}

الاحتفاء بليلى شهيد بالرباط: مساندة الكفاح الوطني الفلسطيني

كمال عبد اللطيف كمال عبد اللطيف 2 يونيو 2026
هنا/الآن الاحتفاء بليلى شهيد بالرباط: مساندة الكفاح الوطني الفلسطيني
ليلى شهيد في باريس (Getty, 2/11/2004)


شكّل احتفاء مؤسسة عبد الرحيم بوعبيد بالمناضلة الفلسطينية ليلى شهيد (1949-2026) حدثًا رمزيًا حاملًا لدلالات عديدة. ونقرأ في الحدث نوعًا من احتفاء بيت الوطنية المغربية بالوطنية الفلسطينية ومشروع التحرير الفلسطيني. ويزداد هذا الأمر قوة عندما نعرف أنه يحصل في مناخ سياسي يتسم بكثير من التراجع عن القيم التي ناضلت الحركة التقدمية بالمغرب من أجلها، القيم التي كانت تجمع بين النضال من أجل استقلال المغرب، ومساندة الكفاح الوطني الفلسطيني. ولم تكن أجيال من حركة التحرير في المغرب منذ ثلاثينيات القرن الماضي تقيم أي تمييز بين مواجهة الاحتلالين الفرنسي والإسباني في المغرب، والاستعمار البريطاني ثم المستوطنين الصهاينة في فلسطين. ولأن التراجع الحاصل اليوم يتجه في بعض مظاهره إلى نوع من التخلي عن مواصلة مواجهة ومقاومة آلة الحرب الصهيونية الغربية وجرائمها المتواصلة اليوم في فلسطين ولبنان، فإن إقامة لقاء احتفالي بالمرحومة ليلى شهيد تمثل مبادرة رمزية في الرد على جوانب عديدة من صور التراجع الحاصلة، إنه يسمح بمواصلة التفكير في كيفيات التصدي لمختلف صور التطبيع وتبعاتها.

تم اللقاء في مدرج الشريف الإدريسي بكلية الآداب والعلوم الإنسانية بالرباط يوم 16 أيار/ مايو الماضي، وحضره عشرات المهتمين بالقضية الفلسطينية. ولم يتمكن المدرج من استيعاب كل الذين قدموا للمشاركة في حفل تأبين وتكريم فخر النساء، المناضلة ليلى شهيد، كما سماها الأخ علي أومليل في الكلمة التي قدمها في اللقاء.

اختار المشرفون على اللقاء تسميته "فلسطين: ليلى شهيد"، وتميز بحضور ومشاركة زوج المرحومة الأستاذ محمد برادة. وقد استمع الحاضرون في نهاية اللقاء إلى الرسالة التي كتبها للفقيدة بالمناسبة، ولم تسمح ظروفه الصحية بإلقائها مباشرة، فقد قُدِّمت في تسجيل صوتي مهيب حوّل اللقاء إلى فضاء لاستحضار تاريخ القضية وتاريخ رموزها وانتفاضاتها، واستحضار مواقف وتطلعات الذين يواصلون اليوم التغني بضرورة مواصلة المقاومة من أجل التحرير... كانت كلمات الأخ محمد برادة وهو يخاطب ليلى أشبه ما تكون بالنداء الذي يعلن مواصلة حراسة شعلة الأمل في المواجهة والمقاومة من أجل التحرير.

قُدمت في اللقاء شهادات لمجموعة من أصدقاء ليلى شهيد: علي أومليل، إلياس صنبر، محمد الأشعري، سيمون بيتون، وأنيس بلافريج. واستمع الحاضرون في نهاية اللقاء إلى رسالتين صوتيتين: الأولى لمارسيل خليفة، والثانية لزوج الفقيدة محمد برادة. وحمل اللقاء رسائل عديدة ترتبط بأسئلة المشروع التحرري الفلسطيني ومآلاته، كما ترتبط بتقديم جوانب من أشكال الحضور الذي تميز به العمل النضالي للمرحومة.

نجحت الأستاذة لطيفة البوحسيني، المناضلة الحقوقية، في إدارة جلسة الحوار، موضحة في بداية كلمتها أن لقاء اليوم يتم لتأبين ليلى شهيد، صوت فلسطين، الصوت الأبهى في العالم... وذكّرت الحاضرين بالأدوار التي قامت بها صديقتها المرحومة زهور العلوي (1940-2013)، حيث عملت على ضبط صلات الوصل بينها وبين المؤسسات الوطنية المغربية المؤمنة بعدالة القضية الفلسطينية. كما أشارت إلى أن المغاربة يختلفون مثل غيرهم في موضوعات عديدة، إلا أنهم جميعًا يصطفون وراء القضية الفلسطينية والمشروع الوطني الفلسطيني، وهم اليوم يلتفون حول مطلب المقاومة والتحرير، ويعتزون بالدور الكبير الذي لعبته ليلى في مواجهة الإعلام الصهيوني الغربي، الذي لا يتردد في مواصلة الدفاع عن الخيارات الصهيونية.

كان الأخ محمد الأشعري، الروائي ووزير الثقافة السابق، مدير مؤسسة عبد الرحيم بوعبيد، أول المتحدثين في هذا اللقاء. وقد اعتذر في بداية كلمته للذين حضروا اللقاء ولم يتمكنوا من الجلوس، كما شكر عمادة الكلية على منح المؤسسة المنظمة للقاء مدرج الشريف الإدريسي بالكلية.


جاءت كلمته في صورة رسالة خاطب فيها ليلى شهيد الحاضرة دائمًا، منطلقًا من كونها كانت تفرض على محاوريها، وكل من يستمع إليها في الإعلام الغربي، احترام القضية الفلسطينية. وأبرز أن القضية الفلسطينية في المغرب اشتبكت منذ بدايتها بالقضية الوطنية، كما ارتبطت بمختلف مشاغل الشعب المغربي. ثم خاطب ليلى قائلًا: "إن قضيتك أقوى من وشائج القربى المعروفة، قضيتك تُفهم كونيًا كمشروع للتحرير، يتجاوز كل المبررات التي تقترن بها في صور التحليل المتداولة. وضمن هذا السياق تُفهم الانتفاضات والمظاهرات التي تجري في مدن عديدة في العالم تنديدًا بمشروع الإبادة الصهيوني الغربي المتواصل في غزة وفي الضفة والقطاع".

وأضاف الأشعري موضحًا: "إن المغرب الذي تعرفين تغيّر، وما زال المغرب العميق الذي تعرفتِ عليه كما هو. وسنعود إليه لنواصل المقاومة ولنعلّم الأجيال الجديدة باللغة التي يفهم بها أهمية مواصلة المقاومة من أجل التحرير. وقد فهمنا معك أن حياة الناس في فلسطين تتجلى في صورها الملحمية، كما حصلت في صبرا وشاتيلا، وكما حصلت في سفينة التهجير من بيروت. وكما جرت وتجري في غزة. نعرف أنك لم تكوني تحبين العنف، إلا أنك أجبت الصحافي الفرنسي عندما سألك عن أحداث 7 تشرين الأول/ أكتوبر 2023 قائلة: لا أحد يمكن أن يرقص مرتاحًا أمام التراجيديا الفلسطينية... وضمن هذا الأفق عرفنا أن فلسطين خرجت من التهجير والاقتلاع، وستواصل مواجهة حروب الإبادة متطلعة إلى أفق التحرير. كنتِ بيننا صوتًا لا نملّ منه ونحن نستمع إليه، لأنه صوت لا يكتفي بالشعارات، وهو يغمرنا بصور الحياة القائمة في فلسطين، داخل المدن والقرى والحقول والبيوت، الحياة المتمثلة في الانتفاضات والمقاومات المتواصلة... حكايات وحكايات وأشعار يلتقي فيها الفقدان بحب الحياة".

تناول الكلمة بعد ذلك المؤرخ والدبلوماسي الفلسطيني إلياس صنبر، رئيس تحرير "مجلة الدراسات الفلسطينية" الصادرة بالفرنسية، وبدأ حديثه قائلًا إنه عاجز عن الكلام، لأنه لم يكن يتصور أنه سيتكلم يومًا عن رحيل ليلى، ليلى الرفيقة والصديقة في دروب العمل الإعلامي والدبلوماسي والثقافي من أجل فلسطين. وبعد ذلك شكر المؤسسة المنظمة للّقاء. ثم بدأ في قراءة أبيات من الشعر لمحمود درويش في موضوع العودة، يتحدث فيها الشاعر عن الأرض والبحر والجبال... واستعاد مفردات العودة كما رسمها درويش احتفاء بليلى شهيد. كما استدعى في حفل التأبين أصدقاء ليلى: فاروق مردم بك، إدوارد سعيد، إدموند عمران المليح، جان جينيه، محمود درويش، إلياس خوري... صمت قليلًا وهو يذكر أسماء مجموعة أصدقاء ليلى، ثم واصل الحديث مبرزًا بعض سمات الوضع الفلسطيني اليوم، مشيرًا إلى أننا نواجه اليوم سكوتًا تامًا عن الإبادة، فلا نجد بلدًا واحدًا في الغرب يتحدث عنها.

اختتم إلياس صنبر كلمته محاولًا استخلاص بعض دروس ليلى شهيد في النضال الفلسطيني، مبرزًا أنها ابتكرت صورًا أخرى للنضال الفلسطيني تمنح الثقافة، كما تمنح مبدأ التفاعل مع ما يجري في الأرض، أهمية. ومن هنا أهمية أحاديثها عن النساء والأطفال الذين قُتلوا في غزة، أحاديثها عن صراخهم وصبرهم ومقاومتهم. ثم توقف في الأخير ليعلن تقديره الكبير لزوج الفقيدة، الأخ محمد برادة، معتبرًا أنه اليوم يُعد جزءًا لا يتجزأ من القضية الفلسطينية.

تناول الكلمة بعد ذلك الأخ علي أومليل، مذكّرًا الحاضرين بكون اللقاء يصادف ذكرى نكبة 1948، وأن ليلى وُلدت سنةً بعد حصول النكبة، إحدى أكبر جرائم القرن العشرين، مشيرًا إلى كون جرائم الاحتلال والاستيطان والضم التي تمت في فلسطين صانعة مأساة شعب بأكمله، تمت باسم وعد توراتي ادّعى فيه اليهود والصهاينة حقهم في الوجود. وقال:

"نحتفل اليوم في هذا اللقاء بسيدة استثنائية، رافعت باستماتة عن القضية إعلاميًا ودبلوماسيًا، سيدة انخرطت في شبكة واسعة من العلاقات لا حدود لها، من أجل أن تظل في قلب الحركة الفلسطينية. وقد اعتبر أن الإنجاز الأعظم لليلى حصل في زمن تراجعت فيه القضية الفلسطينية، كما تراجعت أحزاب اليسار في العالم العربي وفي العالم إلى الحدود الدنيا للتضامن مع القضية. فقد أصبحت تجري اليوم جرائم حرب، وتصدر عن المنتظم الدولي قرارات ولا يلتفت إليها أحد".

وأشار المتحدث بعد ذلك إلى أن إسرائيل اعتمدت في نشأتها على الغرب، وكان وراء ذلك القرابة الدينية، فهما يشتركان معًا في العهد القديم من الكتاب المقدس، ثم شقاء الغرب الاستعماري بالمحرقة التي كانت ضد اليهود، حيث حاول التكفير عنها بمنح إسرائيل دولة، إضافة إلى النفوذ الكبير لليهود في مختلف البلدان الأوروبية وفي أميركا. وأضاف: "أمام هذا الوضع، لم يبق أمامنا سوى مناهضة الجبروت الأميركي الغربي من أجل زحزحته عن المواقف والمواقع التي يعتمدها داخل سلم النظام العالمي القائم، والمبادرة للتمهيد لنظام دولي جديد يتيح إمكانية فك صور ارتباطه القائمة اليوم، والعمل على وقف المساندة المطلقة للصهيونية".

اختتم الأستاذ علي أومليل مداخلته قائلًا: "إننا عندما نحتفي اليوم بهذه السيدة المبهرة، نحتفي بالقضية الفلسطينية. ثم تساءل: ماذا يعني اليوم أن تكون نصيرًا للقضية الفلسطينية؟ معناه أن تنتصر للحق الفلسطيني الذي لا يتقادم ولا يخضع للتضليل. ومن أجل ذلك ناضلت ليلى، ونحتفي اليوم بها، نحتفي بذكرى فخر النساء".

تناول الكلمة بعد ذلك الأخ أنيس بلافريج، وهو كما أبرزت رئيسة الجلسة أحد أبرز النشطاء في مجال العمل الفلسطيني، حيث يكتب ويواصل العناية بمختلف تحولات القضية الفلسطينية. وقد بدأ كلمته بالإشارة إلى أن ليلى، كما جاء على لسانه، ملأت حياتنا طيلة خمسة عقود، وفقدانها اليوم يشعرنا بكثير من الأسى، وأضاف: "تعاونا معًا زمنًا طويلًا مع فريق عمل رافقها من أجل القضية الفلسطينية في المغرب، وطنها الثاني، وقد ساهم رفيق دربها الأخ محمد برادة في لحم وتعزيز روحها الوطنية الجامعة بين فلسطين والمغرب".

وضّح الأخ بلافريج في كلمته بأن "طريقنا في التحرير واحد منذ هزيمة 67، حيث انطلقنا في العمل المتواصل من أجل فلسطين، وقد اشتغلنا مع محمود الهمشري، عز الدين قلق، وإلياس صنبر من أجل صوت فلسطين في باريس، في وقت لم يكن فيه أي حديث عن الفلسطينيين... وفي وقت لاحق، نجحت ليلى بذكائها، صحبة مجموعة من الرفاق والأصدقاء، في بلورة الطريق الذي يتيح إمكانية استعادة القضية، وبناء الوسائل التي تسعف بالعمل النضالي من أجلها. أصبحت ليلى في الفضاء الإعلامي الفرنسي والأوروبي الصوت القادر على مواجهة السردية الصهيونية والغربية، والوقوف لها بالمرصاد".
وتابع أنيس: "بعد خروجي من السجن مكنتني ليلى من معانقة القضية مجددًا... وقبل أن تصبح ليلى ممثلة للفلسطينيين في أيرلندا ثم في فرنسا، كانت في قلب ومركز عنايتنا بالقضية الفلسطينية، في السينما وفي المسرح وفي الموسيقى، وفي المظاهرات والأنشطة الثقافية. وأمام استعمار استيطاني مدعوم من القوى الغربية، واصلت المعركة بوسائل وأدوات مختلفة".



واختتم أنيس بلافريج كلمته موضحًا أننا نعيش اليوم نكبة ثانية، "ذلك أن إخفاق أوسلو يُعد إخفاقًا للنظام العالمي القائم. إننا نعيش اليوم فوضى عالمية لا منطق لها، ويصعب معرفة حدودها. نحن أمام إخفاق مركب وهزيمة مركبة: الغرب، إسرائيل، العرب، الأمم المتحدة، الكل انهزم".
وكانت ليلى شهيد في حوار أجرته سنة 2018 مع مجلة "الفيغارو" الفرنسية قد أعلنت كل هذا، وأشارت إلى أن الفلسطينيين يجدون أنفسهم اليوم أمام ضرورة إعادة بناء المشروع الوطني الفلسطيني. وفي آخر رسالة توصلت بها منها، قبل أيام من وفاتها، أخبرتني بأن قدرنا أن نقاوم من أجل الحرية، ولهذا السبب سنواصل المقاومة من أجل التحرير.

تناولت الكلمة بعد ذلك السيدة سيمون بيتون، السينمائية المتعاونة مع "مجلة الدراسات الفلسطينية"، وقد بدأت كلمتها بشكر مؤسسة عبد الرحيم بوعبيد على دعوتها لحضور حفل التأبين، مشيرة إلى أنه يجمعها بليلى شيء مشترك يتمثل في المغرب، موضحة أنها التقت بليلى في المغرب في الثمانينيات، وكانت في بداية عهدها بالسينما، "وُلدت في الرباط، وحملني أهلي إلى القدس وعمري لا يتجاوز إحدى عشرة سنة دون استشارتي. وانتقلت بعد ذلك إلى باريس لإكمال دراستي في السينما، وكنت قد بدأت الكتابة في مجلة الأبحاث الفلسطينية. حصل أول لقاء بيني وبين الأخت ليلى بتوسط منظمة التحرير الفلسطينية، حيث عدت إلى المغرب بدعوة من ممثل المنظمة في المغرب، المرحوم أبو مروان، والتقيت بليلى، فكنت أمام عاصفة: امرأة جميلة، امرأة لا تتوقف عن السؤال، تسأل ثم تسأل: لماذا عدتم؟ وخلال أربعين سنة لم تتوقف عن الحديث، مثلها في ذلك مثل إدموند عمران المليح، موضوعها القضية الفلسطينية. هذا هو الطريق الذي يجمعنا، ونحن اليوم نقف فيه وعليه من أجل مواصلة العمل الذي كانت تعمل ليلى حتى آخر يوم في حياتها".

اختتمت رئيسة الجلسة اللقاء بدعوة الحاضرين إلى الاستماع إلى كلمتين مسجلتين: كلمة مارسيل خليفة، الذي لم يتمكن من الحضور، وبعث بتسجيل صوتي رسم فيه نوعية العلاقة التي جمعته بليلى شهيد وبالقضية الفلسطينية، وكلمة الأخ محمد برادة، الذي لم تسعفه أحواله الصحية بالحديث عن رفيقة دربه فسجل كلمته. وإذا كان يصعب تلخيص ما جاء في الكلمتين المسموعتين، فإنه يمكن القول إن مجمل القضايا والمواقف والتشخيصات التي وردت في مداخلات الإخوة الذين قدموا مداخلاتهم بالمناسبة ترسم جوانب من الدروب والخيارات والطموحات والمآزق التي كانت تملأ حياة ليلى شهيد، وأن الأصوات الواردة في الكلمات المسجلة حملت بدورها ما عزز الصورة التي رسمها المتحدثون عن ليلى في دروب العمل الفلسطيني.

الدخول

سجل عن طريق

هل نسيت كلمة المرور؟

أدخل عنوان بريدك الإلكتروني المستخدم للتسجيل معنا و سنقوم بإرسال بريد إلكتروني يحتوي على رابط لإعادة ضبط كلمة المرور.

شكرا

الرجاء مراجعة بريدك الالكتروني. تمّ إرسال بريد إلكتروني يوضّح الخطوات اللّازمة لإنشاء كلمة المرور الجديدة.