في حفل أُقيم أخيرًا في قاعة تشيبرياني وول ستريت في نيويورك، أعلنت الهيئة المانحة لجوائز الكتاب الوطني عن المتوجين في دورتها السادسة والسبعين. ولفت الأنظار هذا العام فوز ثلاثة كتّاب من أصول شرقية: ربيع علم الدين (لبناني ــ أميركي) عن فئة الرواية، بينما فاز عمر العقاد (مصري ــ كندي) بجائزة الكتب غير الخيالية، أما جائزة أدب اليافعين فكانت من نصيب دانيال ناييري (إيراني ــ أميركي).
وتُعدّ هذه الجائزة الوطنية من أبرز التكريمات الأدبية في الولايات المتحدة، إذ تُمنح للأعمال المتميّزة في خمس فئات، وقد نالها عبر تاريخها نخبة من أبرز الكتّاب، بينهم ويليام فوكنر، فيليب روث، وتوني موريسون.
عقود من الكوميديا السوداء
على طريقته الساخرة، استغل ربيع علم الدين المنصّة خلال الحفل ليضفي حسه الكوميدي في قلب أميركا، شاكرًا طبيبه النفسي، وأطباءه المتخصصين في أمراض الجهاز الهضمي، وحتى تجار المخدّرات، قبل أن يقول مازحًا: "لا ينبغي أن أقول أكثر من ذلك". لكن خلف هذا الطابع الهزلي، حمل خطاب الكاتب رسائل مؤسفة عن مأساة عالمنا المعاصر. فقد تطرّق إلى الأزمات الإنسانية في كلّ من غزة، والولايات المتحدة، مستعرضًا مقطعي فيديو شاهدهما هذا الصباح: الأول لضابط من وكالة الهجرة والجمارك الأميركية يعتدي على امرأة مقيّدة على الإسفلت، والثاني لقصف مخيم للاجئين الفلسطينيين في لبنان أودى بحياة 12 نفسًا بشرية. قائلًا بسخرية: "يصنعون خرابًا، ثم يسمّونه وقفًا لإطلاق النار. أحيانًا، علينا نحن الكتّاب أن نقول: كفى".
يُعدّ علم الدين واحدًا من أبرز الأصوات العربية في الأدب الأميركي المعاصر، ويتميز بأسلوبه الذي يمزج بين الكوميديا السوداء والتأمل الفلسفي. من أبرز أعماله: "النهاية الخاطئة للتلسكوب"، و"امرأة لا لزوم لها"، و"الحكواتي".
في روايته الفائزة بجائزة الكتاب الأميركي "القصة الحقيقية فعلًا لرجا الساذج (وأمّه)"، يعود إلى جذوره اللبنانية، ليقدّم ملحمة عن الحرب الأهلية في لبنان، من خلال رحلة رجا، معلّم الفلسفة البالغ 63 عامًا، الذي يعيش في شقة صغيرة في بيروت مع والدته، ويجد متعته في القراءة والتأمل والعزلة، بينما ترى والدته أن رغبة ابنها في الخصوصية إهانة شخصية، وتصرّ على معرفة كل تفاصيل حياته من دون اكتراث بالحدود.
وعندما تصل إليه دعوة للإقامة في برنامج للكتابة في الولايات المتحدة، تبدو الفرصة مثالية للابتعاد عن قلب بيروت المثقل بالأحزان، ولسان أمه الملحاح. لكن ما يهرب منه يضطر إلى مواجهته هناك في معتكف الكتابة. وهكذا ترتد الرواية ستة عقود، لتروي قصة حياة الرجل، وما يكتنفها من مفارقات وسخافات في ظل تشرذم بلده.
في مواجهة الإبادة
إذا كانت قصة رجا تعكس تمزق لبنان، وأثر الحرب على الحياة اليومية، فإن كتاب عمر العقاد "يومًا ما، سيكون الجميع دائمًا ضد هذا" يوثق معاناة الفلسطينيين في غزة. وهو عبارة عن مجموعة مقالات جريئة تكشف كيف يُعاد تشكيل الضمائر الجماعية عبر سرديات مريحة لا تسبب الغثيان للمستمع السعيد بأن تُخفى عنه الحقائق المزعجة، أو تبرر التواطؤ مع الظلم.
يعتمد العقاد في كتابه على خبرته الشخصية المتراكمة؛ فهو الصحافي الذي تنقّل بين مناطق صراع شتى، المولود في قاهرة المعز، والناشئ بين قطر وكندا، ما منحه منظورًا واسعًا تجاه التصادمات الثقافية، والتباعد بين القيم المعلَنة، وما يحدث فعليًا على أرض الواقع. يطرح الكتاب أيضًا مفهومًا مخيفًا أسماه العقاد "الفقر التخيّلي"، للدلالة على عجزنا الحالي عن تخيّل معاناة الآخرين، كاشفًا دور الإعلام والمؤسسات المدنية في تلميع الصورة، وتخفيف القسوة حد استساغتها.
خلال كلمته على المنصّة، ظهر العقاد مثقَلًا بفرحة مشوبة بالوجع، قائلًا:
"من الصعب جدًا التفكير بروح احتفالية في كتابٍ كُتب ردًّا على إبادة جماعية".
وأضاف: "يصعب أن أحتفل بعدما قضيتُ عامين أرى ما تفعله الشظايا في جسد طفل؛ بينما أعلم أن أموال ضرائبي تساهم في ذلك، وأن كثيرًا من ممثليَّ المنتخبين يدعمونه بكل سرور".
| |
| فاز دانيال ناييري بالجائزة عن روايته الموجهة لليافعين "معلّم أرض البدو: قصة من الحرب العالمية الثانية" |
يأتي ضمن مجموعة الفائزين لأول مرة بالجائزة الكاتب الإيراني دانيال ناييري، حاصدًا الجائزة عن روايته "معلّم أرض البدو: قصة من الحرب العالمية الثانية". تعيد القراء إلى إيران عام 1941، حيث يواجه طفلان يتيمان، باتاباك وشقيقته الصغيرة، واقعًا قاسيًا وسط الحرب العالمية الثانية. حين يفقد الطفلان والديهما، يضطران إلى النزوح عبر جبال إيران، محاطَين بقبائل البدو الرحّل، في رحلة صعبة للبقاء على قيد الحياة. يحمل باتاباك سبورة وأوراق والده، ليعلّم أفراد القبائل، محاولًا نقل المعرفة وسط فوضى الصراع.
بين الجمال والقسوة
في فئة الأدب المترجَم، فازت الكاتبة الأرجنتينية غابرييلا كابيثون كامارا عن كتابها "نحن خُضْرٌ ومرتجفون"، بترجمة روبن مايرز من الإسبانية. يأخذنا الكتاب في رحلة استثنائية إلى براري العالم الجديد عبر حياة أنطونيو دي إيراوسو، الفتاة التي هربت من دير باسكي لتصبح رجلًا، وتخوض سلسلة مغامرات مذهلة، من فتى على متن سفينة، إلى جندي ومحارب.
تتميز الرواية بأسلوب بيكارسكي سريالي، وسخرية باروكية، تمزج بين لغة شاعرية وغرائبية سردية، لتقدم نقدًا حادًا للاستعمار والاضطهاد والطغيان من كل الأنواع. وتخلق كامارا في الغابة المطيرة فضاءً حيًّا، حيث يصبح التحول ليس ممكنًا فحسب، بل ضروريًا للبقاء.
حظي الكتاب بإشادة واسعة بوصفه نقدًا قويًا للإمبريالية، من خلال إعادة سرد قصة أنطونيو دي إيراوسو، مستخدمة لغة "ساحرة تتداخل فيها الميثولوجيا والطبيعة والعنف". كما أبدى بعض القراء إعجابهم بالأسلوب اللغوي الكثيف والساحر، الذي قد يبدو أحيانًا صعب الفهم، مشيرين في الوقت نفسه إلى الجمال الفني الذي رسمته الكاتبة للغابة المطيرة، والصور الرمزية الدقيقة التي تربط بين الشخصيات والطبيعة.
خلال الحفل، قالت كامارا مبتسمة وسط تصفيق حار: "سأتحدث بالإسبانية لأن هناك فاشيين لا يعجبهم ذلك"، في إشارة إلى أهمية اللغة كأداة للهوية والمقاومة.
أما جائزة الشعر، فذهبت إلى الشاعرة الأميركية باتريشيا سميث عن مجموعتها "نوايا الرعد"، وهي عمل يحتفي للمرة الأولى بخلاصة تجربتها الشعرية الممتدة عبر مسيرتها الطويلة. تدور المجموعة حول التجربة السوداء في الولايات المتحدة، مستعرضة جمالها وقسوتها في آن، بين لحظات الانتصار والانكسار، وبين الحب والمعاناة، لتقدّم رؤية شعرية غنية بالصور الحسية والمفارقات العاطفية الحادة.
تقول في إحدى قصائدها:
من أطلق النار عليك، يا صغيري؟
لا أعلم. كنت ألعب.
ألم ترَ أحدًا؟
كنت ألعب مع صديقتي شارون.
كنت على الأرجوحة
وهي كانت
أأنت متأكد أنك لم ترَ أحدًا
لا، لم أرَ أحدًا سوى شارون.
سمعت ناسًا تصرخ،
و…
تكريم الرواد
تضمن الحفل عرضًا موسيقيًا مميزًا قدمته الفنانة كورين بيلي راي، إضافة إلى تقديم جائزتين عن مجمل الأعمال لكل من الكاتبة والناشطة الأميركية من أصول هاييتية روكسان غاي، والروائي جورج ساوندرز صاحب رواية "لينكولن في البرزخ "، تكريمًا لمسيرتهما الأدبية البارزة.
اشتهرت روكسان غاي بأعمالها الروائية والنقدية، ومنها: "الجوع"، و"امرأة صعبة المراس"، ويعكس تكريمها التزامها بالقضايا الاجتماعية والإنسانية، ودفاعها عن حرية التعبير والأدب كأداة للوعي والمساءلة.
أما جورج ساوندرز، المعروف بأسلوبه الساخر والإنساني في الوقت ذاته، أشار في كلمته المؤثرة خلال الحفل، إلى قوة الكتابة في فضح خرافة السلطة المطلقة قائلًا:
"المتنمرون والمستبدون والمتعصبون… دائمًا يعرفون. إنهم واثقون تمامًا، لكننا نحن الكتّاب… نملك ميزة على المستبدين، لأننا نقيم في حالة اللايقين. وهذا يضعنا في علاقة أقل وهْمًا مع الواقع. وكلما قلّ الوهم، قلّ الضرر الذي نتسبب فيه".
حين أسدل الستار على حفل جوائز الكتاب الوطني في دورته السادسة والسبعين، بدا واضحًا أننا حيال عامٍ مختلف؛ إذ اشتعلت القاعة طوال الوقت بنقاشات حامية حول دور الأديب في ظل القضايا الشائكة التي تناولتها هذه الكتب، لم يكن المشهد مجرد احتفاء بملكات المبدعين، بل إشعارًا بأن الحرب باتت هاجسًا يؤرق الجميع. ربيع علم الدين يعود بنا إلى ذاكرة الحرب الأهلية اللبنانية، وما خلّفته من شقوق في الوعي، وعمر العقاد يكتب من قلب المأساة الفلسطينية الراهنة، ودانيال ناييري يعيد سرد حربٍ مضت قبل ثمانية عقود ليذكّر بأن الماضي لا ينام… وأن زلزالًا قديمًا يمكن أن يقوّض حاضرنا في أي لحظة. فهل يستطيع الأدب حقًا أن يكون وسيلة للإنقاذ؟ هل يمكنه أن يحدّ من الكارثة، أو يحول دون سقوطنا في الهاوية الوشيكة؟


تحميل المقال التالي...