}

ستون عامًا على "جريمة ماو الكبرى"

ضفة ثالثة- خاص 22 مايو 2026
هنا/الآن ستون عامًا على "جريمة ماو الكبرى"
النقاش في هذه الجريمة لا يزال من المحظورات بالصين

ثمة مشهد لا يمكن نسيانه بسهولة: مديرة مدرسة محترمة، طالما وقف أمامها التلاميذ بالهيبة والتبجيل، تُسكب عليها دلاء الماء المغلي على ظهرها في فناء المدرسة ذاته الذي حكمته لسنوات. من يفعل ذلك؟ تلميذاتها، لا يتجاوزن الخامسة عشرة من العمر. يواصلن التعذيب بهدوء بارد، بعصيٍّ مدببة بالمسامير، ويُكرهنها على حمل الطوب حتى تسقط ميتةً. لم تكن هذه حادثة استثنائية في الصين عام 1966، بل كانت نمطًا.
قبل ستين عامًا بالضبط، أطلق ماو تسي تونغ ما سمّاه بـ "الثورة الثقافية"، وهو الاسم الأكثر تلطفًا في التاريخ لوصف تجربة إبادة منظّمة طاولت العقول قبل الأجساد. لم يكن ماو يؤمن بأن المجتمع بحاجة إلى ثورة — كان يعرف جيدًا أنه بحاجة إلى إلهاء. فبعد كوارث سياساته الاقتصادية التي أودت بحياة الملايين جراء المجاعة، وجد الدكتاتور في الشباب أداةً مثالية لتحويل الأنظار: جيل غاضب، قابل للتشكيل، يبحث عن عدو.
فأعطاه ماو عدوَّه: المعلمون، والمثقفون، وكل من يحمل أثرًا من الماضي أو نَفَسًا من الاستقلالية. وُلدت "الحرس الأحمر" — تلك الميليشيا الشبابية التي تحوّلت في وقت قصير من أداة في يد الديكتاتور إلى وحش يصعب ترويضه. راحت تجوب المدن والقرى، تُحطّم التماثيل وتحرق الكتب وتُذلّ الأطباء والأساتذة في ميادين عامة، وتُقيم محاكمات صورية تنتهي أحيانًا بالإعدام الميداني.
لكن الوحوش لا تعرف الولاء. سرعان ما انقلبت فصائل "الحرس الأحمر" على بعضها، وباتت تتقاتل في الشوارع بالأسلحة. آنذاك فقط، حين أفلت الزمام من يده تمامًا، تدخّل ماو بالجيش لإخماد اللهب الذي أشعله بنفسه. جرى اعتقال كثير من الشباب الذين لم يمضِ وقت طويل على تلقّيهم التعليمات من الحزب، فيما نُفي آخرون إلى الأرياف في حملات "إعادة التثقيف" — وهو مصطلح صيني الصنع لا يختلف في جوهره عن الاعتقال التعسفي.
حين وضعت الثورة الثقافية أوزارها، كانت الصين قد أنتجت جيلًا بأكمله فقد سنوات تعليمه، وشهد فظائع لا تُوصف، وارتكب بعضه جرائم لم يختَرها بقدر ما وجد نفسه في خضمّها. أما الرقم الإجمالي للضحايا فلا يزال موضع جدل، لكن المؤرخين يتحدثون عن مئات الآلاف من القتلى وملايين المشردين والمُعذَّبين.
واللافت أن النقاش في هذه الجريمة التاريخية لا يزال من المحظورات في الصين الرسمية حتى اليوم. أما الحزب الشيوعي فقد ابتكر في ثمانينيات القرن الماضي معادلته الخاصة للتعامل مع إرث ماو من دون الاضطرار إلى هدم تمثاله: سبعة أعشاره إيجابية وثلاثة أعشاره سلبية. حكمٌ نقدي لا يُصدّق أن يصف به أحدٌ منظّمَ مذبحة بهذا التبسيط الحسابي، لكنه يقول الكثير عن الطريقة التي تتعامل بها الأنظمة مع ذاكرتها حين تكون تلك الذاكرة شاهدًا على إدانتها.

الدخول

سجل عن طريق

هل نسيت كلمة المرور؟

أدخل عنوان بريدك الإلكتروني المستخدم للتسجيل معنا و سنقوم بإرسال بريد إلكتروني يحتوي على رابط لإعادة ضبط كلمة المرور.

شكرا

الرجاء مراجعة بريدك الالكتروني. تمّ إرسال بريد إلكتروني يوضّح الخطوات اللّازمة لإنشاء كلمة المرور الجديدة.