}

"كيف نعيد تركيب الحكاية؟": البقاء كفعل وجودي أخير

حسام معروف 6 أبريل 2026
هنا/الآن "كيف نعيد تركيب الحكاية؟": البقاء كفعل وجودي أخير
بيسان نتيل

تحمل مهمة استعادة الحكاية عند الفلسطينيين مشقة كبيرة، لكنها تفصيلة هامة في طريق توثيق الألم والمشاعر. هذا ما يجعل المشهد لا ينتهي، ويستمر صوته في الأذهان، حتى لا تنمحي القصة، ولا تدفن عبر الزمن. في كتاب "كيف نعيد تركيب الحكاية؟" للكاتبة بيسان نتيل، إصدار مؤسسة تامر للتعليم المجتمعي (2025)، يتحقق جانب توثيقي لقصص الحرب الذاتية، التي جمعتها الكاتبة بحوارات معمقة مع مجربي الإبادة في قطاع غزة، وشهادات شخصية مع ظروف الحرب.
​ تأخذنا الكاتبة في رحلة عكسية تبدأ من عام 1948، لتربط نكبة الجدة "يسرى" بفعل الإبادة الجاري، وكأن الزمن في فلسطين لم يعد خطًا مستقيمًا، وإنما هو دائرة من الفقد المتكرر الذي لا يكسر حِدته سوى السؤال. الإصدار ضرورة بقاء، لأنه يهمس لنا أن الحكاية ليست ترفًا، بل هي الأداة الوحيدة التي تجعل الإنسان "فاعلًا" في قدره حتى وهو يواجه محو قصته من الوجود.

​المتاهة والسلخ
​تبدأ الحكاية بما تسميه الكاتبة "الخروج الأول". حين تختلط فكرة الحدود والأسلاك الشائكة، وبلحظة تأمل، يكتشف المرء أنه أمام مختبر لتفتيت الهوية. تصف الكاتبة لحظة عبورها نقطة تفتيش الاحتلال "إيرز" كأنها عبور في مسلخ. هناك، يُطلب من المرء أن يخلع كل ما يربطه بذاته؛ حتى فرشاة الأسنان تصبح شيئًا مريبًا. إنها المتاهة التي صممها البشر للتحكم بالمخلوقات، حيث يتحول الإنسان إلى كائن صغير تائه وسط الحديد والكاميرات.
​تكتب بيسان نتيل: "انتقلت الصور في ذهني من شجرة اللوز إلى المسلخ. شعرت بأن أصدقائي الذين تحولوا إلى لوحات، قد حُتم عليهم السلخ".
​تتجلى هنا السخرية المرة؛ فاللوحات التي تحمل أرواح الأصدقاء تُعامل كبضاعة مشبوهة، والكاتبة تجد نفسها تعبر "منسلخة" عنهم. هذا العبور ليس انتقالًا مكانيًا فحسب، بل هو "سلخ" للهوية وتجريد للكائن من عالمه الصغير. الحدود ترمز هنا إلى "الماكينة" التي تريد تحويل الجسد إلى رقم، بلا قيمة لا معنى.
تتحدث الكاتبة عن الحرية داخل مساحة ضيقة، كيف يمكن أن يكون الإنسان حرًا في وجود الاحتلال؟ تلك المعضلة في تشكيل حكاية متناسقة مع هدف الوجود الإنساني.
تجبَّرَ الاحتلال على الفلسطيني، هاجمه بقسوة، أباده، هجَّره، ضيَّق المساحات عليه، لكن الخيال الفلسطيني يكمل رحلة البحث عن أجنحة، ويصوغها بطرق مختلفة.
تكتب نتيل: ​"ما لا أعرفه حقًا هو كيف لأي شخص عاقل أن يربط 365 بكلمة 'مساحة'؟ غالبًا ما يرتبط الحديث عن المساحة بالحديث عن قدرتك على فرد جناحيك والتحليق نحو السماء. لكن، ولأننا قابعون في هذا الصندوق، فإننا نزحف كالدود فيه بحثًا عن متسع للحياة".

​لعنة حرف الصاد وتفكك القاموس

بيسان نتيل مع أطفال من غزة


​تنتقل الكاتبة لتشريح أثر الحرب على لغة الأطفال، حيث تتقلص المفردات لتصبح مجرد أصوات مذعورة. في شهادة الطفل يوسف الشافعي، نجد "لعنة حرف الصاد". الطفل الذي يعجز عن نطق كلمة "صاروخ" يكتفي بالحرف الأول، وكأن اللغة ذاتها قد أصابها الشلل تحت وطأة الانفجارات.
​تقول الكاتبة: "لا يستطيع نطق كلمة (صاروخ)، لكنه قادر على التعبير عن خوفه بحرف واحد: (ص)".




​إن الرمز هنا يتجاوز الحرف؛ فالـ "ص" أصبحت تختزل العالم المرعب الذي يعيشه الطفل. الحرب أعادت تعريف "الأشياء" في قاموس الأطفال؛ فالمدرسة أصبحت "غرفة نوم جماعية"، والكتب المدرسية "وقودًا للنار". اللغة هنا تفقد قدسيتها التعليمية لتصبح أداة للبقاء البدائي، حيث "يتحول البيت إلى خيمة" وتنزف الذاكرة قصص الإبادة.

​ذاكرة متبخرة
​في شهادة الطفل محمد أبو القمصان، نرى كيف تصبح الحقيبة هي الوطن البديل. محمد، الذي اضطر إلى النزوح مرات عدة، يعيد تعريف "المكان"؛ فالمكان لم يعد جدرانًا، إنه كل ما نستطيع حمله. أما الطفلة "ملك"، فقصتها تجسّد فقدان المركز؛ فهي لم تعد تعرف أين تضع ألعابها، وكأن الحرب ممحاة عملاقة تمحو غرفة النوم لتعوضها برصيف الشارع.
​تكتب بيسان نتيل عن هذا التفكك: "تتحول الصفوف الدراسية إلى غرفة نوم، ويتحول البيت إلى خيمة، فتصبح الكتب المدرسية وقودًا يُعد عليه طعامٌ".
​هذا المشهد يعبر عن قلب الموازين الوجودي؛ حيث يحرق العقل من أجل إطعام الجسد عن طريق حرق الكتب. وهي تضحية شاذة تجعل من المعرفة قربانًا للبقاء. الحرب هنا تعمقت في قتل البشر، وكذلك تبديل وظيفة الأشياء ومعانيها المستقرة.

​إبادة الخيال
​يبرز البحر في الكتاب كرمز مزدوج؛ فهو الصديق الذي يُشكى له الهم، وهو أيضًا المساحة التي تُباد. الأطفال الذين يصفون أنفسهم بأنهم "خُلقوا على الطفافات" يجدون في البحر متنفسًا، لكن الاحتلال يلاحقهم حتى في هذا الفضاء الأزرق عبر "الطرادات" التي تقصف أحلامهم الصيفية. ترى الكاتبة في تجمعات الناس على البحر صورة الإنسان يرتب وجوده وفق الظروف، يقيم قانونه الجديد، ويصنع حكاية جديدة، فقالت نتيل عنهم، "شعب البحر".
​من النص: "أفكر فيك بينما يراقبون كل حركة لنا من فوق الزجاج، يتتبعون أصابع أيدينا العشر، ويبحلقون في بعثرة شعري".
​هذا المشهد يعكس السطو على الحواس والخيال، فالعدو لا يكتفي باحتلال الأرض، بل يريد احتلال النظرة وإبادة الخيال. البحر يصبح صنبور ماء للاغتسال بدلًا من كونه أفقًا للحرية. هذا الإسقاط يحول الطبيعة إلى زنزانة مراقبة، حيث تصبح "البحلقة" الإسرائيلية جزءًا من تضاريس المكان.
في شهادة عبد الرحمن، تنقلنا الكاتبة من ألم الجسد إلى ألم المعنى. وهو الذي اصطدم بالظروف القاسية، يجد في الفيزياء الكمية والخيال مهربًا. هو يمثل الكائن الذي يرفض أن يكون ضحية نمطية، بل يريد أن يكون "ذاتًا مفكرة" تبحث عن منطق في عالم غير منطقي.
​تكتب الكاتبة على لسانه: "في هذا العالم المخيف، لا بد أن نجد مهربًا. وأين المهرب؟ في الخيال".
​الخيال هنا يجسد درعًا واقيًا ضد الجنون. فعبد الرحمن يعيد تركيب حكايته عبر الموسيقى والرقص، عادًّا أن الجسد الذي يرقص هو جسد لا يمكن للمدفعية أن تكسره معنويًا. إنها خفة الوجود التي يواجه بها الفلسطيني ثقل الإبادة.

​الذاكرة المورثة


​تربط بيسان نتيل بين نكبة جدتها يسرى عام 1948، وبين الإبادة الحالية، حيث تعيد اكتشاف "المجدل" من خلال شال الجدة الذي عاد للمكان بعد 76 عامًا. الحكاية تصاغ بابتعاد عن الترف واقتراب من الفعل الوجودي. الزمن في الكتاب دائري؛ فالجدة فقدت بيتها في المجدل، والحفيدة تفقد بيتها في غزة، وكأن المأساة هي الإرث الوحيد المستمر.
​تقول الكاتبة: "نحن في أرض رباط إلى يوم الدين، رواية تجعلني أصدق حقيقة البلاد، وحدودها، وتاريخها".
​في صميم ذلك، تتحول الحكاية من كلمات إلى حقيقة جغرافية. الرباط لم يعد فقط في الأرض، وإنما في عدم نسيان التفاصيل. الكتاب يسقط الحكايات الفردية على التاريخ الجماعي، محذرًا من أن التاريخ الرسمي غالبًا ما ينسى قصص الناجين ليحتفي بتواريخ الحروب.

​النجاة المبتورة
​في قصة الطفلة "ليان"، نكتشف عمق الشرخ الذي تتركه الحرب. ليان التي خرجت من غزة لا تشعر بالنجاة. النجاة بالنسبة لها هي خديعة جسدية؛ لأن روحها ظلت عالقة تحت الأنقاض.
​تكتب بيسان نتيل: "هل نحن بالفعل نجونا؟ بالنسبة لي بعد أن خرجت من غزة كنت أشعر بالنجاة فقط في خارجي، أما في داخلي فلست في نجاة".




​في ذلك تمثيل لجوهر الإسقاط النفسي في الكتاب؛ فالنجاة لم تعد تعني عبورًا للحدود، بقدر ما يمتلكه المرء من قدر "لملمة الروح" التي تبعثرت. الحرب تدمر الداخل وتترك الخارج مجرد قشرة فارغة. ومن هنا تأتي ضرورة "إعادة تركيب الحكاية" كفعل علاجي لاستعادة النجاة المفقودة.

لماذا نكتب؟
​ما الذي يجعل هذا الكتاب ضروريًا؟ إنه "إرادة المعنى"، بتعبير فيكتور فرانكل، التي استحضرتها الكاتبة في الخاتمة. الكتاب يحفظ "التاريخ الشفوي" في زمن يُراد فيه محو الأرشيف. إنه يوثق كيف "أعادت الإبادة تعريف علاقتنا بالأرض والبيت والشارع".
​من النص: "تعمل المادة على حفظ التاريخ الشفوي لقصص الأطفال الذين تعرضوا لجميع الانتهاكات... وتوثق كيف تغيّر الكثير من المفاهيم الحياتية".
​الكتاب ضرورة لأنه يرفض تنميط الضحية؛ فهو يعرض الأطفال كمفكرين، وفنانين، ومتأملين في واقعهم، وليسوا مجرد أرقام في إحصائيات القتلى.
اللغة في الكتاب تتسم بالخفة والشاعرية حتى وهي تصف رائحة الموت، ومشاعر الاقتراب منه، ورد فعل عكسي ينتجه الخيال حيال ذلك. في كل قصة جانب من مشاعر الإبادة، ووجه آخر تم تحطيمه، فمن يعيد تركيبه؟

​إسقاطات
​شجرة اللوز في بداية الكتاب ترمز إلى "الفردوس المفقود" والجمال الذي يُقتل، بينما ترمز الخيمة إلى الهشاشة الدائمة. الكاتبة تسقط رحلتها الشخصية (الخروج من غزة) على رحلة الشعب بأكمله، عادَّة أن "الخروج" هو نوع من المنفى الذي يلاحق الفلسطيني أينما ذهب. الحكاية هي الخيط الذي يربط الخيمة بشجرة اللوز، والماضي بالحاضر.
​ يتركنا كتاب "كيف نعيد تركيب الحكاية؟" مع قناعة راسخة بأن الإبادة لا تكتمل إلا بمحو السردية. إن بيسان نتيل لم تقدم لنا "كتابًا" بالمعنى التقليدي، وإنما ورشة مشاعر، ناجين يحاولون تذكر الحياة التي هربت بين الصواريخ. فمن منهم يستطيع البقاء داخل الحكاية؟
تلك الشهادات الآتية في 114 صفحة تسعى إلى تحويل الألم الفردي إلى وعي جماعي، عبر الخيال والبوح والشعور، كي يظهر في الحكاية ما يمكن ملامسته بالإصبع، بما يمكن الغوص في تعرجاتها.
إننا أمام عمل يثبّت صوت الإنسان الفلسطيني وسط ضجيج الإبادة، ويجعل من الخفة سلاحًا فتاكًا ضد ثقل المحو والنسيان. عند الفلسطيني، الحكاية لم تنتهِ، بل هي الآن فقط تبدأ بالتشكّل من جديد.

الدخول

سجل عن طريق

هل نسيت كلمة المرور؟

أدخل عنوان بريدك الإلكتروني المستخدم للتسجيل معنا و سنقوم بإرسال بريد إلكتروني يحتوي على رابط لإعادة ضبط كلمة المرور.

شكرا

الرجاء مراجعة بريدك الالكتروني. تمّ إرسال بريد إلكتروني يوضّح الخطوات اللّازمة لإنشاء كلمة المرور الجديدة.