرنسا والمشارك المفرنس الوحيد في تحقيقنا، أكد أن وقوع الحراك بين مطرقة السلطة وسندان كورونا حقيقة ليست أقوى من الدور التاريخي الذي يقوم به المثقف الملتزم بالتغيير والديمقراطية والعدل في كل الأوقات، و"التحدي الذي يواجه الحراك المتوقف في ظل كورونا يعتبر فرصة لامتحان المؤمنين بمقاومة سلطة معروفة بتصلبها وتعنتها ومناوراتها المعروفة". ومثله مثل معظم ضيوفنا، يعتبر توقف الحراك أمرًا إيجابيًا، لأن الخشية من موت الحراك ليست سوى شكلية "لأن معظم الجزائريين غير مستعدين للتراجع، والحراك مكسب تاريخي باعتباره رمز دينامية اجتماعية وتعددية ديمقراطية غير مسبوقتين".

***

يجدر بالذكر في الأخير أننا أعطينا فرصة لكتاب مؤيدين للسلطة للتعبير عن موقفهم، وعليه فلسنا مسؤولين عن غياب الرأي الآخر للرأي الذي حققناه من خلال ناقدين للحراك. 

الجزائر (رياض كرامدي/ فرانس برس) 

الدخول

أو

سجل عن طريق

أو

هل نسيت كلمة المرور؟

أدخل عنوان بريدك الإلكتروني المستخدم للتسجيل معنا و سنقوم بإرسال بريد إلكتروني يحتوي على رابط لإعادة ضبط كلمة المرور.

شكرا

الرجاء مراجعة بريدك الالكتروني. تمّ إرسال بريد إلكتروني يوضّح الخطوات اللّازمة لإنشاء كلمة المرور الجديدة.