}

الشهرة الزائفة.. الترويج للذات علامة تجارية

حسام أبو حامد حسام أبو حامد 16 مارس 2021
هنا/الآن الشهرة الزائفة.. الترويج للذات علامة تجارية
ملصق ترويجي لفيلم "الشهرة الزائفة"

في عصر انتشار وسائل التواصل الاجتماعي، أصبح مفهوم "المؤثر" (Influencer)، خاصة بين مستخدمي تلك الوسائل، من الشابات والشبان الذين تتراوح أعمارهم ما بين 18 و24 عامًا، مفهومًا واسع الانتشار. يمجّد هؤلاء نمط حياة المؤثّرين، ويتوقون إلى ما فيها من رفاهية ورخاء؛ إنهم في إجازة طوال الوقت، ولا يعملون أبدًا. وقد حصلوا على كثير من الأشياء بالمجّان. وأدى إغراء كسب المال عن طريق نشر الصور، ومقاطع الفيديو، عبر الإنترنت، إلى أن يصبح "المؤثر المتفرّغ" على وسائل التواصل الاجتماعي أحد أكثر الخيارات مهنية، وطموحًا حول العالم.

يحاول الفيلم الوثائقي "Fake Famous"، الذي عرضته قناتي HBO وHBO Max، منذ بداية شهر فبراير/ شباط الماضي، أن يفكك نمط حياة "المؤثر"، وفك شيفرة شهرته، بوصفها شهرة زائفة، عبر تتبع حياة ثلاثة من نجوم وسائل التواصل الاجتماعي، يشقّون طريقهم إلى الشهرة على الإنترنت، مبينًا كيف تكون الشهرة في كثير من الأحيان نتيجة للتلاعب باقتصاد وسائل التواصل الاجتماعي. لذلك خاض مخرج الفيلم وكاتبه، الصحافي المتمرس في عالم التكنولوجيا الرقمية، في صحيفة نيويورك تايمز سابقًا، نيك بيلتون (يعمل الآن مراسلًا لمجلة فانيتي فير)، تجربة اجتماعية فريدة، تقوم على اختيار مجموعة من الأشخاص العشوائيين لجعلهم مؤثرين مشهورين، وقد نجح في ذلك إلى حد كبير.
يبدأ الفيلم الوثائقي بمشهد من نمط أوبرالي بطيء، حيث مجموعة من المهووسين بالتقاط الصور ونشرها عبر الإنستاغرام قصدوا متجر "Paul Smith Los Angeles"، الذي بات جداره الوردي المسطّح يجذب أكثر من 55000 زائر في العام الواحد، يتخذونه خلفية لأكثر من 100000 من صورهم التي يشاركونها على Instagram سنويًا. الرغبة في الشهرة تحفّز الناس على التحرك بغرابة في أنحاء العالم، لإعادة رسم واقعهم على نحو أفضل، وإعطاء قدر كبير من القيمة للأشياء التي تبدو قيمتها المادية أقل. ومع أن الجدار الوردي لا يظهر فنًا رائعًا، أو يثير تجربة عاطفية، لكنه ببساطة مشهور بكونه مشهورًا. من هذه المقدمة الوردية الجميلة، يبدأ الفيلم ليناقش بعمق الألوان الأخرى القاتمة لوسائل التواصل الاجتماعي، مسلطًا الضوء على التكلفة القاتمة، وغير المتوقعة، خلف بريق وسحر شهرة تلك الوسائل. يحاول "Fake Famous" استكشاف هذا الواقع الذي غالبًا ما يتم تجاهله.



صناعة "المؤثر"
تطرح التجربة الاجتماعية التي يقودها بيلتون سؤالًا بسيطًا: هل تريد أن تصبح مشهورًا؟ حفّز هذا السؤال أكثر من 4000 راغب في الشهرة، أو في مزيد منها، لخوض تلك التجربة الاجتماعية. سلسلة من المتقدمين وقفوا أمام لجنة متخصصة بوسائل التواصل الاجتماعي، بالإضافة إلى بيلتون نفسه، خاضوا اختبارات متعددة. أبقت اللجنة في نهاية المطاف على ثلاثة خيارات أقل وضوحًا: الممثلة المغمورة دومينيك دروكمان، ووايلي هاينر، الذي يعمل مساعدًا شخصيًا لوكيل عقارات، وعاشق الموضة، كريس بيلي. طموح هؤلاء كان أوضح مما يمتلكونه من مواهب شخصية، يعتقد كل منهم أن كونه "مؤثرًا" مشهورًا سيحسن حياته بطريقة ما.

أراد بيلتون أن يرفع عدد متابعيهم من بضعة آلاف على إنستاغرام، إلى مئات الألوف، متسائلًا: هل سينظر الناس إلى الثلاثي بشكل مختلف مع ارتفاع عدد أتباعهم؟ هل ستتغير حياتهم للأفضل؟ وفي عالم تتساوى فيه الأرقام مع الشهرة، ما هي الطبيعة الحقيقية لتلك الشهرة وتكلفتها؟
لم يلجأ بيلتون إلى الويب المظلم - Dark Web، بل انتقل مباشرة إلى شبكة الإنترنت الظاهرة، وكان في إمكانه شراء كل ما يحتاجه من أجل إشهار هؤلاء. ومن خلال أحد المواقع العديدة، تمكن من شراء متابعين مزيفين، أو "روبوتات"، بأعداد كبيرة، لقاء مبالغ مالية. يوضح بيلتون أن الروبوتات هي عبارة عن خوارزمية تتظاهر بأنها شخص حقيقي على الإنترنت، أنشأها قراصنة ومبرمجون، عبر أكواد تجوب الإنترنت لسرقة هويات عشوائية لا حصر لها (صور أشخاص، أسماءهم، وسيرهم الذاتية). وبتقديره، هنالك مئات الملايين من الروبوتات على الإنترنت تستخدم لأغراض مختلفة، يستخدمها الصحافيون والسياسيون، وغيرهم من المؤثرين، والأكثر تأثيرًا، ويذّكر بأنها كانت عام 2016 إحدى وسائل دول أجنبية للتدخل في الانتخابات الأميركية. يقول أحد تجار الروبوتات الذين تمت مقابلتهم في الفيلم: "يمتلك بعض أشهر الأشخاص في العالم 50 أو 60 في المئة من الروبوتات على صفحاتهم". لم ينس الفيلم أن يشير مثلًا الى كيم كارداشيان، التي يتابعها عشرات الملايين من الروبوتات.



التزييف عصب اقتصاد الإنترنت

"نافذة طائرة" وهمية من فيلم "الشهرة الزائفة" 


واصل بيلتون شراء الروبوتات، أو المتابعين المزيفين، وكذلك الإعجابات والتعليقات التلقائية، تجاوز عدد متابعي دومينيك 170، وبدأت تنتقل إلى التعامل مع العلامات التجارية الكبرى التي تبلغ عائداتها ملايين الدولارات، وبإمكان البرمجيات المتطورة أن تكشف ذلك الكم من المتابعين المزيفين. تبدد القلق بعد أن اختبر بيلتون بنفسه حساب دومينيك عبر أحد البرامج المدفوعة الذي بيّن أن دومينيك هي فعلًا من بين نسبة الـ1.1% التي تشكل أشهر الناس على وجه الأرض. تساءل بيلتون ما إذا كان بارعًا إلى هذا الحد في شراء الروبوتات، أم أن هذه النوعية من البرامج ماهي إلا خدعة أيضًا؟ تبيّن لبيلتون أن الحسابات المزيفة تستطيع المرور من رقابة شركات التواصل الاجتماعي التي يفترض أنها تقوم بشكل دوري بتطهير الحسابات المزيفة من منصاتها.

توحي تجربة بيلتون أنه من الصعب رسم الخط الفاصل بين ما هو حقيقي وما هو مزيف، حيث يتحول التأثير الذي تم شراؤه إلى شيء حقيقي. وتتمثل إحدى نقاط قوة الفيلم في تفكيكه للاقتصاد "المؤثر"، حيث يدعم المؤثرون والشركات القائمة على الربح بشكل تكافلي المتابعين المزيفين والصور المزيفة، وكل شيء مزيف. هنالك أطراف عدة تستفيد من نظام مبني على الأكاذيب، ولا يهم كمّ التزييف طالما كانت الأموال حقيقية. لذلك يتم تحفيز المؤثرين على زيادة عدد متابعيهم، مما يمكن أن يكسبهم صفقات أفضل مع المعلنين والجهات الراعية. تبقي زيادة عدد المستخدمين أسهم الشركة مرتفعة، وتكسب شركات التواصل المال، من خلال التفاعل، ونمو عدد المستخدمين، والروبوتات توفر كليهما. ليست هنالك حوافز حقيقية للتخلص منها.



أسلوب حياة مزيف
لا يتعرض الفيلم لاقتصاد "المؤثر"، بل أيضًا لأسلوب حياته، ولتنمية أتباع المؤثّرين الوهميين بشكل عضوي، وجذب العروض من العلامات التجارية للمحتوى المدعوم، طلب بيلتون من المصورين صناعة صور تبدو قد التقطت في أماكن فاخرة، لكنها في الواقع مزيفة تمامًا. فمثلًا، تم التقاط صور في فناء خلفي لأحد منازل لوس أنجلوس، ولكن عند نشرها تم وضع علامات جغرافية تشير إلى: بيفرلي هيلز، فور سيزونز، ومنتجع فايسروي في سانتا مونيكا. تضمنت جلسات التصوير أيضًا استئجار قصر كامل لفترة ما بعد الظهر مقابل حوالي 600 دولار، وحتى استوديو طائرة خاصة مزيف مقابل 49.99 دولارًا في الساعة. هذه الحيل المضللة يستخدمها عدد لا يحصى من المؤثرين الآخرين الذين لديهم عدد كبير من المتابعين لإنشاء محتوى اجتماعي جدير بالمتابعة، وفقًا للفيلم. يوضح بيلتون كيف يقوم المؤثرون بتزوير جميع النفقات المدفوعة، ورحلات التخييم، حتى يتمكنوا لاحقًا من الحصول على رحلة تخييم مجانية مدفوعة التكاليف، وكيف يتظاهرون بالمشي لمسافات طويلة في Redwoods حتى يتمكنوا من الحصول على معدات المشي لمسافات طويلة ورعاية مجانية. إنهم يزوّرون حتى رحلات على طائرات للحصول على رحلات مجانية، ويشير إلى أن هناك الآلاف من البرامج على الإنترنت تعلّمك كيف تتظاهر أنك في إجازة معقّدة، بينما أنت في الواقع لا تزال في غرفة نومك، ناهيك عن توافر تطبيقات ومواقع ويب مخصصة لالتقاط صور إجازات وهمية خاصة بوسائل التواصل الاجتماعي.

عبر هذه الأساليب ذاتها، بدأ المؤثرون الوهميون الثلاثة في تلقي الامتيازات من العلامات التجارية التي تتطلع إلى الظهور في منشوراتهم على Instagram، من النظارات الشمسية المجانية، أو المجوهرات، إلى جلسات التدريب المجانية في صالة الألعاب الرياضية الخاصة في بيفرلي هيلز.



هوس الشهرة
الشهرة هي ذلك الشيء الغامض غير الملموس، لكنها تفوق كل شيء على وجه الأرض سطوة، إنها غير مرئية، لكن الجميع تقريبًا يريدونها، ومن يحظى بها لا يملك السيطرة عليها. أعلن بيلتون بداية الفيلم أنه كان، خلال عقد، من المتحمسين للدفاع عن وسائل التواصل الاجتماعي، لكن بعد أن أصبح 4 مليارات شخص تقريبًا يقضون ما مجموعه 100 مليار ساعة في اليوم على مواقع التواصل الاجتماعي أدرك أن هنالك كثيرًا من العواقب غير المقصودة التي تخلقها هذه المنصات، ليس أقلّها هوس الناس بالشهرة.
كثير من الأشخاص يحاولون اكتساب شهرة عبر الإنترنت بطريقة طبيعية، أي من خلال إنتاج محتوى من نوع ما، على أمل أن يجدوا لهم جمهورًا. لكن كثيرًا من هؤلاء يظلّون في الظل طوال حياتهم. لا يتقن الجميع لعبة الخوارزميات، وهذا الأساس الخفي لوسائل التواصل الاجتماعي ينذر بعواقب هائلة غير مقصودة، تنبع في معظمها من مناهج مصطنعة ومنسقة وذات توجه مالي. يحاول الفيلم الحفر وراء كواليس الشهرة لمعرفة ما يحدث بالفعل، مسلطًا الضوء على هوسنا بعدد الإعجابات والمتابعين والمفضلات التي نحصل عليها، وكيف أن معظم عالمنا على الإنترنت ملفق أكثر مما ندرك.

نتائج الشهرة اختلفت بالنسبة للمؤثرين الثلاثة؛ أبطال الفيلم، تبعًا لمستوى الاستعداد الذي أبدوه في مواكبة التجربة، والسماح للروبوتات بالسيطرة على حساباتهم، وإلى حد ما، على حياتهم. بالنسبة لوايلي، خشي من بعض المزعجين الذين هددوه بفضح زيف حساباته، وقرر أنه لا يجب أن يأخذ وسائل التواصل الاجتماعي على محمل الجد. في النهاية، اختار أن يكون خارج التجربة، بعد أن وجد عملًا جديدًا شعر فيه أنه يلقى التقدير الذي يستحق. أما كريس فلم يعد يرغب في التفاعلات المزيفة، وأراد أن يقدره الناس لشخصه، لا لشهرته المزيفة.
في هذه الأثناء، اجتاح كورونا العالم، وأغلق المدن الكبرى والصغرى، وبدا أن العالم قد توقف، لكن كثيرًا من المؤثرين استمروا في نشر صورهم المزيفة على الشواطئ، وفي الفنادق، والأسواق، وكأن الأمور تسير على طبيعتها. هذا التزييف أيقظ دومينيك، التي رأت كيف أن مؤثرين حقيقيين قد هبوا لمساعدة الناس ومنحهم الأمل، وإدخال البهجة إلى قلوبهم. لم تعد دومينيك ترغب في أن تستمر في شيء غير حقيقي، حاولت العودة إلى عالم الحقيقة، ومساعدة الناس، استمرت العروض تنهال عليها من الشركات التي استماتت لبيع منتجاتها في ظل انهيار الاقتصاد العالمي، وبدأت تحصل على مزيد من الإعجابات والمتابعات الحقيقية، لأن مزيدًا من الناس التزموا بيوتهم وتواجدوا على وسائل التواصل الاجتماعي. لكن هل كانت هذه المتابعات والإعجابات ممكنة لولا تلك الروبوتات التي تتابع حسابها، والتي أقنعت المتابعين الحقيقيين أنها مؤثرة ومشهورة؟



خاتمة:
الأرقام أذهلت بيلتون؛ 140 مليون شخص على إنستاغرام لديهم أكثر من 100000 متابع، و40 مليون لديهم أكثر من مليون متابع. هل يعقل أن يكون هنالك 140 مليون شخص مشهور؟ أليس "الأمر برمته هراء والجميع يشتريه؟".
ما هي حقيقة هذه الشهرة؟ هل ينال المؤثرون الإعجابات تبعًا لما يملكونه من موهبة، أو مهارة؟ إن ما يقوم به كثير من هؤلاء هو ترويج أنفسهم علامة تجارية، ليصبح في إمكانهم أن يكونوا منصة توزيع لسلع وترويجها. لم ينس Fake Famous أن يشير إلى دور إيجابي للمؤثرين في زيادة الوعي حول قضايا عادلة، فلولا وسائل التواصل الاجتماعي لبقيت الممارسات العنصرية في الظل، ولما قادت حركة "حياة السود مهمة" الاحتجاجات على مقتل جورج فلويد، لكنها مع ذلك ترسم صورة مقلقة لعالم يؤدي فيه عدد المتابعين الأعلى إلى تعزيز مشاعر تقدير الذات، فأن تكون مشهورًا يعني أن تكون طفلًا يطالب بامتداح كل ما يقوم به. الرغبة في الشهرة هي الرغبة في تلقي الحب، لكن هل يمكن أن نضمن تجنب فراغ النجومية المظلم؟




                    عرض ترويجي لفيلم "Fake Famous"

الدخول

أو

سجل عن طريق

أو

هل نسيت كلمة المرور؟

أدخل عنوان بريدك الإلكتروني المستخدم للتسجيل معنا و سنقوم بإرسال بريد إلكتروني يحتوي على رابط لإعادة ضبط كلمة المرور.

شكرا

الرجاء مراجعة بريدك الالكتروني. تمّ إرسال بريد إلكتروني يوضّح الخطوات اللّازمة لإنشاء كلمة المرور الجديدة.