منذ النصف الثاني من القرن العشرين، ونقاش هيمنة النظام الأبويّ يسيطرُ على المجال العام، ليس فقط في أوروبا والولايات المتّحدة الأميركيّة، بل داخل كلّ ثقافات وشعوب العالم. أعمالٌ كثيرةٌ، فنيّة وفلسفيّة وفكريّة وأدبيّة وسينمائيّة، تناولت مسألة "عقدة الأب" وصورته الرمزيَّة مع تداعياتها الاجتماعيَّة. صار من الواضح، مع تطوُّر المقاربات النسويّة للمسألة الاجتماعيّة والسياسيّة، بأنّ قضيَّة هيمنة النظام الأبويّ يجب أن توضَع، أكثر من أيّ وقتٍ مضى، تحت مجهر النقد والمراجعة.
والحال، فإنّ مجموعةً من الفنانات الدنماركيّات الشابّات، وهنَّ: ماتيلدا أوسنجر (26 عامًا)، نانا كوبيل (26 عامًا)، لوتا غرومان (26 عامًا)، جولي سافيري (24 عامًا)، أطلقنَ مشروعًا بعنوان Hejfar. Hejfar، وهي كلمةٌ دنماركيّة مُركّبة، إذْ أنّ كلمة Hej تعني: مرحبًا، وFar تعني: بابا. "مرحبًا بابا" نشأت كفكرة عندما كان العالم مغلقًا بسبب الحجر الصحي الذي فرضته جائحة كوفيد ـ 19. أم ماتيلدا هي طبيبة، وأشارت إلى نقطةٍ إحصائيّة مهمة، وهي أنّ ضحايا الفيروس الرجال هم أكثر من ضحاياه النساء (طبعًا هذا الرقم صحيح، مع حقائق مثيرة للاهتمام أخرى: وهي أنّ الرجال هم أكثر من ينتحر، والرجال هم في الدرجة الأولى ضحايا الحروب العسكرية).
بتفصيل أكثر، "مرحبًا بابا" هو مبادرة تطلقها البنات لدعوة آبائهنَّ إلى فضاءٍ آمن يقوم فيه الآباء والبنات، بشكل مشترك، بتنفيذ بعض المهام الجسديَّة. الفعل المرشّح، والذي تبادرُ الابنة إلى اقتراحه حصرًا، مفتوحٌ أمام كلّ الخيارات. ممكن أن يكون رقصّة، أو حركة جسديَّة تذكّرهم (أي الأب والابنة) بحدثٍ في الطفولة. تقول جولي سافيري بأنّ الأفعال الجسديَّة تربط بشكلٍ فعّال بين النظريّة والتطبيق. وتشرح: "نعلم أنّ كثيرًا من المقاربات النظرية الأكاديميّة تتناول موضوع الأب بشكل مُجرَّد وغير محسوس. التحدّي الأكبر، في رأيي، هو كيف يمكن تمثيل النقد جسديًّا في إطار فنيّ، وذلك لإدخال نقد الأبوية إلى الممارسة الحياتيَّة اليوميَّة".
كشرحٍ لقوّة الفعل المتجسّد، تشير جولي إلى تجربةٍ أجرتها مع والدها، إذْ طلبتُ منه أن يغمض عينَيْه، وكان يجب على الابنة أن تساعد الأب مُغمَض العينين على الحركة وتحسّس الفراغ ضمن الغرفة. هدف هذا الفعل هو تعميق الثقة، وإعادة تعريفها بشكل مشترك. على الابنة أن تثق بأنّ الأب مُغمَض العينين فعلًا، وعلى الأب أن يسلّم نفسه بثقةٍ مطلقةٍ إلى "قيادِ" الابنة. الفعل المتجسّد في هذه التجربة يضع الأب في خانة اللايقين والضعف والهشاشة، ويسهل عملية الاتصّال مع العواطف والمشاعر. الفعل الجسديّ فعّال أكثر في تحقيق تغيُّرات نفسيّة، لأنّ التواصل الكلامي يعاني من أعطابٍ جوهريّة، هي سوء الفهم والبقاء في حيّز "اللاتنفيذ". ولا تتسع هذه السطور للإشارة إلى محوريَّة مفهوم الفعل المتجسّد Embodied Action في علم النفسي السلوكي الصاعد حديثًا في عالمنا.
الجدير بالذكر في "مرحبًا بابا" هو نقد النظام الأبوي من دون الانطلاق من شعارات "قتل الأب"، أو خلق مواجهات صداميّة، أو مَسْرحة للعنف. القائمات على المشروع واعياتٌ بأنَّ الحب هو أفضل منصّة لممارسة النقد. وبأنّ إخفاء البنات مشاعرهنّ لآبائهنّ خوفًا من إحداث جروح نفسيَّة هو عائق أمام عملية التطوُّر والتواصل. تقول نانا كوبيل بأنّ "لحظة الصدق مع الأب ليست لحظة صدامية، أو عنيفة، بل هي جادة ودقيقة. واعيات نحنٌ لمسألة أنّ حب الأب يمكن أن يكون عائقًا أمام تغييره، إذا ما كان هذا الحب مبنيًّا على إخفاء المشاعر والانفعالات. نشعرُ بأنّه من مسؤوليّتنا أنّ نساهم في هذا التغيير من خلال التجريب الفني، وعدم الخوف من الفشل".
ماتيلدا أوسنجر تشير بدورها إلى أنّ نقد الأبويّة والبُنى الذكوريّة في مشروعهم مبنيَّة على أرضية الحب، وتضيف: "من الصعب تحطيم وإنكار علاقة الحبّ بين الآباء والبنات. ولكن، في الوقت نفسه، من الضروري إعادة تعريف الذكورة، كي تكون أكثر تصالحًا مع الهشاشة والضعف في داخلها، وكي تصبح، بالتالي، أكثر صحّة وقدرة على إعطاء الحب". من خلال الورشة، قامت ماتيلدا بإيصال فكرة حساسّة إلى والدها، حول أنّه لا يسمعها حين تتحدَّث، ويفقد الاتصال العاطفي مع محيطه الاجتماعي. كانت "مرحبًا بابا" فضاءً فنيًّا لتوجيه هذا النقد إليه، بسبب جوّ الحبّ والتقدير الذي يسيطر على الفضاء العام للمكان.
"مرحبًا بابا" سيحلُّ في لبنان، كما تقول القائماتُ على المشروع، عبر ورشة في العاصمة اللبنانية بيروت، وتحديدًا في "مقهى الرواق" يوم 31 مارس/ آذار الجاري، والدعوة مجانيّة وعامّة. لا شكّ في أن إشكالية عقدة الأب وصورته الرمزيّة هي إشكالية عالميّة، ولا يمكن حصرها بثقافة معيّنة وعالم سياسي معيّن. نضال النسويات العربيّات وتراثهم الثقافي شاهدٌ على هذا الأمر.
تشير جولي، أخيرًا، إلى أنّ المشروع ليست له أي أهداف علاجيَّة، والورشة ليست مكانًا للتحليل النفسي. الورشة ببساطة دعوة من البنات للآباء للقيام بمهمة جسديّة. الهدف هو رؤية مشهد مجموعة من الذكور يجلسون في دائرة مغلقة، ويحاولون التواصل بشكل أعمق مع مشاعرهم، وذلك لخلق مساحة طريّة، هشّة وضعيفة، تتغلغل من خلالها البناتُ إلى نفوس آبائهنّ. مساحة تسمح بممارسة النقد الجادّ أولًا.


تحميل المقال التالي...