انطلقت عبارة "الجوع كافر" من تحت الركام صرخةً تدوي بين الفلسطينيين تعبيرًا عن حالة التجويع المستمرة من قبل الاحتلال الإسرائيلي، فهي عبارة لا تجسّد أغنية من أعمال زياد الرحباني التي تحاكي المظلومين في كل جبهات الحياة والحرب والمقاومة، بل أضحت شعارًا يستخدمه الفلسطينيون في غزة وخارجها للتعبير عمّا يعيشونه. فالجوع كافر، والتجويع هو الكفر والظلم بحد ذاته، وهو جريمة حرب، وكل ما يؤدي إلى تجويع السكان المدنيين، سواء أكان منع دخول الغذاء أو تدمير الزراعة وبنيتها التحتية أو فرض الحصار العسكري والاقتصادي أو استهداف مصادر المياه، هو جريمة حرب.
لقد وُصف الجوع بأنه كافر، ونحن نصف التجويع بأنه جريمة وإرهاب وجهل، إلى أن أصبح وصفه شعارًا يرفعه الفلسطينيون في غزة، وهم ليسوا "كفارًا" كما تشير الأغنية، بل محبّون للحياة حتى اللحظات الأقسى في تاريخ البشرية. اخترق الشعار منصات التواصل الاجتماعي بينما كان أنين الجوع يعلو يومًا بعد يوم، فتحدثوا عن الكفر بتجويعهم واضطرارهم إلى تلقّف المساعدات التي سمح بها الرأسماليون الكولونياليون. للضعفاء بدت بطولةً وبدت دناءةً في الوقت نفسه؛ تحول العفيف إلى متسول لا يجد قوته ولا طعامه، فسمح للموت أن يكون سهلًا للجياع، حتى الحاويات فارغة من فتات الطعام.
"الجوع كافر"... لكن غزة ممتنّة
شكّلت الكتابة تحت الإبادة هاجسًا لدى المثقفين والكتاب، ومنهم الفنان والكاتب علي أبو ياسين، أحد مؤسسي المسرح الفلسطيني المخضرمين في غزة، لكن حالة التجويع القاسية أوقفته مؤخرًا عن الكتابة. ومع ذلك كان شغوفًا حين هاتفته لأعرف أثر زياد على الفنان والمثقف الفلسطيني، فقال لي بحماس: "نحبه لأنه في أغانيه وحواراته منحاز للفقراء وصادق بشكل كبير وجريء جدًا، هذا سبب عشقنا لزياد. هو إنسان استثنائي قلّما يجود الزمان بمثله، وعلينا أن ننتظر طويلًا. ورغم أنه عاش في ظلال والدته فيروز، الفنانة الكبيرة بصوتها السماوي، إلا إنه حقق هذا الحضور الطاغي، بل وغيّر في إيقاع أغاني فيروز مثل "كيفك إنت" و"ع هدير البوسطة". كان يستقرئ المستقبل، وله فلسفة خاصة تصلح لكل العصور. وكان أول درس لنا في المسرح هو ألّا تكون إجاباتنا تقليدية، تمامًا كما كان يفعل زياد فيصدمنا بأعماله. فقدنا قامة كبيرة، وسيترك فراغًا لا أحد يستطيع سده، وستعيش أعماله طويلًا".
لخّص أبو ياسين زياد فكرةً وأثرًا وإصرارًا على الخروج عن المألوف، لا سيما بحضوره الفني الطاغي، رغم أن والدته هي فيروز، أسطورة صباحاتنا ورفيقة قهوتنا وتأملاتنا، سكوننا وهدوءنا وأحيانًا غضبنا.
في فلسطين هناك شغف خاص بزياد، نصيرها فيما تعيشه تحت شتى أشكال الظلم المادي والمعنوي، والقصص الإنسانية التي تبدو مميتة لكنها تزيد من تشبّثنا وتعلّقنا بهذه الأرض. لذلك قال زياد مرة: "لا أحد سيحرر فلسطين سوى أهلها". جملة غير معترضة، بل تعني ما هو حاصل فعلًا، لكنها بالتأكيد لا تعني أن يبقى العالم متفرجًا يصفق من بعيد للناجين.
في حديثه البسيط القوي تبرز دومًا فلسفة ثورية مختلفة، تشبه لغة المناضل الكوبي تشي جيفارا والمناضل الهندي مهاتما غاندي، لكنه اختار شكلًا مختلفًا في التعبير عبر الموسيقى، بقوة وحضور لا مثيل له في الوسط الفني العربي وربما الدولي، فهو ظاهرة كما وصفه الكثيرون.
يقول زياد الكلام كما هو، فيصلح لغزة والسودان والصومال ولكل الجياع والمنكوبين في هذا العالم. ولم يتردد في مقابلة تلفزيونية أن يقول إن أسطورة لبنان "فيروز"، واسمها الحقيقي "نهاد وديع حداد"، من عائلة حداد التي نزحت في الغالب من فلسطين إلى لبنان، في إشارة إلى جذورها الفلسطينية.
ألحان زياد في المنهاج الفلسطيني
تحتل ألحان وأغاني الموسيقار الرحباني حيزًا في المنهاج الموسيقي في المؤسسات الأكاديمية والفنية في فلسطين، وكان لأعماله أثر كبير في المشهد الفلسطيني فنيًا ووطنيًا وفكريًا، وكان وداعه قاسيًا، لكن استحضاره يبقى ملهمًا بالتأكيد.
يندرج اسم زياد عضوًا في المجلس الفخري لمؤسسة يبوس الثقافية، كبرى المؤسسات في القدس، وذلك إثر زيارة قبل سنوات لمديرة المؤسسة آنذاك رانيا إلياس إلى استوديو زياد في بيروت. وقد حدثني الموسيقار الفلسطيني ومدير عام معهد إدوارد سعيد الوطني للموسيقى سهيل خوري عن الزيارة فقال: "من خلال صديق مشترك ذهبت وزوجتي رانيا إلى استوديو زياد في شارع الحمراء. قال لنا الصديق: إذا فتح لكما الباب فأنتم محظوظون، وإذا استطعتما الجلوس عشر دقائق فهو أمر جيد أيضًا، وإذا أحبكما سيجلس معكما مطولًا. وفعلاً تمت الزيارة واستغرقت ساعتين تقريبًا".
وأضاف: "كنت قد لحّنت أغنية "سلام لغزة" لفرقة بنات القدس، أسمعتها لزياد، فعبر عن سعادته بها وبالجوقة، معلّقًا أنه لا يوجد مثل هذه الجوقة المكوّنة من صبايا في لبنان. وفي اللقاء دعته رانيا ليكون جزءًا من المجلس الفخري لمؤسسة يبوس، فوافق مباشرة".
وعن الأثر الذي تركه زياد في فلسطين قال خوري: "يعتبر رحيله خسارة كبيرة ومبكرة وهو في قمة عطائه. الكثير من موسيقيي هذا الجيل يتبعون مدرسة زياد، نستطيع تلمس أثر موسيقاه وأسلوبه، فهو حالة لا تُصنّف بأنها ساخرة أو اجتماعية أو وطنية، بل يؤلف ويُنتج ما يعيشه. ومن أبرز الفرق الفلسطينية التي تأثرت به ’فرقة صابرين’".
يعتبر الموسيقيون الفلسطينيون زياد حالة فريدة، وقد حدثني الموسيقي تامر الساحوري، المدير الأكاديمي للمعهد، عنها فقال: "هو حالة تمزج بين العمق الفني والنقد الجريء واللغة الموسيقية المتجددة، وقد انعكست على المنهج الأكاديمي لدينا، سواء كأغانٍ تُؤدّى، أو كمادة تعليمية قائمة تُدرّس من حيث البناء اللحني، والبنية المقامية، والإيقاع، والتوزيع، والأسلوب التعبيري".
تدخل مقطوعات زياد ضمن مساقات المعهد الموسيقية الخاصة بالجوقة، وفرق التخت الشرقي، وحصص الصولفيج والتحليل، وامتحانات العزف على الآلات العربية كالعود والناي والقانون. وقد اختار المعهد عددًا من مقطوعاته لتُدرّس بشكل منتظم، ومنها أعمال من ألبوم سهرية مثل: "رقصة"، "تحيات"، و"قصقص ورق"، إضافة إلى أغانٍ شهيرة لفيروز من ألحانه مثل: "سألوني الناس"، "كيفك إنت"، "البوسطة"، "عودك رنان"، فضلًا عن أغانٍ بصوته تركت أثرًا فنيًا ومجتمعيًا عميقًا مثل: "شو هالأيام"، "أنا مش كافر"، و"بما إنو". ولا يغفل المعهد الجانب المسرحي في تجربة زياد الرحباني، فيُدرّس مثلًا "بالنسبة لبكرا شو" و"أنا مش كافر"، خاصة تلك التي أداها الفنان جوزيف صقر، كأمثلة على الجمع بين الأداء الغنائي والدرامي، ومن أبرز هذه الأعمال: "عايشة وحدك بلاك".
أكثر الفرق الفلسطينية تأثرًا بالرحباني
كان تأثير فن زياد واضحًا على أعمال "فرقة صابرين" التي تأسست عام 1980 في القدس، والتي تعتبر من أوائل الفرق الفنية الجادة التي شكّلت منجمًا موسيقيًا وغنائيًا للعديد من كتاب الأغاني والموسيقيين، والتي ساهمت في ارتقاء الأغنية الفلسطينية. وعن هذا الأثر حدثني الفنان والموسيقي سعيد مراد، مؤسس ومدير "فرقة صابرين"، فقال: "حمل زياد همَّ المضطهدين، بما فيها فلسطين. موضوعاته تمسنا، وهو جزء من محور المقاومة، والداعم لنا وللوجود الفلسطيني في لبنان. وفي البدايات، كان هناك ما نطلق عليه "الموسيقى الملتزمة والبديلة" التي تجسدت في أعمال الشيخ إمام ومارسيل خليفة وطبعًا زياد. ونحن كفرقة صابرين تأثرنا ضمن هذا المناخ الموسيقي بالراحل زياد، وقمنا بإنتاج موسيقى للشاعر طلال حيدر، صديق زياد، الذي كتب ’وحدن بيبقوا مثل زهر البيلسان’".
رحل زياد وترك أثره على الفن الفلسطيني، وغدا إرثًا يحمل صوتًا قويًا ضد الظلم ورغبة جامحة نحو تحقيق أحلام الفلسطينيين بالحرية...


تحميل المقال التالي...