}

ترجمة «الأرض اليباب» إذ تثير شجونًا وأسئلة

سعد القرش 24 أبريل 2026
هنا/الآن ترجمة «الأرض اليباب» إذ تثير شجونًا وأسئلة
ت.إس. إليوت (Getty)

ترجمةُ الشاعر العراقي فاضل السلطاني قصيدةَ ت. س. إليوت «الأرض اليباب» (2021) أعادتني إلى ترجمة الدكتور لويس عوض. كما ذكَّرتني باتهام كاتب مصري، في النصف الأول من القرن العشرين، بأنه إذا ألَّف ترجم وإذا ترجم ألَّف، ففي تأليفه آثارُ قراءاته بلغة يترجم منها ترجمةً تعوزها الدقَّة، إذ يتصرف بإضافة التأليف إلى النصّ الأجنبي. وقد أدَّت الترجمات عن لغات وسيطة إلى أخطاء تبدأ بأسماء المؤلفين. ثم اكتشفنا بعد عقود أن بريخت هو بريشت، وماركيوز هو ماركوزه، والشرير التافه أدولف إيخمان هو أيشمان، وجابرييل جارسيا ماركيز هو ماركيث الذي استعصى التصويب؛ فاحتفظ باسمه الشائع. بأخطاء مترجمين عايشوا أهل لغةٍ يترجمون منها، كيف نطمئن إلى الترجمة؟
تكتنز الكلاسيكيات الإبداعية دلالاتٍ جمالية وفكرية تحتمل ترجماتٍ جديدة في كل جيل. وترجمة فاضل السلطاني ليست جديدةً فحسب، فهو في الجزء الأكبر من كتابه «الأرض اليباب وتناصها مع التراث الإنساني» يبحث ويدرس ويقارن ستَّ ترجمات عربية للقصيدة، ويكتشف أخطاءً جعلت الترجمة الجديدة ضرورة. كما يتقصَّى المرجعياتِ الإبداعية والفكرية، والجذورَ العميقة المؤسِّسة لنصٍّ الْتهمها وتمثَّلها، واحتفظ بخصوصيته. وهذا السجال، في التنقيب عن تناصّ قصيدة إليوت مع التراث الإنساني، «مثيرٌ للإعجاب. كما أنه يدل من حيث اكتماله على سيطرة معرفية متميزة على جُلِّ ما يتصل بإليوت ونظريته في التراث»، كما قال خلدون الشمعة في مقدمة الترجمة المنشورة في دار المدى، واصفًا هذه الترجمة بأنها تحقق ضربًا «من الطباق اللغوي والشعوري بين نصٍّ بالإنكليزية وآخر بعربية مسلَّحة بالدقَّة والرونق».
السلطاني لا يتجاهل الترجمات الستَّ السابقة لكلٍّ من لويس عوض، وأدونيس ويوسف الخال، وعبد الواحد لؤلؤة، وماهر شفيق فريد، ويوسف اليوسف، وتوفيق صايغ. جهودَهم يُقدِّرها ويناقشها، لا يتجاهلها ولا يتعالى عليها. وهذه الرحلة مع النص، ومحاورة ترجماته، درسٌ في الترجمة، دليلٌ على أنها مهمة صعبة لا يتصدى لها إلا الراسخون في معرفة اللغتين معًا، معرفةً تتجاوز ظاهر المعنى المعجمي إلى دلالاته الاصطلاحية وحمولاته الثقافية. قبل شيوع صيحة هاملت الشهيرة، ترجمها عبد القادر القط: «أحيا، أو لا أحيا، هذه هي القضية!». هذا اجتهاد وليس تصرُّفًا، كما فعل دريني خشبة في ترجمته «الإلياذة» و«الأوديسة» ترجمةً «إسلامية»، فجعل هوميروس مولعًا بالبيان القرآني.
أبوللو في «الإلياذة» يتخفى ويذهب إلى إينياس لكي يُثيره على أخيل، «ويُلهب فيه نخوة الجاهلية التي سداها التفاخر بالأنساب، ولحمتها التباهل بالأحساب، والتبجح بأنا ابن من سمك السماء، ودحا الأرض، وأنبت فيها من كل زوج بهيج!». وفي «الأوديسة» تحنو مينرفا على الفتى تليماك وتنصحه: «إن هي إلا كلمات تقولها، وعلى الله قصد السبيل». ونسطور يناجي مينرفا: «وسنصلي لك ونذبح باسمك خير بقرة، لا ذلول تُثير الأرض ولا تسقي الحرث، مسلَّمةً لا شية فيها». في ذلك الوقت كان المسكين أوديسيوس في تيه العودة، فوق سفينة «تأخذ سبيلها في البحر سربًا». وحين عاد للثأر، وقف هاليتير ناصحًا الأشقياء من أبناء إيثاكا: «الرأي ألا تذهبوا، وألا تجعلوها فتنة لا تُصيبن الذين ظلموا منكم خاصة».



لويس عوض ترجم القصيدة بعنوان «الأرض الخراب»، واعتبر إليوت «شاعر الإنكليزية الأول في فترة ما بين الحربين». صدرت تلك الترجمة في القاهرة عام 2001، بمقدمة أستاذ اللغة الإنكليزية في جامعة القاهرة الدكتور ماهر شفيق فريد الذي وصف القصيدة بأنها «أشهر قصائد إليوت بل ربما أشهر قصيدة في القرن العشرين». قال فريد، المعروف بالدقَّة، إن ترجمة لويس عوض إبداعٌ موازٍ. ولم تمنعه الإشادةُ بعوض من الإشارة إلى هفوات «قليلة مغفورة». وقبل أن يذكرها تساءل: «أيُّ ترجمة قد خلت من الهفوات؟». وأورد مثالين: ترجم «Fishmen» إلى «صيادو السمك» وصوابها «عمال سوق السمك». وترجم «Nightingale» إلى «بلبل» وصوابها «عندليب». لكن السلطاني يورد أخطاءً أخرى في الترجمات كافة.
السلطاني مأخوذ بالقصيدة، «ملحمة القرن العشرين فعلًا، وربما تكون الملحمة الوحيدة في ذلك القرن الشقي». وينطلق من حرصه على ترجمة عربية تتفادى أخطاء ترجمات عكست المعنى، وحرَفته إلى نقيضه أحيانًا. ولا ينهض كتابه على رصد أخطاء الآخرين، إذ يحتفظ لهم بحق الريادة، وإغناء التجربة الشعرية بترجماتهم المبكرة، وأنهم اجتهدوا في وقت لم تتوفر فيه دراسات كافية عن «هذه القصيدة المركَّبة»، وعن عالم إليوت عمومًا. والقصيدة المكوَّنة من 434 بيتًا جداريةٌ تزخر بتراث شعري وفلسفي وأسطوري، وتستعين بمفردات إغريقية ولاتينية وفرنسية وإيطالية، بل إن الإهداء إلى «إزرا باوند الصائغ الأمهر» مأخوذٌ من «جحيم» دانتي، وهو بالإيطالية «Il miglior fabbro» وتعني: «الصائغ الأمهر». وهذا التداخل والتركيب دعا السلطاني إلى ترجمة معظم الفصل الخاص بالقصيدة في كتاب كريستوفر ريكس وجيم ماكيو «قصائد ت. س. إليوت» المنشور عام 2015، ويزيد على 2000 صفحة في مجلدين.
رصدُ الأخطاء يبدأ بالسطر الأول «April is the cruellest month»، نيسان/ أبريل أقسى الشهور. لكن الشاعر اللبناني توفيق صايغ يترجمه: «شرُّ الشهور نيسان/ أبريل»، وهذا «خطأ فادح»، فالفرق كبير بين الشر والقسوة. ويترجم لؤلؤة جملة «What are the roots that clutch» ترجمةً صحيحة: الجذور المتشبثة. وترجمها فريد: ما عسى هذه الجذور المنتفضة. بهذا الشكل «المناقض تمامًا للمعنى الأصلي». ويقول السلطاني إن ترجمة فريد «مليئة بالجمل المقعَّرة، القاموسية، التي لا تعكس المعنى الصحيح في أحايين كثيرة». وإن قصائد إليوت، على الرغم من معانيها المركَّبة، تمتاز بالتدفق، وسلاسة الإيقاع. فريد، مثلًا، يترجم عبارة «With a shower of rain»: حاملًا معه شؤبوبًا من المطر. والمعنى: وابلٌ من المطر. ولا يحتاج «لكل التقعير الثقيل». وأحيانًا يشرح فريد بيتًا، «وهذا غير جائز بالطبع». كما كان لويس عوض أحيانًا يشرح بيتًا، أو يحذف جزءًا من بيت.
جملة إليوت: «A heap of broken images» يترجمها لؤلؤة: كومة من مكسَّر الأصنام. ولويس عوض: مهشَّم الأوثان. واليوسف: كومة من الأوثان المهشَّمة. وهذه الترجمات «بعيدة عن روح النص. وقد أقحم المترجمون ثقافتهم الإسلامية على نصٍّ هو ابن ثقافة أخرى لا تعرف الأصنام أساسًا». وترجمتها: كومة صور مهشَّمة. والترجمة الدقيقة لأدونيس والخال: الصور المهشَّمة.



ومن أوبرا تريستان وإيزولده لفاغنر يترك إليوت هذا البيت بالألمانية «Oed und leer das Meer»، ومعناه: خالٍ ومهجورٌ هو البحر. وقد «عكس المعنى المراد تمامًا» كلٌّ من لويس عوض: البحر العميق. واليوسف: خلوٌ وفسيح. كما يترجم كلٌّ من عوض ولؤلؤة «Unreal City»: مدينة الوهم. وصايغ: بلدة أوهام. والترجمة الصحيحة: مدينة وهمية. والفرق بينهما كبير. الأول يعني مدينةً واقعية «ولكنها ليست مدينة الحقيقة، بل مدينة الزيف». في حين ينفي إليوت وجود المدينة ذاته، فهي وهمية، غير حقيقية. وترجمها فريد بدقة: مدينة وهمية. وكذلك أدونيس والخال واليوسف: مدينة زائفة.
أما «A dead sound» فترجمها لؤلؤة: صوت قتيل، «وهي ترجمة عجيبة». والخال وأدونيس: صوت ميت. وصايغ: صوت مائت. وعوض: خامد. واليوسف: فاتر. ويعلق السلطاني بأن هذه الترجمات «حرفية، تبتعد عن المعنى، بينما هو مصطلح يعني صوتًا بلا صدى، بلا ترجيع... صوتًا مكتومًا».
آخر مثال أتوقف بعده هو جملة «Where fishmen lounge at noon». أشرتُ إلى أن ماهر شفيق فريد خطَّأ لويس عوض، وأوضح أن «Fishmen» تعني عمال سوق السمك لا الصيادين. فريد يترجم الجملة: يتمدد عمال السمك. ويعلق السلطاني: إنه بار، فكيف يتمدد رواده؟ وعوض يترجم الجملة: حيث يسمر صيادو السمك عند الظهيرة. لكن السمر يقترن بالليل، «فكيف يسمرون في الظهيرة؟». ويترجمها صايغ: حيث يتسكع الصيادون في الظهيرة. وأخطأ أدونيس والخال بترجمة «Fishmen»: صيادو السمك، لكنهما ترجما «Lounge»: يُقيِّل. «وهي ترجمة بارعة».
بهذه الترجمة التي أنجزها فاضل السلطاني بحماسة ودأب ومحبة، وبما أورده من أمثلة في دراسته المقارنة للترجمات الستّ، يتأكد أن الشعراء هم الأكثر كفاءةً إذا تعلَّق الأمر بترجمة الشعر. أما الأكاديميون فربما أكثر حرْفيةً، أكثر غلظةً ومعجميةً.
إذا كان الذين أقاموا زمنًا بين أهل لغة يترجمون منها قد أخطأوا أخطاءً فادحة، فاضحة أحيانًا، فكيف نطمئن إلى الترجمة عن لغات وسيطة؟ ربما يفقد النص نصف طاقته في الترجمة الأولى، ثم يفقد النصف الآخر في الترجمة الثانية. ولا يصلنا منه إلا أطياف المعاني، وأشباح الأفكار. ومن حسن الحظ أن مؤلفي هذه النصوص الإبداعية لا يعرفون العربية، ولعلهم لا يهتمون بمصائر أعمالهم المترجمة إلى لغة لا يعرفون منها إلا عنوان كتاب أو كتابين. بحثتُ عن أي مرجعية عربية لثقافة إليوت في «الأرض اليباب»، فلم أجد ولو إشارة إلى «ألف ليلة وليلة». تأكَّد لي أننا غير مرئيين.

الدخول

سجل عن طريق

هل نسيت كلمة المرور؟

أدخل عنوان بريدك الإلكتروني المستخدم للتسجيل معنا و سنقوم بإرسال بريد إلكتروني يحتوي على رابط لإعادة ضبط كلمة المرور.

شكرا

الرجاء مراجعة بريدك الالكتروني. تمّ إرسال بريد إلكتروني يوضّح الخطوات اللّازمة لإنشاء كلمة المرور الجديدة.