انتهت مؤخرًا فعاليات الدورة الثالثة من برنامج «هنا فلسطين»، التي انطلقت نسختها الجديدة في العشرين من أيار/ مايو الجاري، ببرنامج ثقافي غني ومكثف، تنقّلت فعالياته بين عروس البحر المتوسط والعاصمة، القاهرة والإسكندرية، في رحاب مقرّي المعهد الثقافي الفرنسي بالمحافظتين، الجهة المنظِّمة للحدث، بمشاركة عربية ودولية موسّعة، سعت إلى الاحتفاء بالتاريخ الحضاري للأراضي المحتلة بعيدًا عن الصورة المختزَلة للحرب والخراب، وعبر مساحة جمعت بين السينما والموسيقى إلى جانب الفنون البصرية والندوات الفكرية، في محاولة لاستعادة حضور الثقافة بوصفها شكلًا من أشكال مقاومة المحو والإبادة، المادية والمعنوية، والتمسُّك بالذاكرة الجمعية.
فلسطين اليوم والأمس
إلى جانب حفلات الرقص والدبكة الفلسطينية، استضاف برنامج هذا العام معرضين، انطلق أولهما في صورة حية عبر بازار امتدّ على مدار أيام الفعاليات، دعمًا لبعض الحرف التراثية والمنتجات اليدوية، مثل الشال والكوفية ومشغولات التطريز، بالإضافة إلى عدد من المنتجات أو المأكولات الغذائية نجحت هي الأخرى في عبور الحدود وكسر الحصار المفروض على الهوية الفلسطينية، من زيت الزيتون والصابون النابلسي، وصولًا إلى بعض الحلوى الشعبية الشهيرة.
أما المعرض الفوتوغرافي المصاحب للفعاليات، والمستمرّ حتى الثامن عشر من الشهر القادم، فقد شهد إقبالًا ملحوظًا على مدار أيام البرنامج، مع توقعات بتزايد أعداد الزوار تزامنًا مع النشاط الصيفي للمعهد. مجموعة متنوعة من اللوحات الفوتوغرافية تشارك بها الفنانة الفلسطينية رندا شعث في معرضها المعنون «نحب الحياة إذا ما استطعنا إليها سبيلًا»، على أن هذا الاستدعاء لقصيدة الشاعر محمود درويش لا يقف عند حدود الاستعارة الجمالية فحسب، بل يصير تجسيدًا لحالة من الصمود الاضطراري كُتبت على الفلسطينيين، كما يقول درويش، «نرقص بين شهيدين... نرفع مئذنة للبنفسج بينهما أو نخيلًا»، ما تحوّل بدوره، من خلال كاميرا شعث، إلى مانيفستو بصري يوثّق مظاهر الحياة في فلسطين من منتصف التسعينيات وحتى بدايات الألفية، قبل ممارسات الإبادة الأخيرة.
من خلال تدرّجات الأبيض والأسود المتباينة، تنسج شعث عالمها الفوتوغرافي من دون رتوش أو ألوان، وهو اختيار مقصود في مواجهة واقع قاتم، يعصف بالأهالي وذكرياتهم المحفورة داخل البيوت، وعلى الجدران، أو في الشوارع. من حيفا إلى يافا، ومن القدس إلى دير البلح، تقتنص الصور لحظات عفوية لمسنّ يجلس أمام دكانه العتيق مرتديًا الزي الفلسطيني والعقال، غير عابئ بالسيارة الحديثة خلفه، مجموعة من الصغار يتحلقون حول دراجاتهم في وسط الطريق استعدادًا لسباق، وبائع زهور بصحبة ولديه، فيما يقود راعي غنم قطيعه بهدوء بالقرب من شاطئ غزة، وثمة صورة لفتاة فلسطينية بزي رسمي تنظّم عبور المارة في الشارع.
كرنفال مزدحم، يمرّ على كافة مظاهر الحياة اليومية العادية، من داخل البيوت، كصور أعياد الميلاد، صورة لأم وابنتها في المطبخ تحتسيان الشاي، أو خارجها، بداية من بائع الحلوى المتجوّل وبائعات الكرنب، وصولًا إلى صالون حلاقة، وشباب يدخنون أعلى كوبري، وأطفال يلهون على الشاطئ، حتى إعلان ضخم عن مشروع سكني يحمل اسم «برج الأمل»، عنوانه: «شاطئ بحر غزة، قرب مدرسة الشيخ عجلين»، المنطقة التي تعاني حاليًا كغيرها أضرار القصف الإسرائيلي المتواصل على القطاع.
حكايات من خلف الجدار
تنقّلت فعاليات البرنامج بين فنّي الصورة والكتابة، من خلال محور فكري وعروض سينمائية اشتركت جميعها في حكاية واحدة عن الحصار، تُروى من وجهات نظر تختلف باختلاف الحالات والتجارب الإنسانية. في هذا السياق، يبرز الفيلم الفلسطيني «كان يا ما كان في غزة»، أحدث أفلام الشقيقين عرب وطرزان ناصر، والذي امتلأت قاعة السينما عن آخرها بالمشاهدين، بما في ذلك الممرات والطرقات الجانبية، رغم أن الفيلم سبق عرضه في مصر أكثر من مرة.
في فيلمهما الجديد، يرسّخ الأخوان خطوة مضافة لمشروعهما الغزّاوي في ثلاثية غزة، حتى الآن على الأقل، فقد أشارا في حوار سابق إلى أن مشروعهما المقبل سيكون بعنوان «غزة للأبد»، كما يمكن اعتبار فيلمهما القصير «كوندوم ليد» 2013 امتدادًا أوّليًا للمشروع. تتجوّل عدسة الفيلم بين شوارع غزة سنة 2007، في مدينة محاصرة ومتهالكة، مع بداية إعلان الحصار على القطاع، متتبّعة حكاية عادية وبسيطة لصديقين، أسامة - مجد عيد، ويحيى - نادر عبد الحي، يتخذان من عملهما في محل شعبي لبيع الفلافل ستارًا لتجارة الحبوب المخدّرة، تنقلب الحال حين يصطدمان بضابط الأمن المنحرف، أبو القاسم - رمزي مقدسي.
يبدأ الفيلم بإعلان لفيلم «الثائر البطل»، أول فيلم «أكشن» في غزة من بطولة يحيى ناصر، كما تخبرنا العناوين، «قصة كفاح شعب تحت الاحتلال». بروح كاريكاتورية، يقدّم السيناريو مستقبل بطله، ساخرًا من فكرة البطولة كليا، ناهيك عن تاريخ تجارته المشبوهة. هنا يرسّخ الفيلم عبثية البحث عن بطولة في واقع كهذا، معيدًا تفكيك مفهومها، حيث تتوارى كل صور البطولة أمام نضال من نوع مختلف، تحكمه مصلحة الجماعة لا الفرد.
كذلك، ضمّ المحور الفكري ثلاث موائد مستديرة ناقشت موضوع الهوية الفلسطينية، من بينها «التوارث والمنفى» و«غزة من منظور إنساني»، إلى جانب تسليط الضوء على صور مختلفة من المعاناة المستمرة للغزاويين منذ السابع من تشرين الأول/ أكتوبر؛ بداية من موجات النزوح واللجوء، حيث حضر إلى مصر أكثر من 160 ألف فلسطيني، سواء للإقامة أو تلقي العلاج، وصولًا إلى الخسائر الفادحة التي طاولت الكيان الصحافي، مع مقتل أكثر من 260 صحافيًا فلسطينيًا خلال الحرب. كما استعرضت الندوات شهادات وحوارات أدلى بها لاجئون فلسطينيون، تكرّرت فيها عبارة: «العالم توقّف عن الإنصات إلينا»، بالتوازي مع الإشارة إلى الدور الذي لعبته مراكز الدعم الفرنسية في مصر، والتي استضافت أكثر من تسعمائة طفل فلسطيني منذ اندلاع الحرب.
إلى جانب هذا، يأتي حفل توقيع ومناقشة رواية «حكاية جدار» لناصر أبو سرور، الصادرة عن دار الآداب منذ أربع سنوات، قبل أن تتمّ ترجمتها إلى الفرنسية بعنوان «أنا حريتي» عن دار نشر غاليمار وتحصد جائزة الأدب العربي، العام الماضي، فيما بدا مؤلفها خلال الندوة، وكأنه لا يزال يتنفّس نسائم الحرية الأولى بعد سنوات الاعتقال الطويلة، في حضور مترجمته الفرنسية ستيفاني دوجول.
«علّي الكوفية»
قبل أن يُفرَج عنه العام الماضي ضمن صفقة لتبادل الأسرى، احتلّ الروائي ناصر أبو سرور المرتبة الـ21 في قائمة قدامى أسرى فلسطين المعتقلين منذ ما قبل اتفاقية أوسلو، حيث قضى الجزء الأكبر من عمره متنقلًا بين سجون عسقلان وهداريم ونفحة، فيما يزيد على ثلاثة عقود، بدأت بجملة «وداعًا يا دنيا»، التي نقشها فوق حائط زنزانة ضيقة أثناء التحقيق معه في سجن الخليل سنة 1993، في قراءة استباقية لمصيره اللاحق بالسجن مدى الحياة بتهمة مقاومة الاحتلال الصهيوني. غير أن علاقة أبو سرور بفلسفة الأسر خلف «الجدار» بدأت قبل دخوله المعتقل بسنوات، تحديدًا، منذ ميلاده في مخيم عايدة شمال بيت لحم، المكان الذي شهد تشكّل وعي طفل عاش منفصلًا عن المدن المحيطة خلف حدود غير مرئية، قبل أن يتحوّل الجدار لاحقًا في كتابه إلى بطل مجازي وواقعي، على حد سواء، لم يكتفِ كاتبه بأنسنته فقط، كما جرت العادة في تجارب مشابهة.
رغم أن الإطار العام للرواية يمكن إدراجه ضمن «أدب السجون»، إلا أن عالمها يمزج بين السيرة الذاتية والواقع والخيال، متخذًا من «الجدار» رفيقًا وجلادًا في الوقت ذاته، داخل نسيج ينطلق من مرحلة الانتفاضة الأولى التي يقول عنها الكاتب: «كنا أكبر من بلادنا... كنا أقدم من تاريخنا، من كنعان وعدنان ومن لسان العرب»، وفي موقع آخر يكتب: «جئت في عصر العجز والتواطؤ لأسرة هامشية سكنت مكانًا هامشيًا تملؤه شخوص هامشية، تصدّرت أخبارها حناجر من فقدوا القدرة على الصراخ ولا صوت لهم».
تجربة يصعب اختزالها في كلمات، وربما ستترك أثرًا طويلًا على صاحبها، الذي أشار في أكثر من حديث مؤخرًا إلى استمرار هيمنة سطوة «الجدار» عليه حتى بعد مغادرة السجن، على كافة مستويات حياته، بما فيها الكتابة نفسها، التي توقّف عنها لا إراديًا لبعض الوقت. مع ذلك، بدا المشهد خارج الندوة مختلفًا؛ فهناك جيل جديد من الشباب، وُلد أغلبه بين المنافي ومخيمات اللجوء، كان يلوّح بالكوفية الفلسطينية في الهواء على إيقاع أغنية «علّي الكوفية»، كادت تتخطى محيط حديقة المعهد، لتخترق قبة السماء.


تحميل المقال التالي...