}

في وقائع فرض سقف اليمين الإسرائيلي بـ"مسار التسوية" (1-2)

أنطوان شلحت أنطوان شلحت 6 مايو 2026
هنا/الآن في وقائع فرض سقف اليمين الإسرائيلي بـ"مسار التسوية" (1-2)
حكومة بنيامين نتنياهو 2009

[تعريف:
في سلسلة مقالات سابقة، لفتنا إلى أنه في شتاء 2009 شنّت إسرائيل أول حرب واسعة النطاق على قطاع غزة، بعد "خطة فك الارتباط" أحاديّة الجانب عام 2005 وما تلاها
من انقسام سياسي وانشطار جغرافي بين قطاع غزة والضفة الغربية في أواسط حزيران/ يونيو 2007. وجاءت تلك الحرب في إطار ما عرف إسرائيليًا باسم "عملية الرصاص المسبوك" العسكريّة، وقد بدأت بها يوم 27 كانون الأول/ ديسمبر 2008 وانتهت يوم 18 كانون الثاني/ يناير 2009. وكانت سبقتها عدة عمليات عسكرية عدوانية إسرائيلية أخرى ولكن على نطاق ضيّق. وعلى خلفية "حرب شتاء 2009" هذه فإن أكثر ما حرص المسؤولون الإسرائيليون السياسيون والعسكريون على تأكيده تمثّل في أن دولة الاحتلال جاهزة لمواجهة أي تصعيد حربي. وهو تأكيد بدا في حينه أنه يمتح مما يمكن اعتباره بمثابة عقيدة إسرائيلية مؤداها أن الحرب هي الوسيلة المقدسة بصورة عمياء كي تدافع عن بقائها، وصارت إلى ترسّخ أكثر فأكثر، من ناحية وقائعية، في إثر تقرير "لجنة غولدستون" الأمميّة التي تقصّت وقائع تلك الحرب على غزة وما تمخض عنه من تداعيات دولية، وقد استجرّ في حينه حملة هجوم إسرائيلية حادّة كان في صلبها الربط الضمنيّ على المستويين الرسمي والشعبي بين الحرب والبقاء، إلى درجة تأليه الأولى.

وفي هذه المقالة نتابع ما تلا تلك الحرب من تطورات ومستجدات أفضت إلى ما آلت إليه إسرائيل إثرها، وذلك بغية تأكيد ارتباط ما يحدث في الحاضر بما كان وتراكم في الماضي]: 


مثَّل عام 2009- 2010 مرحلة اختبار حاسمة لحكومة بنيامين نتنياهو اليمينية (حكومته الثانية بعد انقضاء عقد على حكومته الأولى التي استمرت ولايتها بين الأعوام 1996- 1999) في ظل تزامن تسلمها سدّة الحكم مع وصول إدارة أميركية جديدة برئاسة باراك أوباما، حملت خطابًا وُصف بأنه "مغاير" حول الشرق الأوسط، خصوصًا في ما يتعلق بحل الدولتين وتجميد الاستيطان في الأراضي المحتلة منذ 1967. وقد تشكّلت حكومة إسرائيلية هي الأوسع في تاريخ دولة الاحتلال حتى ذلك الوقت، ذات طابع يميني– ديني واضح، نجح نتنياهو عبرها في تحقيق إنجاز واحد أساسه البقاء والاستقرار السياسي، من خلال المناورة بين ضغوط خارجية محدودة، وإجماع داخلي متين، وهدوء أمني نسبي، ووضع اقتصادي مقبول. وفي قلب هذا المشهد برز خطاب جامعة بار إيلان (الأول) بوصفه استجابة تكتيكية مدروسة لمطالب واشنطن، لا تحوّلًا جوهريًا في الرؤية السياسية، عاكسًا حدود التجاذب مع إدارة أوباما، ومُحدّدًا سقف ما يمكن أن يقدمه اليمين الإسرائيلي في مسار "التسوية".

احتل حزب "إسرائيل بيتنا" اليمينيّ المتطرّف برئاسة أفيغدور ليبرمان، موقعًا مركزيًا في الحكومة اليمينية برئاسة بنيامين نتنياهو عام 2009


واحتل حزب "إسرائيل بيتنا" اليمينيّ المتطرّف برئاسة أفيغدور ليبرمان، موقعًا مركزيًا في الحكومة اليمينية برئاسة بنيامين نتنياهو، وبالإضافة إليه انضمت إلى هذه الحكومة، في آخر المطاف، أحزاب شاس ويهدوت هتوراه (وهما حزبان دينيان متشددان لليهود الحريديم) و"البيت اليهودي" (حزب الصهيونية الدينية) والعمل. وسبق أن مُني هذا الحزب الأخير، سوية مع تيار "اليسار الصهيوني" كله، بهزيمة أخرى في الانتخابات العامة، التي أجريت في العاشر من شباط/ فبراير 2009. وقد شكل ذلك إشارة البداية إلى اندلاع أزمة في صفوف العمل بين مؤيدي الانضمام إلى الحكومة والمعارضين له، إلى درجة حدوث شرخ في كتلته البرلمانية، لكن تبيّن شيئًا فشيئًا أن هذا الشرخ غير واعد بشيء، وأن انقسام الحزب غير ماثل في الأفق المنظور، فضلًا عن أن حزب العمل كله لم يعد أصلًا منتجًا أو مبادرًا إلى أي حراك في الساحة السياسية الإسرائيلية العامة، وأن حضوره أضحى مرهونًا بمدى فاعلية رئيسه آنذاك، إيهود باراك، الذي تولى وزارة الدفاع في الحكومة الجديدة، وبدا منهمكًا في شؤونها حتى النخاع. وليس هذا فحسب، بل إنه أصبح من أشد الحلفاء المؤيدين لنتنياهو وسياسته.

واتفقت تقديرات متطابقة على أن "الإنجاز السياسي" الأكبر لبنيامين نتنياهو، بعد مرور أول عام من الانتخابات، كامن، بالحدّ الأقصى، في نجاحه في البقاء في منصبه[1]، وذلك إذا ما تمّ الأخذ بالاعتبار عدد الأحزاب، التي يستند إليها ائتلافه الحكومي، من جهة، والأزمات السياسية التي واجهها، سواء إثر الحرب على غزة وتداعياتها الدولية، أو في ضوء مواقف الإدارة الأميركية الجديدة في بداية طريقها، من جهة أخرى.

لعل أكثر صورة بقيت مرتسمة لنتنياهو في الأذهـان هي صورة "السياسي المتردّد، الذي يحاول إرضاء الجميع، كي يضمن بقاءه". ومع أنه مال حينذاك إلى ناحية "الوسط الصهيوني" سياسيًا (والذي يعتبر كذلك في إسرائيل لمجرّد كونه مؤيدًا فكرة تقليص رقعة الاحتلال منذ 1967)، في ما اعتبر "مفارقة حادّة" لبرنامجه اليميني، الذي خاض الانتخابات على أساسه، إلا أن ذلك لم يكن منطويًا على أي دلالات سياسية خارجية ملموسة، خاصة فيما يتعلق بالموقف إزاء عملية التسوية في المسارين الفلسطيني والسوري، وهذا الأمر شكل ضمانة لاستقرار الحكومة أيضًا.

عدا عن استنادها إلى قاعدة برلمانية عريضة بدا أن حكومة نتنياهو الثانية مستقرة لأسباب أخرى، منها:

  • أولًا، انعدام الضغوط السياسية الداخلية ذات الوزن الثقيل في ضوء حالة الإجماع الجديدة على الرؤية السياسية العامة، والتي تقف في صلبها فكرة تقليص رقعة الاحتلال منذ 1967 كما أسلفنا.
  • ثانيًا، تراجع الضغوط الأميركية، التي لاحت مباشرة بعد دخول إدارة أوباما إلى البيت الأبيض.
  • ثالثًا، نجاحها في اجتياز الأزمة المالية العالمية بأضرار قليلة، ما أثبت أن أوضاع الاقتصاد الإسرائيلي جيدة نسبيًا.
  • رابعًا، حالة الهدوء الأمني، خاصة في منطقة الحدود مع قطاع غزة وفي منطقة الحدود الشمالية[2]، عقب الحرب على غزة (2008- 2009)، وحرب لبنان الثانية (2006).

لعل أكثر صورة بقيت مرتسمة لنتنياهو في الأذهـان هي صورة "السياسي المتردّد، الذي يحاول إرضاء الجميع، كي يضمن بقاءه"!



مع انتهاء العام عاد نتنياهو إلى التلويح بمواقفه اليمينية في مقابل الفلسطينيين، وذلك إثر "عدم قبول البيت الأبيض والسلطة الفلسطينية مبادرات حُسن النية التي قدمها، وباتت حكومته تبرز، أكثر من أي شيء، جهودها الرامية إلى تهويد القدس الشرقية"[3]. وفي موازاة ذلك شرعت في شنّ حملة تحريض على السلطة الوطنية الفلسطينية استهدفت، أساسًا، الرئيس محمود عباس، وخطة رئيس الوزراء الفلسطيني سلام فياض الرامية إلى استكمال بناء مؤسسات الدولة الفلسطينية المستقلة في عام 2011. وثمة من عزا هذا، من ضمن أسباب أخرى، إلى اعتقاد نتنياهو أنه نجح في صدّ ضغوط الإدارة الأميركية بواسطة مناورات حُسن النية هذه.

اعتبرت الحكومة الإسرائيلية التي تم تنصيبها يوم 31 آذار/ مارس 2009، الحكومة الأكبر في تاريخ إسرائيل. وكانت تضم ثلاثين وزيرًا وسبعة نواب وزراء. وتألف تحالفها من أحزاب الليكود (27 مقعدًا) و"إسرائيل بيتنا" (15) والعمل (13) وشاس (11) ويهدوت هتوراه (5) و"البيت اليهودي" (3 مقاعد). وقال نتنياهو، في سياق الخطاب الذي ألقاه خلال مراسم عرضها على الكنيست، إن التشكيلة الموسعة للحكومة "تعكس الحاجة إلى تحقيق الوحدة الوطنية تمشيًا مع مقتضيات هذه الفترة، لكنها تعكس أيضًا خللًا معينًا يعتري نظام الحكم الحالي، وهو خلل يمكن تصحيحه، ونحن سنقوم بهذا الأمر"[4].

أمّا الهوية السياسية فقد تجلّت في الخطوط العامة لهذه الحكومة والتي ورد فيها حرفيًا ما يلي:

* "إن الحكومة ستعمل بشكل فعال على تكريس الأمن القومي وإشعار المواطنين بالأمن الشخصي من خلال مكافحة العنف والإرهاب بصرامة وحزم.

* ستدفع العملية السياسية إلى الأمام وتعمل على المضي قدمًا نحو السلام مع جميع جيراننا عبر صيانة المصالح الأمنية والتاريخية والوطنية لدولة إسرائيل.

* ستدفع خطة لمواجهة الأزمة الاقتصادية وتعمل على تهيئة الظروف الاقتصادية للنمو المستديم وكذلك لحماية وتوفير فرص العمل في المرافق الاقتصادية.

* ستسعى نحو العدالة الاجتماعية من خلال تقليص الفجوات الاجتماعية ومكافحة الفقر بلا هوادة عبر أجهزة التربية والتعليم وتكثيف المشاركة في سوق العمل وزيادة الدعم الممنوح للشرائح الاجتماعية الضعيفة.

* ستضع قضية استقدام اليهود إلى البلاد واستيعابهم على رأس اهتماماتها وتعمل بحزم لزيادة معدلات القادمين الجدد من جميع دول العالم.

* ستضع قضايا التربية والتعليم في صلب محاور الأفضلية الوطنية وتعمل على دفع الإصلاحات في الجهاز التعليمي.

* ستعمل على صيانة الطابع اليهودي للدولة وتراث الشعب اليهودي كما أنها ستعامل باحترام جميع الديانات والأعراف والتقاليد لأبناء الطوائف المختلفة القاطنين في البلاد تمشيًا مع القيم الواردة في وثيقة الاستقلال.

* ستعمل على دفع الإصلاحات السلطوية لزيادة الاستقرار وقدرة السلطة التنفيذية على ممارسة الحكم.

* ستعمل على تعزيز سيادة القانون في إسرائيل.

* ستعمل على حماية البيئة وتحسين جودة الحياة لسكان الدولة والمساهمة في المجهود العالمي في قضايا المناخ والبيئة"[5].

ولقد اتسمت بداية العلاقة بين حكومة نتنياهو وإدارة أوباما بقدر من التجاذب، في ضوء التوجهات الجديدة لهذه الإدارة، والتي كان في مركزها فتح صفحة جديدة مع العالمين العربي والإسلامي[6]، وبسبب مطالبتها إسرائيل تجميد الاستيطان في الضفة الغربية، بصورة مطلقة، شرطًا لاستئناف المفاوضات الإسرائيلية- الفلسطينية، التي أعلنت السلطة الفلسطينية عن إيقافها فور اندلاع الحرب على غزة، إلا أن عام 2009 انتهى بتخفيف حدّة هذا التجاذب، وتراجع واشنطن عن مطلبها السالف.

لكن، من ناحية أخرى، فإن الضغوط الأميركية أدّت إلى قبول نتنياهو (في الظاهر) "حل الدولتين" (وهذا ما جرى التعبير عنه في إطار خطاب جامعة بار إيلان في 14 حزيران/ يونيو 2009)، ثم أدّت إلى قيام "طاقم الوزراء السبعة" (الذي يقوم بمهمات المجلس الوزاري المصغر للشؤون السياسية والأمنية- الكابينيت)، في تشرين الثاني/ نوفمبر 2009، باتخاذ قرار يقضي بتعليق أعمال البناء في مستوطنات الضفة الغربية لفترة عشرة أشهر، واستثنى القرار القدس الشرقية، التي دأب نتنياهو على تكرار أنها "ليست منطقة محتلة"، وإقامة المباني العامة والمباني التي تقام "لحاجات الأمن"، فضلًا عن ثلاثة آلاف وحدة سكنية جديدة اتخذ قرار بإقامتها سابقًا. وثمة تقويمات إسرائيلية كثيرة ترى أن هذا القرار هو قرار صوري، وأن هناك مخارج كثيرة تمكّن الحكومة الإسرائيلية من الالتفاف عليه، وهي التفت عليه فعلًا[7]. فضلًا عن ذلك فإنه عندما رأى نتنياهو أن حزبه (الليكود) يوشك على الانتفاض عليه جراء هذا القرار أكد "عشرة أشهر فقط، من دون أي يوم آخر"، في حين أن الوزير بيني بيغن، أحد أعضاء "طاقم الوزراء السبعة"، أعلن أن هذا "ليس تجميدًا مطلقًا"، وأنه خلال الأشهر العشرة المذكورة ستقام ثلاثة آلاف وحدة سكنية جديدة في الضفة الغربية لاستيعاب عشرات آلاف المستوطنين الجدد، علاوة على أن قرار التعليق لن يشمل أعمال إقامة المباني العامة[8].

رأت بعض التحليلات أن الخطأ الأكبر الذي ارتكبه أوباما كامن في تحديد غايات لا يمكن تحقيقها، مثل تجميد الاستيطان (في الضفة الغربية) لفترة غير محدّدة


لقد استبعد المحللون الإسرائيليون، في معظمهم، عودة الضغوط الأميركية إلى المستوى، الذي كانت عليه، خصوصًا بسبب قيام أوباما نفسه، في سياق مقابلة أدلى بها إلى مجلة "تايم" الأميركية، في كانون الثاني/ يناير 2010، لمناسبة مرور عام على دخوله إلى البيت الأبيض، بالاعتراف بفشل جهوده الرامية إلى استئناف العملية السياسية بين إسرائيل والفلسطينيين، وتأكيده أن توقعاته بشأن قدرته على إيجاد حل سريع للصراع الإسرائيلي- الفلسطيني هي توقعات مبالغ فيها، ومما قاله "إن الطرفين غير مستعدين للقيام بالمبادرات الشجاعة المطلوبة من أجل تحريك عملية السلام".

كذلك، فإن نتائج انتخابات عضو مجلس الشيوخ عن ولاية مساتشوستس، التي جرت في يوم 20 كانون الثاني/ يناير 2010، والتي أسفرت عن فوز مرشح الحزب الجمهوري، وعن فقدان الأغلبية الديمقراطية في هذا المجلس، كانت بمثابة هزيمة لتلك الإدارة الأميركية في الحلبة السياسية الداخلية. وبخسارة هذا المقعد لم يعد لدى الأغلبية الديمقراطية سوى 59 عضوًا في مجلس الشيوخ في مقابل 60 سابقًا، لتفقد بذلك الغالبية اللازمة لاعتماد الإصلاحات، التي وعد بها الرئيس. إنها الخسارة التي ستسهل على نتنياهو رفض مطالب الإدارة الأميركية، ليواجه أوباما صعوبة في ممارسة الضغوط على الحكومة الإسرائيلية.

رأت بعض التحليلات أن الخطأ الأكبر الذي ارتكبه أوباما، كامن في تحديد غايات لا يمكن تحقيقها، مثل تجميد الاستيطان (في الضفة الغربية) لفترة غير محدّدة. وهو ما أفضى إلى تحديد غايات مرحلية يمكن تحقيقها، وتهدف إلى تجديد الثقة بين إسرائيل والسلطة الفلسطينية[9].    

وثمة تحليلات أخرى أكدت أن فشل الولايات المتحدة "لا يخدم مصالح إسرائيل"، لأن هذه الأخيرة "بحاجة إلى أن تبقى الولايات المتحدة قوية ورائدة"[10]، في حين رأت تحليلات أخرى أنه في حال تخلي واشنطن عن جهودها السياسية في الشرق الأوسط، فإن ذلك سيفاقم خطر اندلاع حرب في هذه المنطقة، ذلك بأن قيام "شرطي العالم" بالتظاهر بالضعف يشجع حكام المنطقة على مجازفات لا تُحمد عقباها[11].

أظهرت وقائع "مؤتمر هرتسليا لميزان المناعة والأمن القومي الإسرائيلي" 2010، أن سياسة الإدارة الأميركية، برئاسة باراك أوباما، إزاء إسرائيل وقضايا الشرق الأوسط، لا تختلف، في الجوهـر، عن سياسة الإدارات الأميركية السابقة


وترجمة لهذا، أظهرت وقائع "مؤتمر هرتسليا لميزان المناعة والأمن القومي الإسرائيلي"، في دورته العاشرة المنعقدة خلال الفترة بين 31 كانون الثاني/ يناير- 3 شباط/ فبراير 2010، أن هناك إجماعًا لدى القوى السياسية الإسرائيلية الصهيونية كافة، سواء المتربعة في سدّة السلطة أو القابعة في صفوف المعارضة، على أن سياسة الإدارة الأميركية، برئاسة باراك أوباما، إزاء إسرائيل وقضايا الشرق الأوسط، لا تختلف، في الجوهـر، عن سياسة الإدارات الأميركية السابقة، بل وحتى عن سياسة إدارة جورج بوش الابن. وبالتالي فمن غير المتوقع حدوث صدام حقيقي بين الجانبين. ولعلّ هذا الإجماع من شأنه إفراغ الهواء من عجلات الادعاء القائل بأن هناك تغييرًا كبيرًا في مواقف إدارة أوباما، إزاء ما يوصف بأنه الصراع العربي- الإسرائيلي[12].

بعد مراوغات ومناورات كثيرة، أعلن نتنياهو، برنامجه السياسي المستجد لـ "تسوية" الصراع الإسرائيلي- الفلسطيني. وقد جاء ذلك في إطار ما بات يعرف باسم "خطاب جامعة بار إيلان"، والذي ألقاه في هذه الجامعة في يوم 14 حزيران/ يونيو 2009. ولعل أول ما يتعيّن قوله، هو أن هذا البرنامج والخطاب عمومًا كانا، أساسًا، بمثابة ردّ مدروس بتؤدة على قيام إدارة أوباما بمطالبة الحكومة الإسرائيلية أن تقبل "مقاربة الدولتين"، وأن تقوم بتجميد أعمال البناء في المستوطنات على نحو مطلق. وتؤكد لهجة الخطاب من ألفه إلى يائه وطريقة تسلسل وقائعه أنه كان مُوجّهًا أساسًا، بل وربما حصريًا، إلى هذه الإدارة. فقد تجاهل نتنياهو الطرف الفلسطيني بصورة تكاد تكون تامة، وفي حين اختار أن ينوّه بمعاهدتي السلام اللتين وقعت إسرائيل عليهما مع كل من مصر والأردن، بوصفهما نموذجين مقبولين عليه للتسوية المتوخاة إسرائيليًا مع "الطرف العربي"، فإنه لم ينبس ببنت شفة فيما يخصّ الاتفاقات أو التفاهمات الإسرائيلية- الفلسطينية السابقة، لئلا يتم تأويل ذلك بأنه يشفّ عن تسليمه بها. وقد صدق من رأى أنه علاوة على الأهمية الكامنة في التركيز على ما قاله نتنياهو في سياق الخطاب، إلا أنّ التركيز في الوقت نفسه على ما لم يقله لا يُعدّ أقل أهمية.

(يتبع)

 هوامش:

[1]  يوئيل ماركوس، صحيفة "هآرتس"، 2 شباط/ فبراير 2010.

[2]  قال رئيس شعبة الاستخبارات العسكرية الإسرائيلية ("أمان")، اللواء عاموس يادلين، إن شتاء 2010 هو الأهدأ أمنيًا، الذي مر على إسرائيل منذ عشرات الأعوام، وعزا ذلك إلى تعزيز قوة الردع الإسرائيلية في أعقاب حرب لبنان الثانية والحرب على غزة. وقد نقلت وسائل إعلام إسرائيلية عن يادلين قوله خلال ندوة لإجمال عام 2009 عقدها "معهد دراسات الأمن القومي" في جامعة تل أبيب (في 15 كانون الأول/ ديسمبر 2009) إنه "في شتاء 2010 لم يقتل أي جندي أو أي مدني إسرائيلي في عمليات إرهابية. وهذه ظاهرة لم نشهد مثيلًا لها خلال العقود الأخيرة".

[3] ألوف بن، "هآرتس"، 27 كانون الثاني/ يناير 2010.

[4]  موقع رئيس الحكومة الإسرائيلية على الانترنت http://www.pmo.gov.il/pmo/.

[5]  المصدر السابق.

[6]  لعل أبرز تجليات هذه التوجهات هو قيام الرئيس باراك أوباما، يوم 4 حزيران/ يونيو 2009، بإلقاء خطاب في جامعة القاهرة قال في مستهله: "لقد أتيت إلى هنا للبحث عن بداية جديدة بين الولايات المتحدة والعالم الإسلامي استنادًا إلى المصلحة المشتركة والاحترام المتبادل وهي بداية مبنية على أساس حقيقة أن لا تعارض بين أميركا والإسلام، ولا داعي أبدًا للتنافس فيما بينهما، بل ولهما قواسم ومبادئ مشتركة يلتقيان عبرها، ألا وهي مبادئ العدالة والتقدم والتسامح وكرامة كل إنسان".

[7]  زكي شالـوم، مباط عال، عدد 160، 4 شباط/ فبراير 2010، معهد دراسات الأمن القومي، جامعة تل أبيب.

[8]  "هآرتس"، 5 كانون الثاني/ يناير 2010.

[9]  المصدر نفسه.

[10]  "هآرتس"، 26 كانون الثاني/ يناير 2010.

[11]  "هآرتس"، 27 كانون الثاني/ يناير 2010.

[12]  ملحق "المشهد الإسرائيلي"، المركز الفلسطيني للدراسات الإسرائيلية- مدار، رام الله، 9 شباط/ فبراير 2010.

الدخول

سجل عن طريق

هل نسيت كلمة المرور؟

أدخل عنوان بريدك الإلكتروني المستخدم للتسجيل معنا و سنقوم بإرسال بريد إلكتروني يحتوي على رابط لإعادة ضبط كلمة المرور.

شكرا

الرجاء مراجعة بريدك الالكتروني. تمّ إرسال بريد إلكتروني يوضّح الخطوات اللّازمة لإنشاء كلمة المرور الجديدة.