رحل يوم الجمعة 29 آب/ أغسطس 2025، في العاصمة الفرنسية باريس، الفنان التشكيلي، الناقد والباحث الجمالي أسعد عرابي (1941 ـ 2025). كان الفنان الراحل سوري السيرة والانتماء الفني، نظرًا لنشأته الثقافية، وبداية تكونه الفني في دمشق، إضافة إلى ارتباط عوالم لوحاته بسمات وعادات سورية. في تصريح له ذكر "أنا لبناني الجنسية، وسوري الانتماء الفني نسبيًا".
جمع الفنان الراحل الجرأة إلى المهارة، والكتابة إلى التصوير، والفرنسية إلى العربية الأم، والتجريب إلى التقليد المحلي.
كان في كل ذاك الحالم والخبير، المسافر والسائل، الخالق والمصغي إلى الجديد، ابن ما هو محلي من جهة، والفتى الهارب من الضيق والتكرار من جهة مقابلة. من النادر في زمننا المعاصر جمع كل هذه الصفات في شخص واحد.
ولد أسعد عرابي في دمشق عام 1941 لأسرة ذات أصول لبنانية (من مدينة صيدا)، وتخرج في كلية الفنون الجميلة في جامعة دمشق قبل أن ينتقل إلى باريس عام 1975. وهناك حصل على دبلوم في التصوير الزيتي من المدرسة الوطنية العليا للفنون الجميلة، ودكتوراة في علم الجمال من جامعة السوربون.
تجمع أعماله، وهي متنوعة بشدة، وتتقدم على نفسها ما بين عمل وآخر ومرحلة وأخرى، بين عناصر تصويرية حافلة بسخاء لوني حار، وأخرى تجريدية صافية تبدو كما لو أنها مؤلفة من مواد موسيقية. مردُّ الأمر أن عرابي سعى إلى تأويل المعاش والذاكرة وفق أسس تجريدية مرنة وحيوية. هذا يمكن أن يقال أيضًا في سلسلة لوحات خص بها الموسيقى وأم كلثوم وفرقتها بالحفاوة والتقدير.
تُعدّ الموسيقى مصدر إلهام رئيسي لفنه ورؤيته النقدية والجمالية، إذ يصف العلاقة بين الموسيقى والشكل بأنها بديهية: "لطالما شعرتُ بتلك العلاقة بين الموسيقى والشكل. عندما أستمع إلى الموسيقى، بوسعي أن أتخيّل أشكالًا معينة ترتسم معالمها. وعندما أتأمل المدينة، أشعر بإيقاعها الموسيقي". وفي حديث مع صحيفة "العربي الجديد" عام 2023، أضاف قائلًا عن هذه العلاقة الوثيقة: "لو لم أكن مصوِّرًا لكنتُ موسيقيًا. بل إنّ سِرّ تصويري هو ارتباطه العضوي بالإيقاعات والألحان، شرقية وغربية، من زرياب وباخ إلى أم كلثوم. كنت سابقًا قد درستُ عامًا كاملًا الموسيقى الشرقية، وعامًا آخر مبادئ الموسيقى الغربية، كذلك فإنني أستمع إلى الموسيقى يوميًا بشكل جادّ، أي ليس للمصاحبة، بل من باب المعرفة. الموسيقى تغذّي تصويري انطلاقًا من الوجدان والوجد، ووصولًا إلى الوجودية، وهي أيضًا تغذّي شغفي الكبير بفلسفة علم الجمال".
الموسيقى والتصوف الفلسفي الطابع ليسا بعيدين عن الرغبة والشهوة الحسية. هكذا جاءت الأجساد المرغوبة والمشتهاة في لوحات أسعد عرابي. جاءت من عالم قديم، بدائي ربما، لكنها أيضًا قادمة مما هو معاصر ومعاش. غير أن الحسية الشهوية الطابع لدى الفنان الراحل مدعاة تأمل أكثر من كونها حسية للإثارة الميكانيكية المباشرة. نحن أمام عالم انفعالات عاطفية مختلفة، لكنها أيضًا نغمية التكوين ومدرجة في سياق أوسع من كونها أجسادًا مشتهاة فحسب.
من هنا يمكن رؤية الجانب الشاعري في التصوير. كان الراحل واسع الاطلاع على التراث الإسلامي بشقيه الصوفي والشعري. أدرج الشعر في اللوحة من دون ذكره. قد يكون ذاك اسمًا آخر للوحة القصيدة، وللوحة المشهد التمثيلي والمسرحي. تجربة أسعد عرابي أدت الى صناعة لوحة حسية متعددة الأبعاد، فيها من التجريد ما فيها من القرب العاطفي والانفعالي، وفيها من الطاقة الشغوفة ما فيها من رغبة التجاوز والتحليق الى مرامي أرحب.
حاملًا ذكرياته الكثيرة عن سورية ـ الشام وأسلوب الحياة المحلية، قدم صيغة فريدة مزجت بين التمثيل الواقعي المحض والتجريد الذي هو بمثابة هيكل وحامل. لم يكن التجريد لدى عرابي هدفًا في حد ذاته، بل كان إمكانية خصبة لتوليد شكل جديد مما هو محلي وبسيط ومعاش.
سعى الفنان والناقد الراحل إلى توسيع أفق الفن والبحث الجمالي، عبر دمج الألوان والأشكال مع الحركة الموسيقية، مما منحها سخاء توليديًا، وأبعادًا صوتية جديدة. يأتي الصوت من اللون كما لو أنه يولد منه، اللون منبع موسيقي، لكنه لا يتكرر، إنه يحدث ويرى لمرة واحدة فحسب، وما على الفنان سوى التقاط تلك الشعلة اللحظة المتفردة.
لا يقتصر أسلوب عرابي على السياقات المحلية، بل يجد طريقه أيضًا إلى المعارض والمتاحف العالمية المرموقة. تُعرض أعماله في معهد العالم العربي بباريس، والمتحف الوطني في نيودلهي، وبرشلونة للفن المعاصر، بالإضافة إلى متاحف أخرى في أميركا، وكوريا، والإمارات العربية المتحدة. تعكس هذه المعارض مدى التقدير العالمي لأعماله الفنية وإثرائه المشهد الفني المعاصر.
أقام أكثر من 30 معرضًا في عواصم مهمة عديدة، منها القاهرة، بيروت، دمشق، الرياض، وباريس. وإلى جانب عمله كفنان كان ناقدًا وكاتبًا صحافيًا، كتب لعدد من الصحف، منها موقع "ضفة ثالثة"، وصحيفتا "الحياة"، و"الشرق الأوسط".
يعد أسعد عرابي واحدًا من الفنانين الذين جدّدوا الفن العربي ورفعوه إلى مستوى جدير ومواز لقامات ومدارس فنية عالمية. كما ترك كتبًا عدة، منها "التجريد في الفن الحديث"، و"معنى الحداثة في اللوحة العربية"، و"المصور في مرآة الناقد"، وكذلك كتاب "من الرمزية إلى التجريد".


تحميل المقال التالي...