}

"أيقونات من القدس": معرض وثائقي تراثي وتاريخي

منى سكرية منى سكرية 25 أغسطس 2025
هنا/الآن "أيقونات من القدس": معرض وثائقي تراثي وتاريخي
ملصق معرض "أيقونات من القدس"

"أيقونات من القدس" معرض سترحل عيون المؤمنين ومتذوقي الفنون التشكيلية والباحثين في شؤون الأديان إليه كل يوم، ومن مختلف الشرائح العمرية، ومختلف الانتماءات الدينية والعلمانية (من 13/8/2025 إلى 17/1/2026 ــ دار النمر للفن والثقافة في بيروت). فالبرنامج المواكب، وعلى مدى هذه الأشهر، سيكون ممتدًا، غنيًّا، يشتمل على ثماني محاضرات أعدّها وسيقدمها الدكتور محمود زيباوي، وعلى تنظيم ورشات تعليم فن الرسم الأيقوني للأطفال، وتنظيم جولات وفود، وأمسيات تراتيل ميلادية، وأنشطة أخرى لم يُكشف عنها.
في أحد الأحياء الراقية من العاصمة بيروت تقبع دار النمر للثقافة في محلة كليمنصو، لمؤسسها المصرفي الفلسطيني رامي النمر، صاحب مجموعة الأيقونات التي تزيّن جدران قاعة الدار بتقاسيمها المعمارية المتعرجة الفواصل، بما يتيح الراحة للزائر في أثناء انشغالات لحظات المُشاهدة.
في القاعة 62 أيقونة عَمل على تنسيق توزيعها جدرانيًا الباحث في الفنون التشكيلية التاريخية المسيحية والإسلامية، الدكتور زيباوي، بناء على نصيحة الكنيسة المارونية لرامي النمر عند سؤاله لهم عن الحاجة إلى إقامة معرض مجموعته الخاصة بالأيقونات، فاقترحوا إسم زيباوي (محمود الزيباوي مؤرخ وباحث لبناني متخصص في الفن المسيحي المبكر وتاريخ الأيقونات، وحائز على دكتوراة من السوربون في الموضوع، وله مؤلفات عدة، ومقالات ثرية ومتميزة في الموضوع عينه). كما استنفر لغاية المُساعدة والتنسيق مهى قبيسي، ولمى قبرصلي (من إدارة دار النمر)، وشبّان فلسطينيون من القدس وبيت لحم. ومن بينهم الأكاديمي جورج الأعمى، وأنطون منصور، وسيرويان لنا حكاية مشاركتهما وأنشطتهما.



هذا المعرض ليس مشابهًا لحركة قاعات المعارض المُتكاثرة في العاصمة بيروت، والتي تُغني الحياة الثقافية فيها، لأن "أيقونات من القدس" وثائقي تراثي، وتاريخي، وإيماني، ويحتوي أيقونات نادرة، ومستوى فني نوراني ترفعه إلى مراتب القداسة والعَبَق الإلهي، وتَصوُّف اللحظة. لحظة المرور أمام تلك الأيقونات وحكاية كل واحدة منها بتعريفات مكتوبة لصقها (النصوص لزيباوي)، يرافقها نغم تراتيل كنسية تبثها إدارة المعرض فيجول الزائر في عالم فنون الأيقونات، ويدرك معنى خلودها.
"أيقونات من القدس" هو المعرض الثاني في بيروت بعد معرض أول حمل عنوان "الأيقونات الملكيّة" وأقيم في متحف سرسق عام 1969، وضمّ مئة واثنتي عشرة أيقونة (تنتمي إلى أديرة وكنائس ومجموعة خاصة لصاحب متحف سرسق إبراهيم سرسق ومجموعة أبو عضل) مثّلت تحولات فن التصوير في المشرق العربي ما بين النصف الأول من القرن السابع عشر والنصف الثاني من القرن التاسع عشر. كما تضمنت مجموعة معرض سرسق 38 أيقونة ملكية ترتبط بمدرسة محلية مركزها مدينة حلب.





في حلب، كانت ولادة يوسف المصور عام 1666، وكان مترجمًا وناسخًا ومصورًا للمنمنمات، وامتهن رسم الأيقونات، وكان مقربًا من يوحنا بولس الذي ارتقى إلى كرسي البطركية الإنطاكية عام 1647 مُتخذًا اسم مكاريوس الثالث. ومن بعده أبدع إبنه نعمة الله في صياغة أجمل أيقونات المدرسة الحلبية، ثم لحق به حفيده الشماس حنانيا، وتبعهما الحفيد الأخير. إنها سلالة حلبية أرثوذكسية اعتنت وأبدعت وأسست لمدرسة فن الأيقونة، وتشاركت الموضوعات نفسها مع المدرسة اليونانية، ولكن اختلفت اللغة الفنية. ففي الزمن العثماني برز النقش والتأثير الإسلامي، وأيضًا التسميات كملك الملوك، وسلطان السلاطين، على فنون رسم الأيقونات، في حين خرجت هذه المدارس عن التقليد، وإن بقي الموضوع نفسه، ولكن خضع للتأثير المحلي والبيئة، وهذا ما حصل لمدرسة القدس في فن الأيقونة. إذ تواصل نتاج الأيقونات في القدس، وبرزت القامات القصيرة والوجوه المستديرة في الأيقونات، وغلب عليها الطابع الفطري والعفوي، ولكن بنكهة محلية. وكما قال الفنان التشكيلي الفلسطيني الراحل كمال بلاطة عن "تأثير التراث البصري المحلي العربي على الفن المسيحي الفلسطيني". وبعد ذلك بدأت تأثيرات المرحلة الأوروبية. وهنا لا بد من الإشارة إلى أن أيقونات القدس تملأ كنائس المشرق العربي، وغيرها من الأماكن التي يأتي منها أشخاص لممارسة طقوس الحج، أو الاستطلاع، فيحملون ما كرّسته المعاهد الروسية في القدس، وبيت لحم، من نتاجات تذكارية للأيقونات، وبكل الأحجام، لما تحمله من طابع عاطفي مشوب بالإيمان. مع الإشارة أيضًا ــ وبتوثيق تاريخي ــ أنه، وإلى اليوم، لا توجد أيقونة مطابقة نسخة الأصل عن أيقونة أخرى، وهذا يجسّد منتهى العبادة والإخلاص والإبداع.



للأيقونة الفلسطينية تاريخ ومدرسة وتمايز وألوان، أوجزها لنا الأكاديمي جورج الأعمى، الباحث في شؤون الأيقونة العربية، ولديه مجموعة خاصة تضم حوالي 120 أيقونة موجودة في بيت لحم، ويقيم لها المعارض في المتحف الفلسطيني، أو في الخارج، مع صعوبة أن تصل إلى لبنان. ومع أن الفن الأيقوني انتقل إلى حلب، لكن أول أيقونة فلسطينية، وحسب الإيمان المسيحي، كما يقول الأعمى، ارتسمت في القدس بالمعنى الديني. أما تاريخيًا فقد بدأت في القسطنطينية المعروفة اليوم بإستنبول، وبعد سقوطها انتقل كاتبو الأيقونات ورساموها إلى حلب واليونان وكريت وجزر صغيرة، ومن حلب إلى القدس، وما هذه الأيقونات في دار النمر إلّا أيقونات مقدسية وعنوانها "كما في السماء كذلك على الأرض". وفي القدس استمرت إلى أيامنا عائلات حلبية، مثل تادروس، والحلبي، أبدعت في مجال الفنون التشكيلية المعاصرة، ومنهم الرسامة سامية الحلبي، وهي فنانة مقدسية، وعمّها أبو خليل الحلبي، الذي تلقى تعليمه عند الروس، ونرى آثار المدرسة الروسية في بعض أعماله، لكن في الكنائس نلاحظ لمسته المحلية أكثر.
معرض "أيقونات من القدس" لا يتيح فقط للزائر، على اختلاف أسباب زيارته، مشاهدة الأيقونات، وإنما يأتي كتأكيد على دور بيروت الثقافي العربي القديم والحالي. فالمعرض هذا كان مقررًا إقامته عام 2019، لكن تتالي الأحداث فرضت تأجيله إلى أن تم الافتتاح مساء 13/8/2025. أما بالنسبة لمقتنيات المعرض ومنشأها المقدسي فله من الأهمية ما يقارب الرهبة والاندهاش. فالمعرض وهو الثاني منذ عام 1969 في متحف سرسق في بيروت، إنما يأتي بعد سلسلة أحداث، منها الحرب الأهلية اللبنانية، وأحداث تخص فلسطين، كالانتفاضتين الأولى والثانية، ونتائج هزيمة عام 1967، وحروب الإبادة على غزة، ثم حروب داعش في سورية، وتأثيرها في كنائس سورية، كل ذلك أفضى إلى تغييب الثقافة الفسطينية بتجلياتها (يُحكى عن فقدان أيقونة باخوس من دير صيدنايا على يد داعش، وكانت هذه الأيقونة من ضمن مجموعة معرض سرسق عام 1969).

"أيقونات من القدس"



يرى زيباوي أن لوحة "تذكار مدينة أورشليم المقدسة ونواحيها" من أهم لوحات المعرض، لما تمثله من تكثيف ديني ورمزي. واللوحة من القرن الثامن عشر، وغير موقّعة، ومن مادة تمبرا مع طلاء ذهبي على قماش. تتضمن هذه اللوحة: كنيسة القيامة مرتفعة وسط المدينة المقدسة على سهل أرجواني، تحدُّه سلسلة من الهضاب البيضاء التي تمثل مدنًا ومواقع مقدسة في فلسطين، وتظهر المباني المنمنمة بصحبة كتابات باليونانية تُعرّف بها. في القسم الأعلى من اللوحة يظهر نهر الأردن، والمغطس، والبحر الميت، وسط الأردن. يقف المسيح بين يوحنا المعمدان وثلاثة ملائكة يَنْحنوْن في اتجاهه. عند يسار هذا المشهد يظهر يوحنا المعمدان، وعلى يمينه دير جراسيموس. على مقربة من هذا الدير يقف القديس سابا، أشهر رهبان فلسطين. وتقع سلسلة الهضاب البيضاء على يسار هذه الأماكن، وتوجد مواقع عدة، مثل جبل الزيتون، ودير القديس يوحنا، ويسوع مصلوبًا في الجسمانية مواجهًا بيت عنيا. وفي يسار الخريطة يرتفع جبل طابور، وهو بحسب التقليد الجبل الذي صعد إليه المسيح مع بطرس ويعقوب ويوحنا "وتغيّرت هيئته قدامهم" (متى 17:2). يمثل هذا المشهد صورة التجلي في صيغتها التقليدية. تحضر مدينة الناصرة، حيث نشأ المسيح وترعرع. على يمين المشهد تظهر جنين في الأسفل. حول أسوار القدس يظهر دير سعف النخيل الذي يقع في البلدة التي مرّ فيها المسيح قبل أن يدخل بين عنيا حين كان آتيًا من أريحا إلى أورشليم. على مسافة قصيرة من مدخل الباب المؤدي إلى القدس يرتفع دير النبي أليشع الواقع على الطريق بين القدس وبيت لحم خلف دير سمعان. يقع دير آخر يحمل اسم القديس جاورجيوس الخوزيبي، عند الجانب المقابل في الأسفل يجلس النبي إيليا بجانب الدير. يرتفع ضريح راحيل فوق هذا الدير. عند الطرف السفلي الأيمن للخريطة يحضر القديس جاورجيوس في المشهد التقليدي في قرية الخضر الواقعة غربي بيت لحم. في المشهد التقليدي المتوارث يحضر القديس جاورجيوس وهو يصرع التنين. عند طرفي القسم الأسفل من اللوحة ترتفع مدينتان منمنمتان تمثلان يافا وغزة على اليمين. بالقرب من يافا هنالك بئر عند مشارف نابلس حيث التقى يسوع بالمرأة السامرية. تظهر مدينتا اللد والرملة فوق يافا بينما تظهر نابلس والسامرة بمحاذاة البئر. يضم مجمّع كنيسة القيامة كنيسة الجلجثة، أي موقع الصلب. كنيسة إنزال المسيح عن الصليب، وكنيسة القبر المقدّس، تقع الكنيسة الرئيسية التي تُعرّف باسم الكاثوليكون، وتُعدّ سرة الأرض. تظهر صورة المسيح المصلوب بين مريم العذراء ويوحنا الحبيب في كنيسة الجلجثة. إلى يمين الخريطة، نرى ملاكًا جالسًا يبشر بولادة المسيح. تحت هذه الصورة يظهر الطفل يسوع وسط مريم ويوسف، عند مدخل كنيسة المهد، وهي الكنيسة التي بنتها القديسة هيلانة في القرن الرابع فوق المغارة التي ولد فيها المسيح في بيت لحم. تظهر بيت جالا أسفل الكنيسة. تماثِل هذه اللوحة بشكل كبير لوحة من الطراز نفسه أُنجزت في عام 1704، وهي محفوظة في متحف سومور في فرنسا.




هذه حكاية لوحة بانورامية لرموز الدين المسيحي وتاريخية مراحله الأولى. لاحقًا أدّى التطور الذي لحق بالصور الأيقونية إلى حلول خرائط الحج مكانها، فتحولت خرائط الحج التذكارية إلى أيقونات من نوع جديد عُرّف باسم أيقونات الحج.
في صدر قاعة دار النمر، حيث المعرض، تتصدّر خريطة تمثّل الأراضي المقدسة من ستة أجزاء وموجهة نحو الشرق، تبدأ من الطرف الجنوبي للبحر الميت إلى مرتفعات الجولان ولبنان الحديث. أعدّها عام 1662 الهولنديان جوهانس جونسون، وجورجيوس هورنيوس، وهي نسخة موسعة ومكبرة من مخطط أصغر لكريستيان فان أدريتشيم رسمها حوالى عام 1590. أما "ميلاد والدة الإله" فلا تحمل توقيعًا سوى أنها يونانية من القرن الثامن عشر، أو التاسع عشر، ويشكّل هذا الحدث عيدًا من الأعياد الكبرى، وهو أول أعياد السنة الطقسية الأرثوذكسية. ومثلها أيقونة "ولادة الطفل يسوع"، وتعود للقرن التاسع عشر، وبلا توقيع.
ومن الأيقونات التي تنثر أنوارها في قاعة دار النمر نختار: "الظهور الإلهي"، حيث ــ حسب التعريف ــ يطل المسيح منتصبًا في صدر الأيقونة وسط مياه الأردن، راسمًا بيديه إشارة مباركة، ويحيط به يوحنا المعمدان وثلاثة من الملائكة. وفي القسم الأعلى من الأيقونة يظهر الأب في هيئة شيخ جليل، وتشكّل هذه الصورة خروجًا عن التقليد الذي يمنع تصوير الأب، و"الشعانين"، "صلب المسيح"، وأيقونات من الرسل كفيليب، ويعقوب، ويوحنا، وتوما، ومرقص، والقديسان أنتيباس ويعقوب الفارسي، والقديس سبيريدون، وكذلك ثلاث أيقونات للنبي الياس، والقديس جاورجيوس "الذي يمتطي حصانًا أبيض، ويمسك بيديه رمحًا طويلًا ينغرس طرفه الأسفل في فم تنين ذي جناحين أرجوانيين، وأيقونة للقديستين بربارة وكاترينا، إلى مجموعة من صلبان عرق اللؤلؤ (أواخر القرن الثامن عشر وبدايات القرن التاسع عشر) وباب خشبي من الزيتون من بيت لحم.

***

في المعلومات أن متحف اللوفر سيفتتح قسمًا خاصًا للفنون المسيحية المشرقية اعترافًا منه بأهمية هذه الفنون الكبرى. كما أن المعهد الكاثوليكي في باريس بات يدرّس مادة الفن المقدس، وهي من الفنون التي سبقت عصر النهضة.

أما في فلسطين، فقد عمل أنطون منصور من بيت لحم، وهو مقيم في بيروت، على ترميم أحد بيوت عائلته في بيت لحم قبل عشر سنوات، وأسّس مدرسة الأيقونات لإحياء فن الأيقونغرافية الفلسطينية منذ المرحلة البيزنطية إلى الكنعانية، ولكن باستخدام اللغة العربية، والرموز الفلسطينية. ومع أن عدد الطلاب لا يتجاوز الثلاثين، وبسبب أزمة كوفيد، فقد تأثرت المدرسة ونتاجها من الأيقونات، وأصيبت بالتراجع، وتناقص أعداد السياح والحجاج، وأيضًا بسبب الأوضاع المادية والسياسية المتردية في فلسطين. لكن أنطون منصور وزملاءه أسسوا أيضًا لصفوف تدريس فن لوحات الفسيفساء، والخط العربي، وذلك لاجتذاب الأطفال وتعليمهم هذه الفنون الجميلة، وخلق أجواء مريحة لهم. إضافة إلى تعليمهم فن الصدف الذي يتميز عن فن الصدف الدمشقي بأنه في بيت لحم يعتمد تقنيات متطورة، وهي: "أنتارسيا"، أي المطعّم، و"الانجريفنج"، أي الحبر، و"الكارفينغ"، أي الحفر، و"الفليغري"، أي التخريم. ولذلك تعد المدرسة الفلسطينية للصدف من أهم المدارس في العالم.

الدخول

سجل عن طريق

هل نسيت كلمة المرور؟

أدخل عنوان بريدك الإلكتروني المستخدم للتسجيل معنا و سنقوم بإرسال بريد إلكتروني يحتوي على رابط لإعادة ضبط كلمة المرور.

شكرا

الرجاء مراجعة بريدك الالكتروني. تمّ إرسال بريد إلكتروني يوضّح الخطوات اللّازمة لإنشاء كلمة المرور الجديدة.