يعتبرها الكثير من الصحافيين والنقاد والآلاف من معجبيها ظاهرة تتجاوز المشهد الأدبي الفرنسي الذي أعطته لمسة غير مسبوقة منذ أربعة أعوام فقط. إنها إستيل دروان البالغة من العمر 29 عامًا، والموسيقية المتخصصة في العزف على الكمان، والموظفة الوزارية السابقة، والتي أصبحت ظاهرة متشعبة الجوانب ومتنوعة الهوية، وعجيبة الوجود ثقافيًا واجتماعيًا وأدبيًا في زمن رقمي أعجب سمح لها بأن تنفرد بحرية نقدية استنادًا "لاستقلالية" مهنية أخرجتها من خندق الصحافة الثقافية التقليدية. الأم لابن وحيد، أحدثت "ثورة" أدبية بحسابها الرقمي المبهر عبر منصتي "أنستغرام" و"تيك توك"، وأضحت رمز سلطة أدبية مضادة للصحافيين والنقاد العاملين في صحف ومجلات وقنوات الإذاعة والتلفزيون. هذه الحقيقة الخارجة من رحم الإعلام الإلكتروني البديل، سمحت لها أن تتحول إلى أيقونة نقدية تلجأ إليها دور النشر ووسائل الإعلام الباحثة عن أصالة أو عذرية أدبية تسبح صاحبتها ضد التيار الثقافي الطاغي والجارف المسيطر بالمضامين المجترة والناطقة بالأيديولوجية، وليس على الشكل الذي تراه السيدة دروان المصدر الأول والأخير للإبداع، وإعجابها بالروائي "سيلين" المنبوذ إعلاميًا ليس أمرًا عفويًا. هنا تعريف بهويتها المثيرة على أكثر من صعيد انطلاقًا مما كتب عنها بنسبة محتشمة في تقديرنا ـ ليس كمؤثرة رقمية موهوبة تتناول بالتقديم والنقد الكتب غير المعروفة ـ، ولكن كمبدعة محتوى أدبي كما تؤكد في كل مرة دون أن تمدح نفسها أو تزعم تأثيرًا ما في غياب أدلة ملموسة ودراسات وإحصاءات دقيقة على حد تعبيرها، رغم انتشار اسمها في الأوساط الأدبية كالنار في الهشيم.
تأثير جواري غير نخبوي
كما كان متوقعًا، انفرد موقع "أكتوليتيه" الرقمي (أحداث الأدب) المتخصص في عالم الأدب بمقال عميق عن "الآنسة قلبي"، الاسم الذي أعطته إستيل دروان لموقعها الرقمي الفريد من نوعه. الآنسة التي تتلقى العشرات من الروايات على مدار الشهر بمعدل خمس روايات يوميًا، هي "مكتبة حية تعتمد صاحبتها على أحاسيسها" للتعريف بكتاب مجهولين يبدعون بعيدًا عن الإعلام التقليدي، ولا تتبنى الأحكام النقدية الأكاديمية المعلبة، وتعترف وتعرّف بميزة هذه الروائية أو هذا الروائي لتوصي معجبيها بقراءة إبداع الذين لا يحظون بالتعريف والاهتمام في الإعلام التقليدي الثقيل. الروح الجوارية والحميمية الشخصية، والمصداقية والثقة، والتقديم الفني المدروس شكلًا، وإيقاع التركيب لفيديوهات قصيرة ومكثفة، كلها عوامل نجاح "فرض نفسه على دور نشر ووسائل إعلام أصبحت تلجأ إليها بعد تأكد الإقبال على الروايات التي أوصت بقراءتها عبر منصات وسائل التواصل الاجتماعي"، حسب الموقع الأدبي المذكور. الآنسة القارئة والمثقفة والكاتبة النقدية التي اخترقت الإعلام الثقافي التقليدي، فازت بثقة كتاب أصبحوا معروفين بعد أن قدمتهم بالصوت والصورة في موقعها الرقمي المذكور، وبناشرين تأكدوا من تأثيرها على جمهور وسائل التواصل الاجتماعي، الأمر الذي تنافس به إعلام المحاباة الأيديولوجية والمجاملات والمصالح الشخصية البعيدة عن معايير الإبداع. حديثها عن الروايات من دون أفكار مسبقة وجاهزة فكريًا تحت وطأة الإحساس بكتب لا تعرف أصحابها الذين يبدعون بتفجير اللغة والأساليب التقليدية والقولبة النمطية، عوامل أخرى أضافت لظهورها عبر الفضاء الرقمي وهجًا وجوديًا جماليًا ينتقل بسرعة من الأفواه إلى الآذان. إنه الانتقال الذي يحدث اختراقًا اجتماعيًا وسيكولوجيًا وحميميًا لا تقدر على تحقيقه الصحافة الثقافية التقليدية التي أضحت عاجزة أمام الزحف السمعي البصري الإلكتروني غير السلبي حتمًا وفي كل الحالات، كما فهمنا من متابعيها المعجبين من عامة القراء وغير النخبويين بالضرورة.
| |
| إستيل دروان: أتساءل دائمًا عن مدى حقيقة تأثير تعريفي بروائيين في غياب إحصاءات دقيقة كما يحدث مثلًا مع برنامج "المكتبة الكبيرة" الذي يساهم في رفع نسبة بيع كتب الروائيين |
من الموسيقى إلى الكتاب
سيدة التواصل الرقمي في المجال الأدبي، أصبحت مرجعية نقدية يُحسب لها ألف حساب بعد أن قضت عقدًا كاملًا تعزف على الكمان وتدرس الحقوق متخصصة في القانون الجنائي قبل أن تكتشف شغفًا مهنيًا أضحى مبرر وجودها الحياتي بعيدًا عن الفضاءات المغلقة اجتماعيًا وإنسانيًا. بعد تواصل رقمي قبل وبعد الحجر الصحي في عز انتشار وباء كورونا عبر منصة "أنستغرام" التي تنشر البلاهة في تقديرها، فتحت إستيل حسابها الرقمي الخاص في شكل دفتر صحافي يومي يتناول قضايا الأدب والنقد بوجه عام، والرواية بوجه خاص من منطلق التعريف بالمبدعين البعيدين عن أضواء الصحف والمجلات النخبوية المتخصصة والبرامج الإذاعية والتلفزيونية التي تعنى بالأدب. حتى تحقق مبتغاها الجديد، راحت الناقدة الأدبية المستقبلية تلتهم الكتب الروائية متقاسمة كتاباتها مع الآلاف من القراء الرقميين بعد تشكيلها توصيات أضحت خطها الأدبي التحريري المفتوح على القبول والرفض والجرأة والاختراق، ولا أدل على ذلك استنطاقها أدب الجسد ليس من منطلق جنسي إباحي كما يمكن أن يُفهم، ولكن اعتمادًا على الكلمة الأدبية الخارقة والواصفة لمحاذير أقرب إلى النفاق الاجتماعي والنفسي. لم تكن الجرأة الاجتماعية العامل الوحيد في بروز السيدة إستيل، والمشاهد للفيديوهات التي تقدمها يقف عند صفاتها الذاتية ومهاراتها المهنية الموضوعية التي تركتها تقتحم الآلاف من القلوب والعقول في سنوات قليلة انطلاقًا من مطلع عام 2020.
ظاهرة نقدية رقمية
الظاهرة النقدية الرقمية ـ كما أجمعت على وصفها وسائل إعلام ـ لا تتقاسم بالضرورة توجهات أيديولوجية واحدة، وجه صبوح تُحسن صاحبته قراءة ونقد الروايات بكلمات مختصرة ودقيقة وعرض القضايا غير المجترة التي تتضمنها بإيقاع مدروس في فيديوهات لا تتجاوز ثلاث دقائق سواء تعلق الأمر بالتركيب أو الإلقاء أو الإخراج. توظف إستيل حسها الموسيقي والأدبي الثاقب متحدثة بتلقائية دون حشو عن مضامين الروايات كاسرة اللغة الأكاديمية النخبوية، ومتجاوزة الاصطناع المفضوح وكاشفة عن الكتاب المنسيين، والأجساد التي لا تتكلم على هامش أدب ونقد الإعلام الثقافي التقليدي على حد تعبير فانسان هان، صحافي موقع "أحداث الأدب" (أكتوليتيه). الناقدة الأدبية الشهيرة، أضحت نموذجًا للصحافية المواطنة التي لا تخضع لرقابة وتوجيه مسؤولي الخط التحريري تحت وطأة توجه أيديولوجي مسبق تفرضه هذه الجهة أو تلك في الإعلام الثقافي العمومي أو الخاص، وتفعل إستيل ذلك مدّعية الاستقلالية في ظل قبولها التعاون مع دور نشر ووسائل إعلام غير محايدة أيديولوجيًا بدورها. قوتها تكمن ـ رغم تقديمها في ثوب الاستقلالية الأقرب إلى الوهم ـ، في مزاحمتها النقاد والصحافيين المكرّسين في الإعلام الثقافي بوجه عام والنقد الأدبي بوجه خاص، وهم النقاد الذين تستفيد منهم على قلتهم ولا تتعالى عليهم ولا تنكر قوتهم وخصوصياتهم، ومن بينهم الناقد والروائي فرديريك بغبيديه، صاحب البرنامج الأدبي الذي تقدمه قناة "لوفيغارو" اليمينية، كما تتابع دوريًا بانتظام البرنامج الأدبي الشهير "المكتبة الكبرى" الذي يقدمه الصحافي أوغستان ترابنار على قناة "فرانس 5" العمومية خليفة فرنسوا بونال منذ عام 2022. في حديثها المطوّل للموقع الفرنسي المذكور، كشفت إستيل عن كيفية دخولها عالم الكتب في البداية بصدق لافت ودون ادّعاءات تنمّ عن غرور أو روح يقينية جاهزة: "اكتشفت جمهورًا يبحث مثلي عن كتب أخرى غير تلك التي تمثل توجهات معروفة في الإعلام التقليدي، وهو الجمهور الذي يشبهني تمامًا، الأمر الذي خلق تجاوبًا سريعًا بيننا بدون تخطيط مسبق مني. لأنني أرفض بطبعي اتباع القطيع ومجاراة السائد الطاغي، وجدت الآلاف ممن يرتاحون لاختراقي، الأمر الذي لا يعني أنني مصيبة في خياراتي الأدبية والنقدية، ويبقى الأنا سيد الموقف في كل الحالات بمعنى حاجتي للبحث عن كتّاب يخرجون عن المألوف، ويكسرون التقاليد النقدية الطاغية والنجومية الإعلامية".
تنوع أدبي وكتاب منسيون
إستيل دروان أخرجت إلى النور عددًا غير قليل من الكتاب المنسيين وغير المعروفين في الإعلام الثقافي التقليدي، والخارجين عن إطار القولبة الأدبية المسيطرة بفضل تنوع إبداعي غير تقليدي بدوره، ومن الذين جسدوا ذلك كلاريس ميشو وكريم كاتان وأوليفييه لوفرنسكي وجيني إربنك وفانسان بوتيديمانج ولويز برويز وآخرين كثر كتبت عنهم وحاورتهم من أمثال إريك رينهاردت وتيو كاسياني ونيكول بليدون، وتعد الكاتبة نيكول من الأسماء الأدبية الأخيرة التي قدمتها إستيل للقراء بعد إعجابها بروايتها الجديدة "الدب الأزرق". إستيل المعجبة بالكاتبة الجزائرية الراحلة آسيا جبار، وبالحي الذي يرزق ياسمينة خضراء الذي أغضب صهاينة بباريس مؤخرًا بتحفته الروائية الجديدة "مصلي بيت لحم"، تقضي وقتًا طويلًا في قراءة الروايات التي تهطل عليها يوميًا لقراءة وتقديم تلك التي تعكس ذوقها الأدبي الخارج عن المألوف عبر منصتها الإلكترونية الشهيرة "الآنسة قلبي". في حوارها لمجلة "قاعدة اللعب"، أكدت رفضها لتعبير أو تسمية "التأثير الرقمي" وبالتالي اعتبارها مؤثرة أدبية رقمية رغم رواج اسمها لغياب الدليل الملموس على هذا التأثير، داعية إلى اعتبارها "مبدعة محتوى" لاقتناعها بتقديم مادة إبداعية غائبة في الإعلام الثقافي التقليدي: "أتساءل دائمًا عن مدى حقيقة تأثير تعريفي بروائيين في غياب إحصاءات دقيقة كما يحدث مثلًا مع برنامج ’المكتبة الكبيرة’ الذي يساهم في رفع نسبة بيع كتب الروائيين الذين تقدمهم القناة التلفزيونية العمومية الخامسة. عملي كناقدة أدبية رقمية في حاجة إلى دراسات علمية تكشف عن مدى فعاليته وسط قراء من نوع اجتماعي عام وخاص". رغم غياب الأرقام التي تكشف عن فعالية نقدها، هناك أدلة تثبت ذلك مثل تلقيها العشرات من الكتب الروائية من دور نشر كثيرة لم تطلبها منها، وطلبات إنجاز مقالات لجهات إعلامية تقليدية، "الأمر الذي يفسر إقدام دور نشر على إغراقي بكتب لم أطلبها خلافًا لما يحدث مع صحافيين يعملون في الإعلام الثقافي التقليدي". إستيل التي لاحظت مؤخرًا رواج الروايات التي تتناول الحداد كشهادة إثر رحيل الأم أو الأب، قالت للمجلة الفرنسية المذكورة: "أهتم أساسًا بالأدب المعاصر الذي يعكس حرية لافتة في الأسلوب من خلال اللعب بالكلمات وتوظيف الشعر وتخييل الذات". المعجبة بالروائي الكبير الراحل سيلين مثل الجزائري رشيد بوجدرة ـ رغم ارتباط اسمه بالنازية عند الكثير من الصحافيين الفرنسيين ـ أضافت تقول للمجلة الفرنسية: "إن سيلين من الكتاب القلائل الذين يدفعونني للكتابة بسبب خصوصية أسلوبه البديع وغير التقليدي"، قبل أن ترد على سؤال يتعلق بأسماء روائية أعجبت بها من بين أخرى غير معروفة: "أنا معجبة كثيرًا بجان باتيست دل أمو الذي قرأت كل رواياته، وأحب كثيرًا أيضًا جان فيليب توسان. أتمنى أن يقلّ عدد الروائيين الذين يظهرون في مطلعي الشتاء والخريف بكتابات تفتقد للإبداع الحقيقي في الكثير من الأحيان، وشخصيًا أفضّل أن يظهر كاتبان مبدعان أو ثلاثة كتّاب في كل جيل كما قال سيلين، أفضل من لعنة الكثرة التي لا تعني شيئًا إبداعيًا".


تحميل المقال التالي...