ذات يوم بهيج رمى طفل نبيه ببصره نحو المدى، رأى في سديم العدم كتلة معدنية تخلو من كل قيم الجمال، سأل أمه، أباه، جيرانه، أتراب لهوهِ البريء: ما هذه العتمة التي تحجب عني شمس الحياة؟ فأجابوه: إنها الإف 35!!
كبر الطفل ومات... جاء بعده طفل جديد كبر ومات... حظوظهما كانت أحسن من أطفال ماتوا قبل أن يكبروا... ظل يكبر الأطفال ويموتون، أو يموتون قبل أن يكبروا، إلى أن جاء طفل قرر أن يوقف موت الأطفال، أو يوقف عربدة الحديد على سماء الحكايات، ليكتشف أن السماء المقهورة بـ(الإف 35)، هي نفسها المجبورة أن تُعلّق القانون، بل كل القوانين، فأميركا التي افترض صناعها (سرّاقها) أنها أرض بلا شعوب، هي نفسها التي لا ترى في السماء إلا حقلًا لتجارب آخر تقليعاتهم من أجيال الطائرات المقاتلة المدمّرة كل معنى طيب في الدنيا نحو دروب الآخرة. سيعود مادورو إلى دياره، شبه موقن أنا من هذه النتيجة، وسوف يظل العار يلاحق ترامب إلى أن يهلكه، وجريمته الجديدة، ستوقظ، من غبائه، عيون القضاء عليه، وهو الذي ارتكب جريمة الهجوم على (الكابيتول) بعد فوز (المخرفن) بايدن عليه في انتخابات 2020، ومع إضافة جريمة مشاركته بالإبادة الجماعية بحق أهل غزّة، فإن المسألة لا تعود تقاس بحجم مجاملة أقزام الكوكب له ولجرائمه ولبشاعة أميركا، بل بحجم منطق الأشياء وعدالة انضباط الإيقاع الكونيّ الذي حين تصل الأمور إلى مدياتها المنغلقة فإذا به ينفتح على أفق منير مستنير، هذا ما ينتظره مظاليم الكوكب، وهذا ما لا بد منه طال الانتظار، أو قصر.
الإف 35
البشعة الشريرة التابعة للجيل الخامس من حديد القتل وفولاذه في سماء الكوكب المتحفز عن قريب للتحرر من جرائم الولايات المتحدة الأميركية، هي طائرة نفّاثة صُمّمَت لتؤدّي مهام قصف ودعم جوي وسيطرة على الساحة الجوية مع تكامل بياناتٍ متقدّمٍ (sensor fusion) وقدراتِ ربطٍ شبكيّةٍ لتبادل المعلومات مع وحدات بحرية وبرية وجوية، بهدفٍ عمليٍّ ميدانيٍّ يتلخّص بدخول مناطق مُراقبة عالِيَة التهديد، واكتشاف، أو تحديد أهداف بعيدة، وتنفيذ ضربات دقيقة الإجرام، مع بقائها (مستفيدة من مواصفاتها وتكنولوجيا تصنيعها) داخل أطر أقلّ ملاحَظة مُمكنة. لديها (اللعينة) قدرةُ إقلاعٍ قصيرٍ وهبوطٍ عموديٍّ، ونظامٌ مروحيٌّ يقلّل من استهلاكها للوقود (علمًا أن آخر همّ أميركا كمية استهلاكها للوقود في ظل فتح عُرباننا كل مخازن وآبار واستراتيجيات وقودهم ونفطهم وكرامتهم وسيادتهم لسيدتهم أميركا). تحتوي موادًّا تمتصّ تأثير الرادارات RAM، خصوصًا، بسبب دهانها الذي يترك للرادارات توقيعًا منخفضًا في نطاقات مُحدَّدة وفق موجات سنتيمترية أساسًا، منجزةً في إطاراتٍ متكررةٍ ومدروسةٍ من ثنائية التجريب والخطأ.
تحتوي لتواصل تصغيرنا وتصغير الكوكب كلّه بدوله وتحالفاته ومحاوره وقاراته وصغاره، على عناصر خفية منها فوهة محرّك مُصمّمة لتقليل توقيع الأشعة تحت الحمراء والرادارية (nozzle sawtooth). كما أن مداخل هوائها مُهندَسةٌ لتقليل الرؤية المباشرة للتوربين، وصولًا إلى تحليقها في سماء الطيور والغيوم والأغاني بوصفها شبحًا تكاد تصل نسبة اكتشافه (نسبة إلى الشبح)، أو اكتشافها (نسبة إليها بوصفها امرأة أميركية شمطاء متخمة القبح والبدانة)، إلى الصفر حرفيًا.
ورغم كل هذا وذاك، فإن قدرة الرادارات الراصدة لها على اكتشافها، وتكتيكات تتبعها، وإن شاء الله، ثم صلابة إرادة أعدائها (وهم كثر، بل ربما هم كل أهل الكوكب باستثناء العصابات الصهيونية)، قد تفضي إلى تدميرها. وبالتالي فإن عوامل خارجية عن إرادتها يمكن أن تلعب دورًا مهمًا في تحجيم مدى إمكانياتها على تحقيق تفردها وعربدتها واحتلالها سماء الله بعد أن احتلّت أرض عبيده. هنا، ومن دون أدنى شكٍّ، تلعب حسابات البيع والربح والخسارة، وجسارة التصدي لتصنيعٍ عسكريٍّ باهظ الكلفات والتبعات والتكاليف، أدوارًا حاسمة في إبقاء هذه المقيتة القاتلة التي تفننت بقتل أطفال غزّة، مختالةً من دون منافسين، أو مجارين لسطوتها واستئثارها بكل هذه البلطجة واحتكار كل سرديات التدافع والتصارع والحروب والهجوم والاستهداف والاغتيالات وإلقاء أبشع الحمولات، وتوجيه أوضع الصواريخ والمقذوفات؛ ما يعني أن القرار بيد سكّان الكوكب من غير الغزاة الذين كانوا مطلوبين أو محكومين من سجناء أوروبا ومجرميها ممن أسسوا الولايات المتحدة الأميركية، وكذّبوا على العالم وعلى أنفسهم أن هذه الأراضي لهم، وأنهم سكّانها الأصليون، ثم فرضوا على أنفسهم وعلى العالم أن يصدّقوا هذه الكذبة التي لا تنطلي على طفل صغيرٍ فقير، وما يعني أن العالم، كل العالم، مطالبٌ بإيقاف بلطجة مجرمي أميركا عند حدّهم.
مجلس نوابهم كذبة، وكذلك مجلس شيوخهم، لغتهم كذبة وكان يمكن أن تكون لغة أخرى فهم لقائط من كل ما هب ودب، متاحفهم ليس فيها ما هو أقدم من 400 سنة ماضية، أشجارهم هي أشجار السكان الأصليين الذين أطلقوا عليهم وجاراهم باقي المنبهرين بالمغامرة الاستعمارية الأميركية، بإطلاق الاسم الذي أرادته أميركا على هؤلاء السكّان الأصليين: الهنود الحُمر!! أنهارهم هي أنهار السكّان الأصليين، ولكل نهر من أنهار السكّان حكاية وأسطورة واسم وقَسَم، بحيراتهم كذلك. وقد يكون الذي صنع الإف 35 آسيويًا، أو أفريقيًا، أو من أميركا الجنوبية، أو من سلالة قراصنة أوروبيين.
عار الكوكب أنه لم يستنهض هممه لصناعة ما هو أقوى وأبقى وأوفى من هذه الإف 35، ومن باقي عائلة الطائرات الأميركية التي تعربد على كل آفاق الكوكب وسط صمت يشعل الغضب ويدفع الأحرار إما إلى الانتحار، أو لتبنيهم، وحدهم، لا ناصر لهم، ممكنات مواجهة وحوش من طراز هذه الصناعات الباغية المعربدة السافلة. هذا ما تحاول أن تنجزه يمن صنعاء على سبيل المثال، وما يفكر فيه أبطال يقبعون، ينتظرون داخل أنفاق العبور إلى الأمل. ثوّار فيتنام، على سبيل المثال لا الحصر، استوعبوا ووعوا كل هذه المعادلات، فاجترحوا ما يعطّل التفوّق الأميركي المعدني المستفيد من تاريخ طويل من السرقات والتهليسات.
مرّة في الصومال الحرّة وليس ما يسمّى "أرض الصومال" المطبّعة، أو اللاهثة نحو التطبيع، مرّغ الأحرار طائرات أميركا وطياريها في التراب، وسحلوا طيّارًا بعد أن جرّدوه من ملابسه، ومن شيطنات أكذوبته، ولعل هذا الفيديو الذي يؤكد كلامي لن يجده أي باحث حتى لو قضى عمره يبحث عنه. يثير مشهد الإف 35 الرعب، لا شك في ذلك، حتى أنها تحاول أن تثير الاحترام، لكن لا الاحترام ولا الرعب في حالتها حقيقي، إنها مرض أميركي يحتاج إلى علاج، وعلاجه لا يتحقق إلا بمزيد من دحر أكاذيب المستعمر الجديد، الذي اكتشف أن من سجنوا أحفاده وأذلّوا رموز استقلاله قبل 250 عامًا، هم الآن مجرّد أتباع له، بعد أن سرق منهم نار المعبد، وفكّك مختلف أكاسير جبروتهم واستعمارهم القديم، فهل على العالم أن يواصل دفع فواتير استقلال أميركا عن سادتها من عموم أوروبا، وعلى وجه الخصوص بريطانيا وفرنسا؟؟!!
الإف 35 ليست إلهًا فنعبده، ولا قدرًا فنطيعه ونرفع لبشاعته الرايات البيضاء، إنه تحدٍّ حول كيف يمكن أن يواجه البشر العلم بالعلم، والتكنولوجيا بمزيد منها، والمواصفات بأعلى، والقاذفات بأردع، ودهاليز الموت بأوحش، ومسارات التفوّق بأذكى، والعين بعينين، أو أربع، أو ألف مليون، فبقاء مليار حُرٍّ فوق الكوكب، أجدى من بقاء ثمانية مليارات يتقهقرون كلما مرّت فوقهم الإف الفَتون. إن أي منجز علميٍّ صناعيٍّ لا يتحلّى بالأخلاق آفل، ولو بعد حين. إن أي طائرة تحلّق بالسماء لكي تقتل أبناء الأرض، أبناء الحياة قاتلة وليست مقاتلة.
بقي أن أقول في جزء الإف 35 من مقالي: إن أي معدن يستخدم لمأربٍ ضد البشر مكتشفيه ودافعي أثمان استخراجه من باطن الأرض هو معدن خائن يقبل التوافق مع صنّاع خائنين مجرمين مُفلتين من عدالة لم ترسم، بعد، معالم منطقها على الدنيا وما فيها ومن فيها. وإن أي معدنٍ يذوب داخل أجساد الطفولة المكلومة بالأسئلة، هو، حتمًا، معدن كريهٌ لا أخلاقيٌّ جبان.
البي 52...
على المنوال نفسه الذي تناولنا عبره حكاية الإف 35، التي لم أجد أي داعٍ للخوض في تفاصيل صناعتها، وتطوّرات أنواعها، وأجيال توارثها، فإن البي 52 Boeing B‑52 Stratofortress (القلعة الطبقية الاستراتيجية بحسب التبجّح الأميركي، ما يعني أنها ليست طائرة بل منصة عربدة جوية، وماكينة اغتصاب استسلامٍ فوقيّ) وفي سياقات لا تختلف كثيرًا عن سياقات باقي عائلات وتنوّعات سلاح الجو الأميركي الجبان، شكّلت، على مدى التاريخ المعاصر، بعبعًا فاجرًا لمدى قدرة الإنسان على صناعة أدوات الموت. إنها طائرة ولدت للحرب حيث إنها لا تعرف أي مفردة من مفردات السلام.
البي 52 حوّلت السماء إلى مخزن قنابل، والهواءَ إلى ممرٍّ عسكريٍّ، والغيمَ إلى شاهدٍ صامت، فإذا بالبي 52 لا تقصف موقعًا، بل تضغط على صدر الجغرافيا، تفرغ حمولتها كما تُفرغ الإمبراطوريات غضبها من دون أن تكون مضطرة إلى رؤية وجوه ضحاياها ممّن أسلمت أنظمتهم قيادها إلى ثورٍ مهجّنٍ هائجٍ بلا أصول نقية عريقة، ولا أدبيات مسؤولة عن معنى، أو دلالات تاريخية إنسانية عريقة. الثور الذي يحمل اسم البي 52 جهّز بمواصفات لا تعترف بحدود، ولا بقيم، ويظنّ هذا الثور، آثمًا، أنه فوق المساءلة، وخارج جداول العقوبات.
بلا استعجال، ولا مساءلة، ولا حاجة لأن ترى الوجوه، صنعت البي 52 إلهًا يرتدي قبعة الكاوبوي ثم عبدته. طائرةٌ صُنعت، أساسًا، للحروب النووية، ثم أُعيد تدويرها لقصف الفقراء، فإذا بها تحرم كوكب الأرض كلّه من أن يتنفّس هواءً طبيعيًا، راضيًا بالحدّ الأدنى من أشجار الوقار، وجيوب الذاكرة، ومحو الإنسانية، وإذا بها تتحوّل من خيارٍ استراتيجيٍّ افتراضيٍّ، إلى سلاحٍ منخرطٍ تمامًا في خدمة أطماع أميركا الاستعمارية، يقلق نخل العراق، يطبق على صدر نزعات إيران التحررية من التبعية الغربية، وإذا بها تصرّ على البقاء بعد فناء ضحاياها، والمفجع أنها استخدمت على مدى تاريخها الموتور في استهداف دول فقيرة لا تملك دفاعات جوية لائقة، ولا نوازع عدوانية تبرر قصفها، مجرد مجتمعات زراعية صناعية تسعى في مناكبها، تُقصف أحلامها من بعيد خارج نطاقات الدفاعات والرادارات، طائرات تخشى الاشتباك، بل تستعيض عنه بالغدر والترويع، تمامًا كما تستعيض عن الدقّة بالحصاد الجماعيّ ثقيل الأثمان القيمية الإنسانية، محتميةً من ثقل المراجعة الأخلاقية، ببعدها عن التحديق في وجوه ضحاياها.
ومنذ انخراطها في الخدمة قبل أزيد من 70 عامًا، فإن آخر ما يعني البي ومن صنعوا البي هو آلام البشر، ومآلات الأراضي المحروقة التي لا يسمن رمادها إلا عن اختلالٍ كونيٍّ تسبّب به سلاح الجو الأميركي على اختلاف أسماء طائراته ومسمياتها.
يراقب الطفل بوجدٍ دفين همسات الريح، يلوّح للطيور التي تحلّق في الأفق، لا يشنّف أذنيه لرنين أجهزة استشعارٍ غادرةٍ رابضةٍ عند أطراف المدينة، يسأل بأسى، ولكن بقدرٍ لافتٍ من الأمل: متى تصبح لنا أجهزتنا، وقدرات استشعارنا الكفيلة بحماية سماواتنا والذّود عن أرضنا وتاريخنا وحقوقنا وكراماتنا؟ يهتف بإصرارٍ يعرفه جيدًا أطفال غزّة: هذي السماء لي... موج البحر الطالع من موّال الأفق لي... عروس الفجر الساطع فوق الرمل لي... سرُّ الليل لي... ومشاوير النهار...
في المتعيّن من الزمن القائم ستواصل الإف 35 وباقي معادن القتل التغوّل على سديم الكوكب، وحين يسكت الناس على جريمة الخطف التي حدثت أمام كل العالم في فنزويلا، فهم، بالضرورة، يصمتون، عن أفعال متوقعة في أمكنة أخرى، متناسين قصة الثيران بألوانها الثلاثة، تاركين عصابة الشر تعربد مستخدمة اللغة الوحيدة التي ستركلها يومًا ما: القوة.
لست خبيرًا بالصناعات ولا باستراتيجيات الاستثمار، ولكن، ألم يحن الوقت بعد ليدرك الجنوب أن الوقت قد حان من زمان لإنتاج ما يسكت قراصنة السماء، ويجعل الشمال الظالم يُفحَم ويفهم أن الله حق والسيادة حق والكرامة حق والحرمات حق؟ لست خبيرًا بمنطق التحالفات، ولكن الأمر لا يحتاج إلى خبرات، أو درجات جامعية، لنصل إلى حقيقة لا لبس فيها أن تضافر جهود المتضررين من سياسات التركيع باتت فرض عين، وأن منعة بلاد العرب في وحدتها، ومنعة دول أميركا اللاتينية في وحدتها. حقائق تتكرّس كل يوم في طريقها نحو التحوّل إلى دروع صمود في وجه الوحوش.


تحميل المقال التالي...