}

في رحيل عبد الرحمن الحداد: نجم الأغنية الوطنية اليمنية

صدام الزيدي صدام الزيدي 12 مايو 2026
هنا/الآن في رحيل عبد الرحمن الحداد: نجم الأغنية الوطنية اليمنية
عبد الرحمن الحداد


يترك رحيل الفنان اليمني عبد الرحمن الحداد (1950-2026) ندوبًا في مسار الأغنية الوطنية اليمنية التي باتت اليوم تعاني اضطرابًا واضحًا، إذ تعدّدت الأطياف والتشكيلات المتصارعة، فصار كل منهم "يُغنِّي على ليلاه"، بينما تتباعد مساحات واسعة من الجغرافيا عن بعضها، وإن كانت قريبة، ويحضر ما يمكن تسميته بـ"فوضى التلحين"، واتساع ثقافة الكراهية وتخوين الآخر، حتى عبر ما يُنتَج من أغانٍ و(زوامل)، والأخيرة هي نوع من الغناء الذي تسيطر فيه الكلمة على حيز كبير من الفراغ الموسيقي، وتتوارى الأغنية العاطفية بعيدًا.

بعد معاناة مع المرض، فاضت روح الحداد إلى بارئها في أحد مستشفيات القاهرة، حيث يقيم منذ سنوات، في غفلةٍ من المؤسسة الحكومية والنخب السياسية، إذ كتبت ابنته رنا الحداد في صفحتها على "فيسبوك":
"انتقل إلى رحمة الله والدي الحبيب عبد الرحمن الحداد، نسألكم الدعاء له بالرحمة والمغفرة، وأن يعصم الله قلوبنا في هذا المصاب الكبير".

ينتمي الحداد إلى أسرة تعود أصولها إلى وادي دوعن الشهير في حضرموت، لكنه ولد في مدينة المكلا الحضرمية، بأقصى شرق اليمن، ففي مدارسها تلقى تعليمه في المراحل الابتدائية والمتوسطة والثانوية، لينتقل عام 1966 إلى بغداد، حيث أكمل دراسته الجامعية في كلية الآداب، متخصصًا في الصحافة والإعلام، وحاصلًا على درجة البكالوريوس بتقدير امتياز. بعد عودته، في مطلع السبعينيات، عمل مذيعًا في إذاعة المكلا لفترة قصيرة، ثم انتقل إلى مدينة عدن للعمل في الإذاعة والتلفزيون هناك، قبل أن يذهب إلى المملكة العربية السعودية، التي مكث فيها عددًا من السنوات، ليعود بعدها إلى مدينة صنعاء عام 1989، حيث اشتغل مذيعًا في إذاعة صنعاء لسنوات، قبل أن يُعيَّن مستشارًا في وزارة الثقافة سنة 1991.

بدأ الحداد الغناء وهو في السابعة من عمره، وبعد عودته من الدراسة في العراق، بدأ بتسجيل أغانيه لعدد من شركات الإنتاج الغنائي، وللإذاعة والتلفزيون في مدينة عدن، وتوالت ألبوماته الغنائية لتصل إلى ما يقارب الخمسين ألبومًا؛ منها عشرة سجّلها مع أكبر الفرق المصرية في مدينة القاهرة. غنّى لعدد من الشعراء الكبار: حسين المحضار؛ أحمد سالم البيض؛ صالح عبد الرحمن المفلحي؛ مطهر الإرياني. وإضافة إلى تلحينه لعدد من أغانيه، فقد غنّى أيضًا من ألحان ثلة من كبار المطربين اليمنيين: عبد الرب إدريس؛ محمد مرشد ناجي؛ أحمد بن أحمد قاسم؛ أحمد بن غودل؛ عبد القادر الكاف؛ جنيد باوزير؛ أحمد السنيدار. من أغانيه العاطفية الشهيرة: على ميعاد؛ ربيع الحب؛ يعطيك قلبك؛ حبايبي رحلوا. ومن أغانيه الحماسية: حارس البن؛ مايو وفي الثاني والعشرين منه. أما أبو بكر سالم، فقد كان لأغانيه النصيب الأكبر في ألبومات الحداد، الذي تنقل في عدد من الدول العربية، وخاصة الخليجية منها، وسجّل عددًا من أغانيه في محطات إذاعية وتلفزيونية مختلفة، قبل أن يُمنح وسام الفنون والآداب من الدرجة الأولى، ودرع الثقافة، في تكريم خاص تبنّته وزارة الثقافة اليمنية. وكرّمته، أيضًا، مؤسسة الإبداع للثقافة والآداب والفنون في صنعاء بدرع المؤسسة.

نعته وزارة الثقافة، منوهة بصوته الغنائي، الذي "ارتبط بالهوية اليمنية الجامعة"، وبما تركه من إرث سيظل حاضرًا في ذاكرة الأجيال، بما حمله من مضامين وطنية وإنسانية.
وقال بيان وزارة الثقافة إن رحيل الحداد "يمثل خسارة كبيرة على الساحة الثقافية والفنية والإبداعية، وفقدانًا لأحد أعمدة الفن اليمني الذين أسهموا في ترسيخ الهوية الفنية وتعزيز حضورها".

كما نعاه المركز الثقافي اليمني في القاهرة، منوهًا بمسيرته الإبداعية الممتدة لأكثر من نصف قرن، ومشيرًا إلى أن رحيله يمثل خسارة كبيرة للثقافة اليمنية، التي افتقدت واحدًا من أبرز الأصوات التي أسهمت في ترسيخ حضور الأغنية اليمنية وتعزيز مكانتها. وفي المقابل، ينوه المركز الثقافي بالقاهرة بالحضور البارز الذي شغله الحداد في المجال الإعلامي، حيث عمل مذيعًا ومعدًا للبرامج في إذاعة المكلا، ثم إذاعة وتلفزيون عدن، فإذاعة صنعاء.

وبدأ المشوار الفني للحداد في ستينيات القرن الماضي، قبل أن يبرز اسمه في السبعينيات كأحد نجوم الأغنية اليمنية. ففي سن مبكرة، اعتلى خشبة المسرح في مدينة المكلا عام 1965، بينما كان في الخامسة عشرة من عمره، ليقدم في أول ظهور له أغنية "علّمتني شلون أحبك" للفنان أبو بكر سالم بلفقيه، مؤسسًا بذلك انطلاقته الأولى في الساحة الغنائية الحضرمية واليمنية.

ومن بين الشعراء الكثر الذين تعاون معهم الحداد، يحضر اسم الشاعر الراحل حسين المحضار في الصدارة، حيث شكّلا ثنائيًا قدم أغنيات لاقت انتشارًا واسعًا داخل اليمن وخارجه، مما أسهم في نقل الأغنية الحضرمية إلى جمهور أوسع.

تميّزت التجربة الغنائية للحداد بتقديم اللون الحضرمي، إلى جانب أدائه اللون الصنعاني، مما جعله من الفنانين اليمنيين الذين جمعوا بين أكثر من مدرسة غنائية.

في عام 1976، أحيا أول حفلاته الغنائية خارج اليمن في الكويت، ثم شارك لاحقًا في فعاليات وأسابيع ثقافية في عدد من الدول الخليجية والعربية.

وإعلاميًا، عُرِف الحداد مذيعًا ومعدًا لبرامج بثتها إذاعة المكلا على مدار ثلاث سنوات، أما انتقالته للعمل في إذاعتي وتلفزيون عدن، فتضمنت قراءة نشرات إخبارية، وامتدت إلى تقديمه برامج فنية وثقافية، غير أن فترة إقامته في عدن عززت من انطلاقته الفنية أكثر مما كانت عليه في المكلا، حيث سجّل عددًا من أغانيه للإذاعة، وأنتج نحو عشرة ألبومات بالتعاون مع شركة متخصصة في إنتاج وتوزيع الأسطوانات الغنائية، ومهدت كل تلك المحطات للانتقال إلى صنعاء، حيث واصل مشواره الغنائي، وكذلك الإعلامي، من منبر إذاعة صنعاء.

وهنالك كثير من روائع الحداد الغنائية تظل عالقةً في أذهان المستمعين في اليمن وخارجها، نذكر منها: "على ميعاد"؛ "صادت فؤادي"؛ "حرام عليك تقفل الشباك"؛ "مهما يطول الزمن"؛ "زمان الصبا"؛ "زمن العجايب"؛ "لو دامت لغيرك"؛ "كحيل الطرف"؛ "ما يقول الأصيل"؛ "أحلى الليالي"؛ "أمانتك يا طير". أما الأغاني الوطنية، ففي صدارتها أغنية: "مايو وفي الثاني والعشرين منه"، وهي أغنية تمجد اتفاق الوحدة اليمنية في مايو/ أيار 1990، وكذلك أغنية: "جميل أنت يا وطني"، وأغنية: "حارس البن".

الدخول

سجل عن طريق

هل نسيت كلمة المرور؟

أدخل عنوان بريدك الإلكتروني المستخدم للتسجيل معنا و سنقوم بإرسال بريد إلكتروني يحتوي على رابط لإعادة ضبط كلمة المرور.

شكرا

الرجاء مراجعة بريدك الالكتروني. تمّ إرسال بريد إلكتروني يوضّح الخطوات اللّازمة لإنشاء كلمة المرور الجديدة.