}

2009 فصاعدًا: في تتّبع آخر مظاهر "تأليه الحرب" إسرائيليًا(5)

أنطوان شلحت أنطوان شلحت 7 أبريل 2026
هنا/الآن 2009 فصاعدًا: في تتّبع آخر مظاهر "تأليه الحرب" إسرائيليًا(5)
استقطبت "عملية الرصاص المسبوك" إجماعًا إسرائيليًا واسعًا (Getty,Gaza,30/12/2008)
الرأي العام الإسرائيلي- مزاج حـربـي بامتيــاز!


على غرار "حرب لبنان الثانية" (في صيف 2006) فإن الحرب الإسرائيلية العدوانية على قطاع غزة، التي بدأت يوم 27 كانون الأول/ ديسمبر 2008 واستمرت حتى 17 كانون الثاني/ ينايـر 2009 تحت اسم "عملية الرصاص المسبوك"، استقطبت على الفور إجماعًا واسعًا في صفوف الرأي العام الإسرائيلي.

وربما يكون هذا الإجماع عائدًا إلى بضعة عوامل وأسباب. ومهما تكن هذه العوامل لا بُدّ من أن نشير إلى ما يلي:

أولًا، تعتبر هذه الحرب "حرب انتخابات". ولذا فإن الحسابات الانتخابية والمصالح الحزبية الضيقة تجعل الأحزاب الصهيونية كلها في صف المؤيدين لها. (في الماضي أيضًا تم شنّ حروب أو عمليات عسكرية عشية الانتخابات العامة. مثلًا، قصف رئيس الحكومة الإسرائيلية السابق مناحيم بيغن المُفاعل النووي العراقي خلال المعركة الانتخابية في سنة 1981. وفي سنة 1996 شنّ رئيس الحكومة في ذلك الوقت والرئيس الإسرائيلي لاحقًا، شمعون بيريز، عملية "عناقيد الغضب" العسكرية على لبنان، في أوج المعركة الانتخابية، وكان الجميع متأكدين أنه فعل ذلك من أجل الفوز في الانتخابات. لكن العملية مُنيت بالفشل وخسر بيريز الانتخابات وكان الفوز من نصيب بنيامين نتنياهو، رئيس الليكود. وها هما إيهود باراك، وزير الدفاع ورئيس حزب العمل، وتسيبي ليفني، وزيرة الخارجية ورئيسة حزب كاديما، يعاودان الكرّة ذاتها، بدعم من رئيس الحكومة المنتهية ولايته، إيهود أولمرت. وبينما اتجهت أنظار ليفني وباراك إلى الانتخابات العامة في 10 شباط/ فبراير 2009، فإن أولمرت استهدف من الحرب أن تعيد بعضًا من هيبته التي تمرغت بسبب حرب تموز 2006 في لبنان بما من شأنه أن يسعفه في العودة إلى المعترك السياسي في المستقبل).

ثانيًا، من الناحية التاريخية المحض فإن القوى التقليدية، التي شقّت عصا الطاعة على "الإجماع القومي الصهيوني" من حول الحرب، هي قوى "اليسار الصهيوني"، لكن فعلت ذلك فقط عندما كانت في صفوف المعارضة لا في سدّة الحكم. وقد تجلّى هذا، على سبيل المثال، في "حرب لبنان الأولى" في حزيران/ يونيو 1982، وبلغ الأوج في إثر مذابح صبرا وشاتيلا في بيروت. غير أنّ معظم هذه القوى كانت شريكة في الحكم عندما اندلعت الانتفاضة الفلسطينية الأولى في سنة 1987، وفي أثناء عملية اجتياح الضفة الغربية ["السور الواقي"] في سنة 2002، و"حرب لبنان الثانية"، كما هي الحال خلال الحرب العدوانية على غزة في شتاء 2009.

خرجت حركة "السلام الآن" الإسرائيلية عن صمتها وتأييدها للحرب، ودعت إلى مظاهرة في تل أبيب يوم 10 كانون الثاني/ يناير 2009 تحت شعار "التحذير من الغوص في المستنقع الغزي"


ثالثًا- لا يحتاج المراقب إلى عناء كبير كي يدرك أنه منذ أن وضعت حرب تموز/ يوليو 2006 أوزارها ساد في إسرائيل، على المستويات كلها، مناخ عام يوحي للقاصي والداني بأن "حربًا إسرائيلية في الأفق"، تتمثل غايتها الرئيسية في استعادة قوة الردع الإسرائيلية، هي شبه حتمية، كي لا نقول "مستحقة للغاية"، وذلك في ضوء نتائج تلك الحرب واستنتاجات لجنة تقصي وقائعها ("لجنة فينوغراد"). وتجدر الإشارة إلى أن هذه اللجنة كُلفت بأن تحقق أو أن تتقصى الوقائع في تلك الحرب من زاوية شديدة الخصوصية، فحواها لماذا خاضت إسرائيل الحرب وكيف فشلت فيها؟ وهذا يبقى التفويض الأهم الذي مُنح إلى اللجنة. ولذا فقد اعتبر الكثير من المراقبين والمحللين المقولة الرئيسية التي صدرت عن هذا التقرير بمثابة الوصفة التي تقدم إلى الحكومة الإسرائيلية كي تخوض الحرب المقبلة بموجبها وتدرأ الفشل فيها.

ولقد اشتملت استنتاجات هذه اللجنة على خلاصة رئيسية لا يجوز المرور مرّ الكرام عليها، وورد فيها: "لقد طرحت حرب لبنان الثانية مجددًا على بساط البحث والتفكير مسائل فضَّل المجتمع الإسرائيلي في جزء منه إقصاءها وتنحيتها جانبًا: لا يمكن لإسرائيل البقاء في هذه المنطقة، ولن تستطيع العيش فيها بسلام أو حتى بهدوء، من دون أن يكون هناك فيها وفي محيطها من يؤمن أن دولة إسرائيل تملك قيادة سياسية وعسكرية، وقدرات عسكرية وقوة ومناعة اجتماعية، بما يمكنها من ردع كل من تسوّل له نفسه من بين جيرانها المسّ أو إلحاق الأذى بها، ومنعهم- ولو بالقوة- من تحقيق مبتغاهم. وهذه الحقائق غير خاضعة أو مرتبطة بهذا التوجه السياسي أو ذاك. 

"صحيح أن إسرائيل ملزمة- سياسيًا وأخلاقيًا- بالتطلع إلى السلام مع جيرانها والتوصل إلى التسويات المطلوبة لهذا الغرض. غير أن محاولات تحقيق السلام أو التسوية ينبغي أن تأتي من موقع قوة عسكرية ومناعة اجتماعية وسياسية، ومن قدرة واستعداد للذود عن الدولة وقيمها وأمن سكانها".

بناء على ذلك فقد دغدغت "إنجازات" أول أيام الحرب على غزة، التي أحرزها سلاح الجوّ الإسرائيلي وتجندّت الآلة الإعلامية الإسرائيلية كلها من أجل ترويجها، مشاعر معظم الإسرائيليين الذين أذاقتهم حرب تموز 2006 مرارة الفشل.

وقد تبين من استطلاع للرأي العام الإسرائيلي نشرته صحيفة "يديعوت أحرونوت"، يوم 26 كانون الأول/ ديسمبر 2008، أي عشية شن عملية "الرصاص المسبوك"، أن 64 بالمائة من الإسرائيليين يؤيدون استئناف العمليات العسكرية في غزة، أي التخلي عن اتفاق التهدئة مع حركة حماس (قال 27 بالمائة إنهم يؤيدون عودة إسرائيل إلى سياسة الاغتيالات بحق الناشطين الفلسطينيين في قطاع غزة. وقال 22 بالمائة إنهم يؤيدون إعادة احتلال أجزاء واسعة من القطاع، فيما أيد 15 بالمائة شن عملية عسكرية محدودة. وقال 21 بالمائة فقط إنه يؤيدون إبقاء الوضع في قطاع غزة على ما هو عليه في ذلك الوقت). غير أنه في استطلاع آخر للرأي العام نشرته صحيفة "معاريف"، يوم 9 كانون الثاني/ يناير 2009، أي بعد أسبوعين على العملية العسكرية العدوانيّة، قال 91.4 بالمائة من الإسرائيليين إنهم يؤيدون استمرار الحرب على قطاع غزة، فيما عارض استمرارها 3.8 بالمائة فقط!

ورأى معلق الشؤون الإستراتيجية في صحيفة "هآرتس"، رؤوبين بدهتسور، أن إسرائيل بدأت عملية "الرصاص المسبوك" من نقطة الذروة، وبالتالي فقد بات الجيش الإسرائيلي يواجه صعوبة في تصعيد القتال من الجو، في الأيام اللاحقة. وبطبيعة الحال عندما يتم، خلال أول هجمة جوية، قصف مائة هدف بواسطة عشرات الطائرات، تكون النتيجة تقليص الهجمات الجوية التي في الإمكان القيام بها بعد ذلك. وعليه فقد أصبحت العملية البرية حتمية، خصوصًا وأن حماس لم ترفع الراية البيضاء.

في الوقت نفسه راجت توقعات بأن هذا "الإنجاز" قد ينقلب على نفسه، في أي لحظة، إذا ما اعتبر الإسرائيليون العملية العسكرية فاشلة. ومثل هذا الاعتبار قد يتأتى، على سبيل المثال، إذا لم يتوقف إطلاق صواريخ القسّام على المستوطنات الإسرائيلية الجنوبية، أو إذا ما كلفت الحملة البرية سقوط ضحايا إسرائيلية كثيرة.

في واقع الأمر فإن هذا هو ما حدث فعلًا. وقد ترتّب على ذلك، فورًا، خروج حركة "السلام الآن" الإسرائيلية عن صمتها وتأييدها للحرب، ودعوتها إلى مظاهرة في تل أبيب يوم 10 كانون الثاني/ يناير 2009 تحت شعار "التحذير من الغوص في المستنقع الغزي". 

وسبق ليوسي سريد، وهو زعيم حزب "ميرتس" السابق وأحد أقطاب "اليسار الصهيوني"، أن رأى، في معرض تقييمه لصيرورة التيار السياسي الذي انتمى إليه، أن "اليسار الإسرائيلي" كان أحد أبرز المدفونين في "القبر الجماعي" الذي حفرته "حرب لبنان الثانية" (2006) لمجموعة من ساسة إسرائيل وعسكرها وإعلامييها. ذلك أن هذا اليسار لم يفعل ما كان يتعيّن عليه أن يفعله (وهو معارضة الحرب، بصريح العبارة) وبقي يمارس "الرقص على حبلين"، ما بين معارضة الحرب وتأييدها، بمسوّغ أنها "عادلة" و"مبرّرة". وكان يتوجب على هذا اليسار أن يفهم باكرًا- في قراءة سريد- أن انضمامه إلى الإجماع حتى لو كان متحفظًا وعابسًا من شأنه أن يؤجّج مسيرة حكام إسرائيل نحو عمق لبنان. وتساءل: إذا لم ينهض هذا اليسار في وقت الامتحان فمتى كان في نيته أن ينهض على قدميه؟.

وستكون لنا عودة أكثر تفصيلًا حول أبرز ملامح هذا "اليسار الصهيوني" وصيرورته.

رأى يوسي سريد، في معرض تقييمه لصيرورة التيار السياسي الذي انتمى إليه، أن "اليسار الإسرائيلي" كان أحد أبرز المدفونين في "القبر الجماعي" الذي حفرته "حرب لبنان الثانية" (2006)


الردع الإسرائيلي إزاء فلسطينيي الداخل

أمسى واضحًا في سياق لاحق أن أحد أهداف الحرب على غزة في شتاء 2009 تمثّل في تحقيق غاية "ترميم قوة الردع" الإسرائيلية، التي تمّ ثقبها، على ما أكدت قراءات عديدة. ولئن كان يراد لقوّة الردع هذه، في حال ترميمها، أن تبقى موجّهة نحو إيران وقوى المقاومة الفلسطينية والعربية، فإن قوّة ردع أخرى انفلتت في أثناء الحرب من أي عقال ضد المواطنين العرب الفلسطينيين في إسرائيل. وكان من الجليّ، منذ تلك الفترة، أن هذه القوة من المقدّر لها أن تتضاعف.

وبالإمكان التدليل على "الردع الإسرائيلي إزاء الداخل"- أي إزاء المواطنين الفلسطينيين تحديدًا- من خلال حقيقة بسيطة مؤداها أنه فور شنّ الحرب وجد هؤلاء المواطنون الفلسطينيون وممثلوهم المنتخبون أنفسهم تحت وابل من القصف المغرض غير المسبوق لحملة تحريض وشيطنة من جانب وزراء، وأعضاء كنيست من اليمين و"اليسار"، ومن إعلاميين على مختلف أنواعهم.

إن إيجاز مواقف ورؤى غالبية المواطنين الفلسطينيين ومنتخبيهم من الحرب ومن هذه الحملة عليهم يندرج ضمن العناوين الرئيسية التالية:

- تستهدف هذه الحملة جعل المواطنين الفلسطينيين يعربون عن تأييدهم للحرب القذرة، أو على الأقل شجبهم للمقاومة، ثقافة وممارسة.

- إن نطاق هذه الحملة، بما في ذلك العودة المكرورة إلى استعمال مصطلح "الطابور الخامس"، لا يدع مجالًا للشك في أن المفهوم السائد في إسرائيل إزاء المواطنين الفلسطينيين هو أنهم "عدو داخلي"، كلما تسنح أمام الأكثرية اليهودية الفرصة لتفريغ غضبها وإحباطها من جراء النتائج الكئيبة لسياسة الحكومة.

- أمّا بالنسبة للردع ذاته، باعتباره أحد "الكنوز الحديدية" من ناحية إسرائيل، فيمكن استخلاص بضعة دروس من هذه الحرب، وفق قراءة المواطنين الفلسطينيين. لكن يستحيل عدم التشديد، ضمن ذلك، على درس يبدو شديد الأهمية في قراءتهم، مؤداه أنّ أي آلة عسكرية، مهما يتعاظم جبروتها، لا تستطيع أن تشكّل قوّة رادعة كبديل عن الاتفاقات السياسية التي تقرّ بحقوق الشعب العربي الفلسطيني وسائر شعوب المنطقة في الأرض والسيادة وباقي الحقوق الشرعية. وهذه الحرب أعطت برهانًا قاطعًا آخر على هذا الأمر.

- أكّدت ردات الفعل من جانب غالبية المواطنين الفلسطينيين أنه مهما يكن الأمر غير مستساغ للأذن الإسرائيلية وللروح الإسرائيلية التي استبطنت، على ما يبدو إلى درجة التصامم تجاه أصوات أخرى، مسألة تفوّق إسرائيل العسكري وقدرة هذا التفوّق على أن يجعل كل من يلجأ إلى المقاومة الشرعية ضده أن يركع ويزحف نحو الإملاءات الإسرائيلية، فإن هذه الحرب تفتح نافذة لفرصة جوهرية أخرى، فرصة التحرّر من وهم القوة العسكرية، الذي يواصل تضليل القادة وكذلك الأكثرية الساحقة من الرأي العام اليهودي في إسرائيل.

بوحي من هذه العوامل فحسب، فإن الموقف الذي اتخذه المواطنون الفلسطينيون في غالبيتهم الساحقة واتخذه ممثلوهم من هذه الحرب تميّز بما يلي:

أ‌- معارضتها بكل الحزم وإبداء مظاهر الاستفظاع والاحتجاج على جرائم الآلة الحربية الإسرائيلية؛

ب‌- رؤية الصمود الفلسطيني في غزة بمثابة الغاية الأهم التي تستحق التدعيم، الآن وهنا، نظرًا إلى ما تنطوي عليه من احتمالات فرض حقائق جديدة على التفكير والوعي الإسرائيليين.

 

(يتبع)

 

الدخول

سجل عن طريق

هل نسيت كلمة المرور؟

أدخل عنوان بريدك الإلكتروني المستخدم للتسجيل معنا و سنقوم بإرسال بريد إلكتروني يحتوي على رابط لإعادة ضبط كلمة المرور.

شكرا

الرجاء مراجعة بريدك الالكتروني. تمّ إرسال بريد إلكتروني يوضّح الخطوات اللّازمة لإنشاء كلمة المرور الجديدة.