يوم الجمعة الماضي، رحل المفكر إدغار موران في المستشفى الأميركي في باريس عن عمر 104 أعوام، بعد حياة فكرية متعددة الوجوه مكّنته من حفر اسمه بأحرف من نور في تاريخ المثقفين المؤثرين الكبار فكريًا واجتماعيًا وسياسيًا، وإنسانيًا بوجه عام.
رحل المفكر الأكثر شهرة وشعبية ونشاطًا في الأعوام الأخيرة، وصاحب نظرية "الفكر المُرّكب أو المعّقد"، والربط بين كل المعارف، والذي تحدّى الشيخوخة مبتسمًا في كل الظروف، ومواكبًا قضايا العصر بعقل وقاد وناقد، ومؤيدًا للقضايا العادلة، وعلى رأسها القضية الفلسطينية، الأمر الذي يعد خسارة فادحة لكل المؤمنين بها من أحرار العالم.
المثقف الأخير
"المثقف الأخير" ("لوموند")، و"مفكر القرن" (الرئيس إيمانويل ماكرون)، وصاحب 60 كتابًا ترجم كثير منها في 42 دولة إلى 27 لغة، حظي بتكريم خاص ولافت في صفحة الأستاذ والكاتب سلام الكواكبي، الذي أعاد نشر قوله في سياق الإبادة الإسرائيلية المستمرة في غزة: "يصعب تصور أن أمة من الهاربين، منحدرة من الشعب الأطول اضطهادًا في تاريخ البشرية، الذي تحمّل أسوأ الإهانات وأسوأ الاحتقار، تكون قادرة على التحوّل خلال جيلين إلى شعب مسيطر وواثق من نفسه ـ باستثناء أقلية جديرة بالإعجاب، إلى شعب محتقر يجد ارتياحًا في الإهانة". موران نفسه الذي تظاهر بجانب الراحل جاك راليت، والراحلة ليلى شهيد، دفاعًا عن الشعب الفلسطيني (انظر الصورة)، لم يصمت حيال إبادة غزة(1)، وبقي يدين الاحتلال الإسرائيلي في كل المناسبات، حتى آخر لحظة من عمره، رغم متابعته قضائيًا عام 2002، ومن بين أقواله لإذاعة "فرانس انتار" يوم 17 فبراير/ شباط 2024: "أنا حزين لما يحدث في غزة، وهو مؤشر عن اللإنسانية المرعبة"، وهو الكلام الذي سبق أن قاله أمام جمهور لم تسعه القاعة بصيغة ملموسة أقوى يوم العاشر من شهر السنة المذكورة بمناسبة حلوله ضيف شرف في مهرجان الكتاب الأفريقي بمراكش منددًا بصمت العالم والغرب، وعدد من الدول العربية حيال إبادة غزة. وعنه كتب جاك لوك ميلنشون، زعيم حزب "فرنسا الأبية"، المتهم بمعاداة السامية بسبب تأييده اللامشروط لنضال الشعب الفلسطيني: "موران يفكر ويتحدث محقًا باسم كل الذين ما زالوا يشعرون إنسانيًا بإبادة غزة".
الفيلسوف وعالم الاجتماع إدغار موران ولد باسم إدغار ناعوم في الثامن من يوليو/ تموز 1921 في الدائرة الباريسية التاسعة، وهو ابن والدين يونانيين يهوديين منحدرين من مدينة سالونيكي، قاوم خلال الحرب الأهلية الإسبانية في صفوف الجمهوريين ضد نظام فرانكو الفاشي (1936)، قبل انشقاقه من الحزب الشيوعي الفرنسي عام 1951، الذي انضم إليه عام 1941، تاريخ انطلاقه في تأسيس فكر سياسي إنساني يدمج بين الأبعاد البيئية والاجتماعية والاقتصادية والثقافية بهدف الاستجابة للتحديات المعاصرة.
الراحل الذي تأثر بفكر هيراكليت، وموريس ميرلو بونتي، وفلاديمير جانكلفتش، وكورنليوس كاستورياديس، ومارتن هايدغر، كان عضوًا في لجنة مناهضة الحرب في الجزائر، ومدافعًا عن القائد مصالي الحاج، لكنه لم يوقع عريضة الدعوة إلى التمرد العسكري مثل جان بول سارتر، ومارغريت دوراس، وأندريه بروتون، وعدد آخر من المثقفين المؤيدين للثورة الجزائرية. بدأ اهتمامه الفكري في مطلع الستينيات بالأبعاد الثقافية في كتاب "روح العصر" (1960)، وراح يُعمقه عام 1965 عبر أبحاث لاحقة تناولت المجتمع الفرنسي المعاصر من منطلق إثنولوجي. بعد طرده من الحزب الشيوعي بسنوات، وتعهده "بعدم الوقوع في الخطأ الجسيم مجددًا" كما فعل شيوعيًا، نشر كتاب "نقد ذاتي" (1959) مُنددًا بالستالينية بعد أن أصبح أحد أقطاب المركز الوطني للأبحاث العلمية، ومركز الدراسات السوسيولوجية، ومستقلًا حزبيًا، لكنه بقي يساريًا خارج دائرة الماركسيين والإشتراكيين "الذين لم يولوا اهتمامًا لتحديات الأرض والإنسانية في الزمن المعاصر"، على حد تعبيره.
فرادة المفكر الاجتماعي
تأكدت فرادته كمفكر اجتماعي انطلاقًا من عام 1959، تاريخ صدور كتابه "إشاعة أوليان"، وانكبابه على دراسة ظواهر لم يتناولها علم الاجتماع التقليدي، مثل السينما، والتكنولوجيات الجديدة، والرياضة، والأرياف، والشباب. الماركسي السابق الذي لم يعد يؤمن بالصراع الطبقي، تعلّم من ماركس تعدد الاختصاصات الفكرية، وعرف كيف يكسر الحواجز بينها، كمؤرخ وفيلسوف وعالم اجتماع وسياسي وعلمي، وهذا ما قاده إلى تكريس توجهه الفكري المتداخل والمعقد والمتكامل في الجزء الخامس من كتابه الضخم والمرجعي الشهير "المنهجية". كتب فيه يقول: "كلما اعتقدنا أننا فهمنا الإنسان... كلما قلّ فهمنا له بسبب الفصل بين التخصصات، الأمر الذي يُفرغ مفهوم الإنسان من تعقيده. بعض العلوم المعروفة بطابعها الإنساني تنزع مفهومه كإنسان مُعقّد الوجود". في كتابه "دروب الخروج من أزمة الحضارة" عام 2012، والذي نشره إثر مناظرة مع الرئيس الإشتراكي السابق فرنسوا هولند ـ كتب في صحيفة "لوموند": "تسبب تقدم المعارف في تردي الفكر"، داعيًا إلى تجنيد العقل لمقاومة الأكاذيب. الرجل الذي بقي يكتب حتى آخر رمق منذ عام 1946 (تاريخ صدور كتابه الأول)، وصاحب 38 دكتوراة فخرية دولية، اشتهر بعدد كبير من الكتب المرجعية، من أبرزها "دروس قرن من الحياة"، و"الذكريات تأتي للقائي"، و"المنهجية" (6 أجزاء)، و"مقدمة للفكر المُعقّد"، و"تعليم الحياة" (بيان لتغيير التربية)، و"الرجل والموت"، و"التفكير بشمولية... الرجل وكونه"، و"الأخوة... لماذا"؟، و"حب، شعر، وحكمة"، و"عن الجماليات".
زوجته المغربية الأصل، صباح أبو سلام، التي تزوجها في سن 101 عام قالت في بيان تلقفته كل وسائل الإعلام: "بقي منتبهًا حتى الأيام الأخيرة من حياته للآخرين، وللرهانات الإنسانية الكبيرة التي غذت فكره. رحل تاركًا فراغًا كبيرًا، لكن جرأته، ووفاءه للناس وللأفكار، وعناده الأخلاقي، وتشبثه بالرجاء، حقائق سترافقنا إلى الأبد".
هامش:
(1) للمزيد طالع مقال "دروس حياة قرن" لكاتب هذه السطور. نشر المقال في موقع "ضفة ثالثة" يوم 30 تموز/ يوليو 2021.


تحميل المقال التالي...