يتزايد يوميًا في الأعوام الأخيرة، بوجه عام، وفي نهاية العام الماضي، بوجه خاص، رواج عدد كبير من الكتب التي أصدرتها شخصيات سياسية تابعة لليمين واليمين المتطرف في فرنسا، وكُثُر هم الذين وجدوا كتاب إحداها كهدية في علبة مزينة بشكل يسر الناظرين بمناسبة عيد ميلاد المسيح، وقبل ساعات من بزوغ فجر سنة ميلادية جديدة لم تغير أيامها الأولى والأخيرة من تداعيات الإبادة المستمرة في غزة. هذه الكتب التي ما زالت تعرف إقبالًا غير مسبوق ــ رغم كل ما يقال عن تراجع القراءة في بلاد موليير ــ، تتضمن خطابًا سياسيًا يؤكد في تصور كثير من الإعلاميين هيمنة اليمين واليمين المتطرف ثقافيًا قبل الاستحقاقات الانتخابية المحلية (مارس/ آذار الجاري)، والموعد الفرنسي الانتخابي الوطني الأكبر (ربيع العام المقبل)، الأمر الذي سيؤكد صحة تأثير الكتب الرائجة من عدمها. كاتب هذه السطور عاش فصلًا من الرواج الحقيقي للكتب التي تسببت في جدل كبير بعد أن عانى لشراء النسخة الأخيرة من كتاب "يوميات سجين" للرئيس السابق نيكولا ساركوزي رغم أنفه استجابة لطلب صديق اضطر بدوره لأن يلبي حاجة مسؤوله البعيد عن عالم الكتب إثر بلوغه خبر سفره إلى باريس. كتاب ساركوزي الغالي الثمن فاق بيعه كل التوقعات (يقترب من 200 ألف نسخة(1))، خلافًا لكتب أخرى تراوح عدد مبيعاتها بين 4 آلاف نسخة و17 ألف نسخة لشخصيات من اليسار، ووحدها الصحافية سالومي ساكي نافست كتب الشخصيات اليمينية واليمينية المتطرفة(2). الكتب الرائجة لشخصيات من اليمين واليمين المتطرف استضافتها مرات عدة القنوات الإذاعية والتلفزيونية الخاصة، والصحف التي يملكها الملياردير فانسان بولوريه. رجل يقف وراء "سي نيوز"، القناة الأولى في فرنسا اعتمادًا على معيار الإقبال، مثلها مثل الكتب الأخرى غير الفكرية التي تشبه بطبيعتها الظرفية كتاب نيكولا ساركوزي الذي ناهض فيه عدالة أدخلته السجن عن غير وجه حق في تقديره. رواج كتب تابعة أيديولوجيًا لبولوريه ــ مردوخ فرنسا ــ، غير منفصلة منطقيًا عن تمدّد تأثيره إلى مجال النشر أيضًا، كما سنرى في هذه الوقفة.
"فايار" ناشرة الكتب الرائجة
هل الكتب الرائجة التي تأكد انتشارها بحسب معهد "إيديستا" (إحصائيات النشر) انعكاس لتوجه نسبة كبيرة من الرأي العام الفرنسي؟ سؤال يفرض نفسه عنوة، ويكاد يحقق الإجماع من منطلق المعاينة الملموسة عمليًا إذا استندنا إلى هُوية أصحابها الأيديولوجية. ردًا على السؤال، ربطّ المحلل السياسي كريستيان لوبار في حديثه لإذاعة "فرانس انتار" العمومية بين رواج ثلاثة كتب ودار"فايار" التابعة لمجمع "هاشيت"(3)، الذي يملكه فانسان بولوريه صديق فيليب دوفلييه أحد أشهر الناشرين في الدار الباريسية الكبيرة، وشقيق الجنرال المتقاعد بيار، الذي خرج عن صمته في كتاب سنأتي على ذكره لاحقًا، وصاحب برنامج تلفزيوني جديد تبثه قناة "سي نيوز"، الأمر الذي يسمح له بالترويج أكثر لأفكاره المعادية للمسلمين وللمهاجرين بوجه عام. كتب فيليب دوفلييه، والرئيس السابق نيكولا ساركوزي، وجوردان بارديلا ــ المرشح الأنسب لتمثيل اليمين المتطرف لانتخابات رئاسة الجمهورية في إطار خطة "ب"، في ظل الانسحاب الوارد لمارين لوبان المتابعة قضائيًا ــ، تصب في صلب استراتيجية دعائية وتجارية وتسويقية مدروسة بدار "فايار"، التي تبيع في المكتبات الكبرى، وفي نقاط البيع التابعة لها، والمتواجدة بقوة في المطارات والمحطات التي تعنى بكل أنواع النقل (حوالي 450 نقطة في المطارات). رواج كتب شخصيات يمينية ويمينية متطرفة التي يعدها بعض المحللين مرآة عاكسة لمعركة ثقافية بخلفية سياسية في ظل تراجع قوى اليسار بوجه عام، كانت وما زالت محل جدل مستمر بين المكتفين بالتفسير السياسي الضيق للظاهرة، والمُلّحّين على التحليل الأوسع الشامل لعوامل أخرى يجب أخذها بعين الإعتبار سعيًا وراء مقاربة متوازنة: "رواج كتب شخصيات يمينية ويمينية متطرفة لا يعني أنها ستؤثر حتمًا على نتائج الاستحقاقات الانتخابية، لأن القراء لا يصنعون بالضرورة منتخبين مهما بلغ حجم المبيعات في مجتمع لا تحتل فيه القراءة أهمية كبيرة عند كثير من الناخبين. وعليه، لا يجب أن يعطى لهذه الكتب السياسية الحجم الذي لا تستحقه"، على حد تعبير المحلل لوبار، الذي لجأت إليه أكثر من وسيلة إعلامية إلى جانب آخرين متخصصين في عالمي الكتاب والإتصال بهدف الحد من تهويل "المستسلمين" لتأثير "كتب تشترى بكثرة تكريسًا لإعجاب أيديولوجي، وتهدى ولا تقرأ بالضرورة"، حسب لوبار نفسه.
ألكسندرا شاروا سبانجبارق، رئيسة نقابة المكتبة الفرنسية، تحدثت مؤخرًا لقناة "فرانس أنفو" عن الإستراتيجية المهنية المحكمة التي سطرتها دار "فايار" للتأثير على الرأي العام: "الكتب السبعة التي بيعت أكثر بين عيدي المسيح ونهاية السنة من بين العشر الأوائل، صدرت عن دار "فايار"، ولم يتم بيعها فقط اعتمادًا على محلات تجارية متواطئة أيديولوجيًا مع التيار اليميني واليميني المتطرف فحسب، وبيعت أيضًا بقوة في المكتبات المستقلة البعيدة عن توجهها الأيديولوجي" الأمر الذي يعكس في تقديرها "صدقية الرهان على الاحترافية في مجال الاتصال وحسن استغلال السياق السياسي بمهنية".
كتب استهلاكية ظرفية
الكتب الرائجة تجاريًا حتى لحظة كتابة هذه السطور، تعد كتبًا استهلاكية ظرفية ناتجة عن تحالف قوى اليمين واليمين المتطرف إعلاميًا وثقافيًا في سياق سياسي مثالي غير مسبوق: "وهذه الحقيقة الملموسة لا تعني حتمًا أن تأثيرها سيدوم على المدى الطويل، وكتاب "يوميات سجين" لقى رواجًا كبيرًا من الذين صدموا بسجن رئيس جمهورية بطريقة أولى من نوعها"، على حد تعبير موريال بيار، الناشرة السابقة لكتب ساركوزي في دار "بلون". كاتب هذه السطور المتابع للشأن الثقافي الفرنسي منذ عقود، شاهد على الدعم الإعلامي الجارف الذي حظي به بالتنسيق بين صحف ومجلات وقنوات إذاعية وتلفزيونية تابعة "لإمبراطورية" بولوريه الإعلامية كما أشرنا سلفًا (صحيفة "جورنال دو ديمانش"، صحيفة ومجلة وقناة "لوفيغارو"، ومجلة " فالور أكتويال (قيم حالية)"، وقناة "سي نيوز" التلفزيونية وقناة "أوروبا 1" الإذاعية)، وكل هذه المنابر قامت بتغطية جولاته عبر مدن فرنسية عدة لتوقيع كتابه، في ظل تدافع جمهور وقف لحوالي ساعتين في طابور طويل. حضور رجال الشرطة لم يكن ضروريًا، لأن ساركوزي كان رئيس جمهورية يستحق حماية خاصة فحسب، بل لأن تواجدهم بقوة كان حتمية لا مفر منها للسيطرة على مناضلتين يساريتين جاءتا لشتم الرئيس السابق بالصيغ نفسها التي استعملها في إحدى الضواحي متحديًا من وصفهم بـ"الرعاع". خلافًا للمناضلتين اللتين تّمّ تحييدهما أمنيًا، جاء جمهور كبير لمناصرة "نيكولا"، كما نادته سيدة رأت أنه "شهيد عدالة يسارية انتقمت منه بإدخاله السجن ولو لثلاثة أسابيع فقط". كريستيان لوبار، الذي حظي هو الآخر باهتمام إعلامي من منابر إعلامية متناقضة التوجه لأهمية تحليله، عاد ليضيف شارحًا قناعته: "الكتب الرائجة أقرب إلى مفهوم الكاريكاتير، وهي صحافية الطابع وآنية التأثير، خلافًا للكتب الفكرية الحقيقية، وليس من الصدفة أن نشر جوردان بارديلا كتابين سريعين في أقل من عام، وهذا النوع من الكتب يقوم بكتابته آخرون يجهلهم الرأي العام".
معركة ثقافية حقيقية
خلافًا لتحاليل الشخصيات السالفة الذكر، عاد ميشال غيران ــ أحد رؤساء تحرير صحيفة "لوموند" ــ مؤخرًا إلى كتب الشخصيات اليمينية واليمينية المتطرفة تحت عنوان "انتصار كتب ساركوزي وبارديلا وزمور يغذي المعركة الثقافية ويحرج أصحاب المكتبات"، قائلًا: "رواج كتب اليمين واليمين المتطرف هي حقيقة تّدّلُ على صحة المعركة الثقافية الدائرة بين أبرز رموزها، ورموز التيارات اليسارية، من منظور الواقع السياسي المهيمن اليوم في فرنسا. هذا الرواج كان متوقعًا استنادًا لخطاب أصحاب رموز سياسية تطالب بالسيادة الوطنية، ولا فائدة من غرس الرؤوس في الرمل حيال تأثير كتب يتنامى رواجها من يوم لآخر منذ خريف العام الماضي، وكأنها فيلم يعلن صاحبه عن كارثة غير مسبوقة"، على حد تعبيره.
وهذه الكتب الرائجة حتى في المكتبات الخارجة عن التأثير "الأخطبوطي" لإمبراطورية فانسان بولوريه تقابلها حقيقة عدم قدرة شخصيات سياسية يسارية على بيع أكثر من 10 آلاف نسخة، ويعد الأمر معجزة إذا باعت أكثر، أضاف يقول غيران. كاتب هذه السطور عثر على النسخة الأخيرة من كتاب "يوميات سجين" في المحل التجاري "لوكلير"، بعد أن رّدّت عليه هاتفيًا مسؤولة في محل "كولتورا" في عز نهاية السنة الماضية أن الكتاب يباع بقوة، ويمكن لكم اقتناء نسخة قبل نفاد الست التي ما زالت في الرفوف. أكد غيران في مقاله مستندًا على أحدث الأرقام الخاصة بشخصيات تعلن عن انهيار فرنسا الكارثي بوقوفه عند بيع نيكولا ساركوزي قرابة 200 ألف نسخة ("يوميات سجين")، وجوردان بارديلا 320 ألف نسخة (كتابا "ما يريده الفرنسيون"، و"عن ماذا أبحث")، وفيليب دوفلييه صاحب 15 كتابًا نشرها خلال 13 عامًا 400 ألف نسخة من كتابي "الإبادة الشعبوية"، و"إبادة الذاكرة"، وإريك زمور 70 ألف نسخة من كتاب "لم يحسم الأمر بعد". رغم تراجع مبيعات كتب الأخير الذي ولد في الجزائر، والتي كانت تتجاوز ضعف ما باع من كتابه الجديد، يبقى اسمه واحدًا من الشخصيات المعلنة بشراسة عن انتصار سياسي في ثوب ثقافي لا يجب الاكتفاء بالتقزز والنفور منه كما فهمنا من مقال الصحافي الكبير ميشال غيران. تأكيدًا لما سبق أن وعدنا به القراء سلفًا، نضيف أن التحاق بيار دوفلييه، رئيس أركان الجيش السابق والجنرال المتقاعد، من خلال كتابه "من أجل نجاح أسلحة فرنسا"، بركب الشخصيات اليمينية واليمينية المتطرفة الأكثر مبيعًا في سوق الكتب الصادرة عن دار "فايار" دليل جديد على صحة ظاهرة ثقافية وجودية لا يمكن القفز عليها كواقع ملموس. الجنرال الذي شاهده كاتب هذه السطور ــ يتحدث بتواضع وهدوء، ومن دون عنجهية، خلافًا لشقيقه فيليب ــ صاحب كتب سابقة صدرت عن الدار ذاتها، وهي "أن تقدم خدمة؟" (2017)، و"ما معنى ان تكون قائدًا" (2018)، و"التوازن جرأة" (2018)، و"كلمات شرف" (2022). أكثر ما لفت انتباهي قوله: "لولا خطورة الوضع، وتبعية فرنسا الكارثية، وعدم استقلاليتنا العسكرية، لما حملت القلم، علمًا أن ليس لي أي طموح سياسي كما يمكن أن يتبادر إلى أذهان بعضهم". وقد استقال في شهر تموز/ يوليو 2017 بعد أن رفض الرئيس الفرنسي قبول طلبه برفع موازنة الجيش.
هوامش:
(1) ارتفعت مبيعات كتاب "يوميات سجين" للرئيس السابق نيكولا ساركوزي من 92 ألف نسخة في نهاية العام الماضي إلى 200 ألف أخيرًا.
(2) سالومي ساكي: صحافية موقع "بلاست" اليساري المعروف بمناهضته لليمين المتطرف، وحدها التي باعت حوالي 150 ألف نسخة من كتابها الصغير "أن تقاوم" (ثمنه 5 يورو) في نهاية العام الماضي. مصادر صحافية فرنسية أكدت أخيرًا أنها باعت 350 ألف نسخة. مارتين توندلييه، السكرتيرة الوطنية لحزب الخضر، باعت من كتابها "غدا إذا كانت الأحوال جيدة" 4000 نسخة. جان لوك ميلنشون، زعيم حزب "فرنسا الأبية" اليساري الراديكالي، باع 17000 نسخة من كتابه "نحو ثورة المواطنة".
(3) مؤسسة "هاشيت" لصاحبها فانسان بولوريه التي تعد دار نشر أيضًا تملك دور: أرمان كولا، كالمان ليفي، شان، دونود، آرابس، أتيي، فايار، فوشيه، غراسيه، لاروس، جان كلود لاتيس (نشرت للروائي ياسمينة خضرا)، ستوك، مارابو، ألف ليلة وليلة، بيكا ن أل جي أف.


تحميل المقال التالي...