}

مئوية السياب: جدل "الجمال والشخصية"

علي لفتة سعيد 9 يناير 2026
هنا/الآن مئوية السياب: جدل "الجمال والشخصية"
قبر السياب (Getty)

مع اقتراب مئويّة الشاعر العراقيّ، رائد الحداثة الشعريّة بدر شاكر السيّاب، أثارت تصريحاتُ ناقدة عراقيّة جدلًا واسعًا، حين ربطت شخصيّة السيّاب بعوامل "شكليّة"، معتبرةً أنَّ قِصَر قامته، وضعف بنيته الجسديّة، وأذنيه الكبيرتين، وملامحه التي لا تُصنَّف ضمن معايير الجمال الشائعة، قد أسهمت في تشكيل شخصيّةٍ ضعيفة، على خلاف شاعرتين مثل نازك الملائكة ولميعة عباس عمارة.
وقد أدَّت هذه التصريحات إلى انقسام الوسط الثقافيّ العراقيّ إلى قسمين؛ قسمٍ انتقد هذه المقاربة وعدَّها إساءةً شخصيّةً لا صلة لها بالإبداع، وقسمٍ آخر انتقد رافضيها، معتبرًا أنَّ الجدل لا يخرج عن كونه دفاعًا عن رمزٍ شعريّ، أو شكلًا من أشكال نقد "صنَميّة الأشخاص" في الثقافة العربيّة، حيث يتحوّل المبدع إلى أيقونةٍ معصومة من المساءلة.

البداية وردّة الفعل

الأمر بدأ بتصريحٍ للروائيّة بلقيس شرارة خلال حوار أُجري معها، وصفت فيه السيّاب بأنّه شخصيّة مهزوزة، وأنَّ شخصيّته تأثّرت بعوامل "شكليّة"، وأنّه قصير القامة وضعيف البدن، ثمّ انتقصت من شكله حين وصفت أذنيه بأنّهما كبيرتان، وهذا ما لا يعدُّ ضمن فئة الجمال، ممّا أثّر على شخصيّته وحوَّلها إلى ضعف، كما وصفته بأنّه شخصيّة محرومة من الحنان لوفاة أمّه، وأنّه كان يرى كلّ امرأة (حلوة بعيونه) ويكتب لها قصيدةً، وقد استبعدت أن تكون له ملهمة بما فيها ما عُرف بعلاقته بالشاعرة لميعة عباس عمارة.
شرارة ليست غريبةً عن المشهد الثقافيّ، فهي روائيّة من مواليد مدينة النجف عام 1933، وأخت الشاعرة حياة شرارة، وزوجة المعماريّ الشهير رفعت الجادرجيّ الذي تزوّجها عام 1954، حاصلة على بكالوريوس في الأدب الإنكليزيّ من جامعة بغداد عام 1956. لها كتب عديدة من بينها (جدار بين ظلمتين) و(محمد شرارة: من الإيمان إلى حريّة الفكر) و(الطباخ، دوره في حضارة الإنسان: التطوّر التاريخيّ والسوسيولوجيّ للطبخ وآداب المائدة) وكذلك كتاب (هكذا مرّت الأيّام).
لم يكن اللقاء مع الكاتبة شرارة قد أثار ما يمكن أن يثيره من رأي كما أثار هذا الجزء المتعلّق بشخصيّة السيّاب، لكي تبدأ المقالات والآراء بين منتقدٍ لها ومؤيّد، والاثنان مارسا حقّهما في الدفاع عن آرائهما حبًّا بالسيّاب أو دفاعًا عن شرارة.
لم يفت التصريح عائلة السيّاب، فقد أصدرت ابنة الشاعر آلاء السيّاب، بيانًا ردًّا على تصريحات شرارة واصفةً تصريحاتها بأنّها "تشويهٌ متعمّدٌ، وافتراءٌ سافرٌ، وإساءةٌ أخلاقيةٌ وفكريّةٌ لا تستند إلى حقيقةٍ ولا وثيقةٍ ولا شهادةٍ موثوقةٍ". وأضافت في بيانها أنَّ "ما قيل عن حياة والدي وشخصيّته ليس رأيًا ولا قراءةً نقديّةً، بل كلامٌ مرسلٌ يفتقر إلى الصدق، ويكشف عن جهلٍ أو تحاملٍ لا يليق بمن يتصدّر الحديث عن الرموز الثقافية".
وذكرت أنَّ والدها "لم يصنع مكانته عبر العلاقات أو الادّعاءات، بل بنى اسمه بالكلمة الصادقة، والموقف الشجاع، والسيرة التي لم تتلوّن. ومن يتجرّأ اليوم على النيل من سمعته إنّما يسيء إلى نفسه قبل أن يسيء إليه، لأنَّ القامات الحقيقيّة لا تمسّ بالأكاذيب، ولا تهزم بالافتراء بعد الغياب". وعبّرت عن أسفها من أن "يتحوّل الحديث عن الثقافة إلى تصفية حساباتٍ شخصيّةٍ رخيصةٍ، وأن يستباح تاريخ إنسانٍ لا يستطيع الردَّ، وكأنّ الغياب يمنح الآخرين حقَّ الكذب باسمه". واعتبرت التصريحات أنّها "سلوكٌ مرفوضٌ جملةً وتفصيلًا، ولا يمكن السكوت عليه، لأنّه لا يسيء إلى فردٍ بعينه فحسب، بل إلى فكرة النزاهة الثقافيّة نفسها".

الروائيّة بلقيس شرارة وصفت السيّاب بأنّه شخصيّة مهزوزة، وأنَّ شخصيّته تأثّرت بعوامل "شكليّة" (الصورة: عن قناة "الثقافية")


سيولة الثقافة والانحطاط

الشاعر الأكاديميّ الدكتور حسين القاصد ربط الأمر بالمتنبّي وقال: "عرفنا شاعر العصور وقيامة الشعر، أبا الطيّب المتنبيّ، وحين هزَّ وجداننا وما زال يفعل ذلك، رحنا نبحث عن أبيه ولماذا لم يذكره؟". وأضاف أنَّ "المتنبّي بقي وماتت الأسئلة؛ وفاتنا أن نسأل عن تسريحة شعر المتنبّي، فكلّ الذي نعرفه هو أنَّ أبا الطيّب كان ينشد شعره جالسًا، وعرفنا أنَّ ذلك لرفعته وسموّه وليس لعيبٍ في قدميه أو لأنّه لا يستطيع الوقوف طويلًا كما يقف الشعراء احترامًا أو خضوعًا لمن هم في حضرته".
وأشار إلى أنَّنا "في عصر الانحدار المفرط وسيولة الثقافة حدَّ السخف انتشر هذا الفيديو". وذكر القاصد أنَّنا عرفنا من السيّدة شرارة أنَّ السيّاب كان "ضعيف الشخصيّة قياسًا بشخصيّة لميعة عباس عمارة، ومع أنَّ لميعة لها شخصيّتها القويّة التي تتفوّق بها على ابن خالتها (عبد الرزاق عبد الواحد)". ولفت إلى أنَّ العقم المعرفيّ يجعل من يُمتحن بسؤالٍ ما، يهرب إلى أقرب معلومة من محيطه، وهو ما فعلته السيّدة بلقيس شرارة حين قارنت السيّاب بشخصيّة بلند الحيدريّ ولميعة، وهذا الهروب نسقيّ جدًّا، فهي ذكرت بلند الحيدريّ من المشترك النسقيّ (روّاد الشعر الحرّ) وذكرت لميعة عباس عمارة وكأنّها تنطق بلسان العنفوان النسويّ لدى الشاعرة العظيمة لميعة. ولفت إلى أنَّ السيّدة "فاتَها أنَّ ما نقلته عن لميعة هو كلام حبيبة السيّاب الذي بدا منكسرًا أمامها، ومن ذا الذي لا يتخلّى عن الأنا في الحبّ؟". وتساءل أنَّ السيّدة "لم تخبرنا عن حجم أذن بلند الحيدريّ، وهل حجم الأذن يُعدُّ معيارًا شعريًّا؟". وأضاف تساؤلًا ثانيًا: "أليست عبقريّة السيّاب هي جزء من شخصيّته أم عجزكِ عن الإحاطة بها جعلكِ تنشغلين بحجم أذنه لا بشخصيّته الفكريّة والإبداعيّة؟".

لكنَّ الكاتب ثائر الأطرقجيّ عبّر عن أسفه من أنَّ "الحديث لم يكن منصبًّا على إرثه الأدبيّ أو فتوحاته الشعريّة، بل انحدر إلى مستوى (التنمّر) العلنيّ على ملامحه الجسديّة ووصفه بـ(القبح) و(ضعف الشخصيّة)، تحت غطاءٍ واهٍ من (التعاطف)". واعتبر هذا الموقف "يستدعي وقفةً نقديّةً جادّةً، ليس دفاعًا عن السيّاب فحسب، بل دفاعًا عن قيم المثقّف وصورة الأديب في الوعي الجمعيّ". وذكر أنَّ "المبدع لا يُقاس بمدى وسامته أو طول قامته، بل بالمدى الذي وصلت إليه كلماته في التأثير"، منوّهًا إلى أنَّ السيّاب "الذي وصفته بـ(القبح) هو نفسه الذي منحنا أجمل موسيقى شعريّة عرفها القرن العشرون". ولفت إلى أنَّ "ادّعاء التعاطف مع شخص بسبب (قبحه) هو قمّة الاستعلاء النفسيّ. فالتّعاطف الحقيقيّ يكون مع المحنة، مع المرض، أو مع الظلم الاجتماعيّ، أمّا أن يكون (الشكل) سببًا للشفقة، فهذا ليس تعاطفًا، بل هو حكم بالدونيّة"، مشيرًا إلى أنَّ "التاريخ الأدبيّ لا يحفظ تسريحات شعر الشعراء ولا ماركات ملابسهم، بل يحفظ (أنشودة المطر) و(غريب على الخليج)" داعيًا إلى أنَّنا أحوج ما نكون إلى "نقدٍ يحترم إنسانيّة المبدع، ويرتقي فوق القشور، ليرى الجمال الحقيقيّ الكامن في الإبداع وحده".
من جهته يقول الناقد داود السلمان إنَّه "إذا أردت أن تنقد أو تنتقد إنسانًا ما، عليك أن تنقد أقواله وأفعاله وفكره، لا سيّما إن كان عالمًا أو مفكّرًا أو أديبًا، لا أن تنتقد شكله الخارجيّ، أو بنيته الجسمانيّة، أو خَلقته أو حتّى عوقه أو بعض العاهات التي ولدت معه". وأضاف أنّه إذا "كان الأمر كذلك فعلينا أن ننتقد إله سبينوزا وأينشتاين". واعتبر ما قالته السيّدة شرارة أنّه "تهجّم على رمزٍ من رموز الأدب العراقيّ المعاصر" وبيّن أنَّ "النقد الأدبيّ الحقيقيّ لا يقوم على الهجوم الشخصيّ أو على نزع القيمة عن الرموز التي تركت بصمةً واضحةً، للأدب والثقافة بصورة عامّة، بل النقد يقوم على التحليل، والموضوعيّة، وفهم السياق التاريخيّ والاجتماعيّ الذي أنتج النصَّ". ولفت إلى أنَّ السيّاب "ليس اسمًا عابرًا في سجلّ الثقافة، بل هو ركنٌ أساسيّ من أركان حركة الشعر الحرّ، وأحد الذين غيّروا مسار القصيدة العربيّة شكلًا ومضمونًا". وحدّد السلمان سببين لهذه الإساءة، الأولى "تكمن في حقد شخصيّ دفين، إثر موقف معاكس، أثمر عن تصوّر سلبيّ، ظلَّ كامنًا في نفس ذلك الشخص الذي وقع عليه الموقف" وعن الثاني قال إنّه "حسد إزاء السيّاب كونه أصبح علمًا من أعلام الأدب، وصار قدوةً يُحتذى بها من قبل الكثير، كونه قد نجح أيّما نجاح، وغيره فشل ولم يرتقِ للمركز المطلوب".

أصدرت ابنة الشاعر آلاء السيّاب، بيانًا ردًّا على تصريحات شرارة واصفةً تصريحاتها بأنّها "تشويهٌ متعمّدٌ، وافتراءٌ سافرٌ، وإساءةٌ أخلاقيةٌ وفكريّة


هجوم عشائريّ وقراءة خاطئة

الكاتب رياض محمد يقول إنّه "على مدى ساعتين ونصف الساعة روت شرارة سيرتها الممتدّة لأكثر من 90 سنة ومعها تسرد ذكرياتها وانطباعاتها عن تاريخ العراق الثقافيّ والفنيّ والمعماريّ والسياسيّ منذ الثلاثينيّات وإلى اليوم". وأضاف أنَّ السيّدة تطرّقت إلى الجواهريّ والسيّاب ونازك الملائكة ولميعة عباس عمارة مرورًا بجواد سليم وفائق حسن والدكتور علي كمال وجبرا إبراهيم جبرا وزوجها المعماريّ رفعت الجادرجيّ ووالده السياسيّ كامل الجادرجيّ ومحمد حديد وزها حديد إلى فيصل الثاني وعبد الكريم قاسم وعبد السلام عارف وصدام حسين". وبيّن أنَّ كلَّ "هذا لم يلتفت إليه العراقيّون"، واعتبر ما حصل يشبه "هجمةً عشائريّةً عراقيّةً شُنَّت على بلقيس لأنَّها قالت إنَّ بغداد أقلّ نظافةً من بيروت أو دمشق، وأنَّ السيّاب الذي وصفته بالعبقريّ لم يكن وسيمًا وكانت أذناه كبيرتين". وذكر أنَّ "مصيبة العراقيّ هي مثل الأمّ التي ترى في ابنها القرد غزالًا... لكنَّ الأمَّ معذورة ومعها نعذر ردَّ ابنة السيّاب لكن ما لا أفهمه هو مشكلة العراقيّين مع الحقيقة؟". واستدرك أنَّ "السيّاب هو رائد الشعر الحرّ وشخصيًّا نشأت على حبّ بل تقديس شعره وفي نيويورك قرأت ترجمةً إنكليزيّةً لـ ’أنشودة المطر’ مفتتحًا بها أقدم مهرجان للرقص التعبيريّ في نيويورك" لافتًا إلى أنَّ "الرجل لم يكن وسيمًا وكانت أذناه كبيرتين والسيّدة أجابت على سؤال المحاوِر عن شخصيّة السيّاب لا عن شعره، وشكل الإنسان جزء من شخصيّته. هذه هي الحقيقة سواء راقت لكم أم أزعجت مشاعركم البرتقاليّة".

أمّا الشاعر حسين علي يونس فقد اعتبر ما حصل أنّه "قراءة خاطئة لكلّ شيء، ميزة عراقيّة خصّنا الله بها". وتساءل "ما الذي قالته غير الحقيقة؟ إذ كان الرجل دميمًا في شكله، ومعاناته من الدمامة منحته حافزًا أكبر جعله يبحث عن الجمال في الشعر، فصار شاعرًا كبيرًا. وأنَّ شخصيَّته لم تكن مستقرّة، ولهذا كان يتأرجح بين اليمين واليسار".
واعتبر الكاتب حسين علاوي أنَّ ما قالته السيّدة شرارة "كشف أمرًا أهمَّ من حديثها عن الشاعر السيّاب، لقد أظهر أنَّ منظومتنا الفكريّة ما تزال خاضعةً لهيمنة سلطة الشعر، وأنَّ الخيال لا يزال يتقدّم على العقل في تشكيل نظرتنا إلى الوجود". وبيّن أنَّ هذه النظرة "تظهر بوضوح من خلال ردود الفعل التي يتلقّاها كلّ خطاب يمسُّ صورة الشاعر أو يزعزع هالته الرمزيّة". وذكر أنَّ عميد الأدب العربيّ، طه حسين "لم يستطع أن يمارس حريّة النقد كاملةً حين نشر كتابه ’في الشعر الجاهليّ’، إذ تعرّض لهجومٍ من المؤسّسات الدينيّة، وفي مقدّمتها الأزهر"، متسائلًا أنَّه إذا كان هذا "مصير ناقد مرجعيّ ومفكّر مؤسّس، فكيف تكون الحال مع امرأة تتحدّث عن شاعرٍ أسطوريّ مثل بدر شاكر السيّاب؟"، منتقدًا ما أسماه تلقّي الجمهور قولها "كأنَّها ارتكبت جريمةً وجوديّةً" معتبرًا "الشاعر كائنًا هشًّا، ينجح في ميادين اللغة والخيال، ويخفق في ميادين أخرى، كالسياسة أو العلاقات الإنسانيّة".
الشاعر والكاتب وديع شامخ اعتبر السيّدة شرارة "ليست مجرمةً لكي تنال كلَّ هذا العقوق والترّهات من قبل الكثيرين الذين تكاتفوا في حملةٍ إعلاميّةٍ واضحة المقاصد للدفاع عن السيّاب الذي لا يحتاج إلى حروفهم التي كشّرت عن سوء فهمٍ للفرق بين براءة الطرح وصدق التشخيص". وأضاف أنَّ "شيوع موضة نصب مشانق للنوايا ومحاكمة الشهود على مشاهداتهم واجتزاء فقرة تمثّل توصيفًا شكليًّا لشخصيّة عامّة ثقافيّة، يمثّل جرس إنذار لوأد الشهادات الجريئة". ونادى بأن "نصغي إلى المختلف من دون أن نضع معاييرنا ونموذجنا الواحديّ على خطاب الآخر". وذكر أنَّ السيّاب "مرَّ في منعطفاتٍ نفسيّةٍ وسياسيّةٍ وتباينٍ في المواقف أثارت حساسيّاتٍ كثيرة، ولكن كلَّ شيء ذهب مع الريح وبقي السيّاب الشاعر عظيمًا".

الدخول

سجل عن طريق

هل نسيت كلمة المرور؟

أدخل عنوان بريدك الإلكتروني المستخدم للتسجيل معنا و سنقوم بإرسال بريد إلكتروني يحتوي على رابط لإعادة ضبط كلمة المرور.

شكرا

الرجاء مراجعة بريدك الالكتروني. تمّ إرسال بريد إلكتروني يوضّح الخطوات اللّازمة لإنشاء كلمة المرور الجديدة.