}

مكتبات المطالعة العمومية في الجزائر... متى تصبح "فضاءً ثالثًا"؟

هنا/الآن مكتبات المطالعة العمومية في الجزائر... متى تصبح "فضاءً ثالثًا"؟
المكتبة الوطنية الجزائرية

 

على الأغلب، إذا قمت بزيارة ثلاث مكتبات للمطالعة العمومية في الجزائر خلال ثلاثة فصول مختلفة من السنة، ستجد المشهد يتكرر مع اختلاف التوقيت. في أيلول/ سبتمبر، يستقبلك الموظفون بالقول إن تسجيلات البكالوريا انتهت، وحين تشرح أنك لست طالبًا وإنما راغب في الاشتراك من أجل المطالعة، يمنحونك قصاصة صغيرة تتضمن وثائق الملف، لكن بملامح يغلب عليها الاستغراب وكأنك أوّل من يسجل من خارج فئة طلاب البكالوريا. وفي آذار/ مارس، مع بداية الربيع، قد تصادف إعلانًا لتنظيم حصص مراجعة مجانية موجهة حصرًا لطلبة البكالوريا. وحين تشرح أنك غير معني بهذه الدروس، وإنما جئت للمطالعة فقط، يستقبلك الموظفون بترحيب ممزوج بالدهشة وكأن وجود قارئ عادي أمر نادر الحدوث. أما في الصيف، وبالتحديد شهر يوليو/ تموز، وبعد انتهاء حفلات تكريم الناجحين في امتحان البكالوريا، ستبدو بعض المكتبات خاوية، وسيخبرونك أن التسجيل لم يفتح بعد.

هذا الواقع يعكس حال أغلب مكتبات المطالعة العمومية في الجزائر، باستثناء قلة قليلة تحاول تنشيط نفسها عبر تنظيم فعاليات للأطفال والشباب لتحفيز القراءة وإحياء الفضاء. وفي الوقت الذي تحاول هذه المؤسسات المقاومة، أعلنت وزارة الثقافة، مؤخرًا، عن صدور مرسوم يقضي بإنشاء 15 مكتبة مطالعة عمومية جديدة عبر عدة مناطق من الوطن. لكن السؤال المطروح، ليس عن عدد المكتبات ولكن متى ستصبح "فضاءات ثالثة" بالمعنى الذي تحدث عنه عالم الاجتماع الأميركي راي أولدنبورغ؟

المكتبة بعد العمل والبيت

توصف المكتبات العمومية في كثير من الأدبيات الحديثة بأنها "الفضاء الثالث" للناس؛ أي ذاك الحيّز الذي يأتي بعد البيت ومكان العمل، ويمنح الأفراد فرصة للقاء والتفاعل خارج دوائرهم التقليدية.

وتُبرز "نظرية الفضاء الثالث" لعالم الاجتماع راي أولدنبورغ أهمية وجود أماكن محايدة في حياة الناس، ويرى أولدنبورغ أن الإنسان يحتاج إلى "فضاءات ثالثة" خارج المنزل والعمل، تتيح له اللقاء والتفاعل وبناء العلاقات الاجتماعية بعيدًا عن الطابع الرسمي. وتشمل هذه الفضاءات المقاهي والحدائق والأسواق، وتُعتبر المكتبات العمومية أحد أبرز تجلياتها. فهي ليست مجرد رفوف كتب، بل فضاءات مفتوحة للجميع، تتيح التعارف وتبادل الأفكار، وتكسر العزلة الاجتماعية. كما تمنح فرصة لتعلم مهارات جديدة والمشاركة في أنشطة ثقافية ومجتمعية، لتتحول بذلك إلى ركيزة أساسية في بناء مجتمع متماسك.

غير أن هذا الدور يتعرض اليوم للتآكل في كثير من مكتبات المطالعة العمومية الجزائرية، بسبب أزمة المقروئية وتراجع الإقبال عليها، فأصبحت فضاءات هامشية بدل أن تكون مراكز للمعرفة والحوار الثقافي، فكيف يمكن أن تستعيد المكتبات العمومية دورها التاريخي كمنابر للمعرفة ومتنفس للحياة الثقافية والمواطنة الفاعلة؟

في الواقع الأزمة عندنا ليست في الهياكل، وإنما في التسيير والقدرة على إنعاش هذه الفضاءات الثقافية، إذ تنتشر مكتبات المطالعة العمومية عبر مختلف المدن الجزائرية، كمؤسسات ثقافية تابعة لوزارة الثقافة والفنون، تفتح أبوابها للمواطنين بالمجان أو باشتراك رمزي، وتقدم خدمات متنوعة تشمل استعارة الكتب والمطالعة داخل القاعات، وتنظيم ورشات ثقافية وفنية ومحاضرات ومعارض للكتاب. كما تضم مجموعات باللغات العربية والأمازيغية والفرنسية والإنكليزية، وتتيح أحيانًا قاعات للإنترنت وتدعم البحث الجامعي.

سارة بانة/ صهيب حجاب



بناء جيل يقرأ... لانعاش المكتبات

وفي هذا السياق، قالت الكاتبة والصحافية سارة بانة، صاحبة رواية "الملك"، في حديث مع "ضفة ثالثة" أن إنشاء مكتبات جديدة يعتبر خطوة مهمة، لكنها غير كافية ما لم يُنشأ جيل قارئ بالأساس.

وتوضح: "ناقوس الخطر قد دُق في الجزائر، لأن تراجع نسب القراءة يؤدي على المدى البعيد إلى إفلاس المجتمع فكريًا. من ابيضت كتبه ابيضت راياته. نحتاج أولًا إلى إعادة النظر في المناهج الدراسية والإصلاح العميق للمدرسة الجزائرية، لجعلها منطلقًا لفضول الإنسان لا نهايته عبر التلقين والحفظ". وتضيف: "متى ما عاد السؤال الوجودي للإنسان وشعر بالحاجة للبحث عن جواب تحرك نحو العلم. أما بقاء الفرد مقتنعًا بعدم أهمية التساؤل، فهو المشكل الحقيقي. أعيد وأكرر: يجب أن نعيد النظر في عملية تنشئة الفرد".

من جهتها قالت الدكتورة الكاتبة زياني لبيّة، في حديث مع "ضفة ثالثة"، إن القراءة غذاء للعقل، ومشكاة في ظلمات الجهل، وسراج العارفين، وكنز للباحثين، وقد أولى الإسلام عناية خاصّة بالقراءة، فكان خطابه مباشرا للنّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم في قوله "اقرأ"، ومردّ هذه العناية أهميّة هذا النّشاط ومزاياه التي تسهم في تنمية قدرات الإنسان، وتفعيل دوه في المجتمع، فلا يستوي الذي يعلمون والذين لا يعلمون. 

وعن المكتبات، توضح الدكتورة: "فعل القراءة قد يكون في البيت أو الشّارع أو المقهى، أو المدرسة، ولكنّ أفضل الأماكن هي المكتبة، ففيها يسكت اللّسان ويعلو صوت العقل والفكر للتّفكير وممارسة هذا النّشاط الذي يتطلّب جهدا متميّزًا، وعقليا، فالمكتبة وجهة للقارئ والباحث، وطالب العلم، والمثقّف، ورجل الدّين، ينهلون منها المعارف والعلوم، ويتبادلون الأفكار، يتجادلون حينا، والكثير من الكتب والرّوايات ولدت من رحم المكتبات العمومية، فأزمة القراءة وفراغ بعض المكتبات هي أزمة مؤقّتة سيتداركها الجميع". 

وتؤكد الكاتبة زياني على أن الأمة التي تقرأ تصنع مجدها، وتبني صرحها بين الأمم، ولا تستعبد أبدا، فالقراءة سلاح، وكلّما زاد الوعي بهذه الفكرة تغيّرت عقليتنا، واتّجهنا إلى المكتبة لنخاطب الوعي الذي بداخلنا، فراهن هذه المأساة يمكن تجاوزه إذا ما غرسنا في أجيالنا حبّ القراءة، وتفعيل دورها في تنميّة قدرات أبنائنا، ونجعل نبراس الكلمة يضيء دروبهم في محافل تعنى بهذا النّشاط.

وتختم حديثها بالقول: "نحتاج في كلّ زاوية مكتبة حتّى نذّكر أنفسنا بأنّنا بحاجة إلى الكتاب والقراءة، ولعلّ قرار وزارة الثّقافة يصب في هذا الإطار لنسمح للأجيال القادمة ببناء أمّة تقدّس القراءة، وتسمو بنفسها إلى التطوّر، لكي نقلّص هذه الفجوة، ونكون أمّة اقرأ". 

وفي ذات السياق، تحدث صهيب حجاب، وهو مثقف جزائري شاب، لـ"ضفة ثالثة" عن مكتبات المطالعة العمومية، مؤكدا على دورها المهم جدا في تطوير الوعي خاصة للشباب، موضحا: "بالنسبة لي أعتقد أن مكتبات المطالعة العمومية مهمة جدا خاصة للشباب كفضاء محوري يستفيدون فيه من عدة خدمات مختلفة ويتيح لهم الفرصة لاكتشاف مواهبهم وأيضا ممارسة هواياتهم في المطالعة والفنون التشكيلية وتنظيم مختلف الفعاليات، إنها بالنسبة لي فضاء لتبادل المعارف والخبرات".

ويؤكد صهيب: "لا أعتقد أن هناك أزمة نقص مكتبات في الجزائر، ولكن هناك أزمة في تأطيرها وتنشيطها، فأحيانا تغيب الأنشطة والبرامج والفعاليات وهذا ما يجعلها مهجورة وخالية، يجب تحفيز القراءة من خلال تبني المبادرات المختلفة، وتشجيع المطالعة والترويج الاعلامي، تشجيع الأطفال بمبادرات غرس ثقافة المطالعة".

ورغم أن واقع مكتبات المطالعة العمومية في الجزائر يبدو قاتمًا، بقاعات شبه فارغة وفعالية محدودة جدًا، ودور لا يكاد يرى، فإن الأمل ما يزال قائمًا في أن تستعيد هذه الفضاءات دورها الحيوي، ليس بإنشاء خمس عشرة مكتبة مطالعة عبر ولايات مختلفة فقط، ولكن بمرافقة ذلك بإصلاحات عميقة تمس التسيير والبرامج الموجهة للجمهور. فالمكتبة ليست جدرانًا ورفوفًا وحسب، بل كيان حيّ يحتاج إلى روح تُنعشه بالأنشطة والورشات والمبادرات التي تشرك القارئ وتجذبه ليصبح جزءًا من فضائه الثقافي. 

ويبقى انتعاش المكتبات العمومية وتحولها إلى فضاء ثالث محايد ومفتوح للجميع، مرهونًا بإعادة تنشئة الفرد على حب القراءة منذ المدرسة، وغرس قناعة راسخة بأن القراءة هي ركيزة بناء مجتمع حر ومتماسك.  

 

الدخول

سجل عن طريق

هل نسيت كلمة المرور؟

أدخل عنوان بريدك الإلكتروني المستخدم للتسجيل معنا و سنقوم بإرسال بريد إلكتروني يحتوي على رابط لإعادة ضبط كلمة المرور.

شكرا

الرجاء مراجعة بريدك الالكتروني. تمّ إرسال بريد إلكتروني يوضّح الخطوات اللّازمة لإنشاء كلمة المرور الجديدة.