}

سالي روني: قلبٌ في فلسطين

أشرف الحساني 8 يونيو 2026
هنا/الآن سالي روني: قلبٌ في فلسطين
سالي روني في كاليفورنيا ( 2020/ Getty)

ما فعلته الكاتبة الأيرلندية الشابة سالي روني (1991) قبل شهور قليلة يستحقّ التأمّل والاعتراف بأنّ هنالك أقلامًا حرّة داخل فضاء الثقافة الغربية المعاصرة، ممن تضغط على مراكز القرار، إذْ رغم الضغط الذي تُمارسه أميركا وبريطانيا على المثقفين والفنانين بإيعاز من الاحتلال الإسرائيلي القاتل، بغية تأييد حربها على فلسطين، وبناء خطاب سياسي مموّه يُروّج لأكاذيبها وميثولوجياتها، ثمّة أجساد أخرى ترفض الخضوع للتنميط الثقافي، وتأبى أنْ تُشارك في المسرحية الأميركية التي ترعى إنتاجها وإخراجها إسرائيل. مدهش ما فعلته روني، وهي في عمر الـ 35، في وقتٍ ظلّت فيه الأنظمة العربية منبطحة وتُشاهد على مدار أشهر المجازر التي ارتكبتها إسرائيل في حقّ مدينة غزّة وهي تزهق أرواح الأطفال والنساء والشباب. فقد قررت روني أن تتبرع بمداخيل كتبها لحركة "فلسطين أكشن"، بعدما تلقت تحذيرات من الحكومة الأيرلندية التي سبق لها أنْ قامت بحظر الحركة. لكن سالي ظلّت متشبثة بمسارها الهادف إلى دعم الحركة ضد الإبادة الجماعية التي تتعرض لها فلسطين منذ سنوات طويلة.
يمكن القول إن جرأة سالي روني جعلت كثيرًا من الأدباء والكتاب والسينمائيين ينتبهون إلى التحوّلات التي باتت تلعبها الثقافة في الغرب، فهي لم تعد مجرد رأسمال ثقافي ينبغي الترويج له وجعله منفتحًا على الاقتصاد، بل أضحت شكلًا من أشكال المقاومة، حيث برزت العديد من الوجوه العالمية التي تساند فلسطين، وتسعى جاهدة إلى كشف الأهوال التي يقوم بها الاحتلال الغاشم. فهذا الوعي تجاه فلسطين انطلاقًا من المدخل الثقافي أصبح يلعب دورًا بارزًا في مقاومة الخطط التوسعية الإسرائيلية، فقبل ذلك كان التعبير عن الرأي المتضامن مع فلسطين يأتي من أوساط المجتمع المدني، أو من داخل مراكز القرار السياسي اليساري، لكن اليوم أصبحت هنالك مجموعة من الوجوه من عالم الأدب والفن السابع والموسيقى والفكر، ممن تعلن عن مواقفها بجرأة وقوة من خلال وسائل التواصل الاجتماعي، في حين يواصل سينمائيون الانتفاضة داخل المؤسسات الهوليوودية، ومحاولة تهديم أفكارها وميثولوجياتها من الداخل، بغية التأثير في قراراتها ونظرتها تجاه ما يحدث في فلسطين. لم يكن هاجس سالي روني من خلال هذا القرار، الذي أصبحت من خلاله في مواجهة الحكومة الأيرلندية، أن تصبح بطلة داخل الرأي العام العالمي، فهي شهيرة بمؤلفاتها الأدبية والأكثر مبيعًا وانتشارًا في العالم. لذلك فإن موقفها نابع من قناعتها بما تعيشه فلسطين من ألم ومخاض ووجع، ما يجعلها تنتبه إلى عمق الجرح الفلسطيني، ومن ثم الرغبة الدفينة في التعبير عن موقفها المتضامن مع فلسطين في ضرورة وقف الإبادة الجماعية التي تتعرّض لها.
رأى عدد من الأدباء والكتاب العالميين أن سالي روني أعادت إلى النقاش الثقافي جديته، وأخرجته من عالم الشهرة المصطنعة، والتوقيعات المرتبكة، والحفلات المخملية، صوب التجذر في النقاش الحقيقي حول علاقة الثقافة بالسياسة والأدب بالانتفاضة والثورة. لذلك، فإن بروز صاحبة "أناس عاديون" على السوشيال ميديا، لا باعتبارها روائية رومانسية، وإنما ككاتبة تنتفض في وجه السياسات الإسرائيلية، أعاد الاعتبار إلى قيمة الخطاب الثقافي الغربي وقوته وجوهره الإنساني الخالي من أي براغماتية عمياء.
تنتمي سالي روني إلى التجارب الأدبية المعاصرة التي أصبح لها عالميًا طابع التداول الثقافي، بسبب ما تتوافر عليه رواياتها من قيمة جمالية على مستوى الأسلوب والصنعة، وقدرتها على اختراق الحياة المعاصرة، بكل تفاصيلها ومباهجها وتعقيداتها، انطلاقًا من شكل أدبي معاصر يجنح بقوة صوب تجريب أدبي جعلها تخرج من مسار الشكل الروائي الغربي الذي تُكتب به الرواية اليوم. ذلك أن شهرة الكاتبة لم تأتِ بسبب مواقفها السياسية المعلنة وقدرتها على تكوين خلفية سياسية تجعلها تصدح بآرائها تجاه ما يعيشه الشرق الأوسط من تحوّلات سياسية، بل من خلال صنعتها الأدبية التي جعلتها وهي في عمر الـ35 أكثر الأدباء شهرة في العالم.





لقد نجحت سالي في استقطاب الجيل الجديد من القراء الذي تنتمي إليه، وهو جيل الألفية الجديدة، حيث تمنحه خطابًا أدبيًا قويًا يُعلي من شأن الكتابة الأدبية وقدرتها على فك العزلة داخل حياة الناس، وذلك عبر لغة أدبية سلسة، لا يهمها التركيب بقدر ما تتدفق هادئة في ذهنية القارئ. فمنذ صدور روايتها "أناس عاديون" عام 2018 نجحت الكاتبة في أن تصبح الوجه الأكثر شهرة داخل الأدب العالمي، سيما وأن الأجيال الجديدة تجد في روايتها عددًا من القضايا والإشكالات التي يعيشونها بشكل يومي في علاقاتهم اليومية. كما أن شهرة هذه الرواية جعلتها تقفز بسرعة إلى عالم التلفزيون، عبر مسلسل يحمل العنوان نفسه.
إن هذا الانتقال من الأدب إلى الصورة ساعد سالي روني في أن تصبح معروفة داخل العالم العربي، حيث ساهمت حلقات المسلسل في التعريف بالكاتبة من الناحية الأدبية، وليس السياسية، ودفعتهم إلى الإقبال على مؤلفاتها، خاصة بعد الشهرة التي نالتها بسبب تضامنها المطلق مع فلسطين، ودخولها في معارك مع الحكومة الأيرلندية، ونظيرتها البريطانية. تعد سالي روني أشهر الوجوه الشابة التي تقف يوميًا في وجه أكبر المؤسسات السياسية، وأعتى الكيانات الرسمية إدانة لفلسطين، عاملة على التعبير عن مواقفها المناهضة للسياسة الإسرائيلية.
تستند الكتابة الأدبية في تجربة سالي روني على الواقع، والعلاقات العابرة، والجسد، والحب، والأزمات النفسية التي تستبد بالإنسان، وغيرها من الموضوعات التي تراهن عليها سالي في بناء أفق تخييلي يجد سنده الفكري في الواقع وتفاصيله المضيئة. لكنّ المتأمّل لبعض من روايتها سيكتشف القدرة المذهلة للكاتبة على التقاط أمراض الزمن المعاصر، ذلك أنها لا تهتم بالتاريخ والذاكرة والحروب والوجود والسياسة، وغيرها من الثيمات الكلاسيكية، لكنها تحاول أن تتصادى مع لحظات الفرح والحزن التي تخيّم على الجسد البشري، وتحاول ربط ذلك بمفهوم الزمن، وكيف يتغيّر ويؤثّر على الناس وأحلامها، كما هي الحال مع شخصية ماريان وكونيل داخل رواية "أناس عاديون".
من البساطة تأتي الكتابة، وعبر المشاعر النفسية تحاول سالي أن تبني لها خطابًا فلسفيًا يستند على عنصر الماهيات، فهي تحوّل الأصل إلى المختبر الحقيقي الذي ينبغي أن يخضع إلى الفحص والتأمّل والتفكير. بيد أن هذا التعلق بمفهوم الزمن وحساسيته في تجربة سالي روني، يجعل الناس تصنّف رواياتها داخل خانة رومانسية، لأنها لا تدرك النفس الفلسفي المضيء الذي يطبع شخصياتها المرتبكة والمتناقضة والهائمة بأفكارها ومواقفها وأحلامها في سيرة الواقع. وبالرغم من المكانة الأدبية التي تنزلتها الكاتبة وهي في الضفة الأولى من عمرها، ما زالت رواياتها تعيش نوعًا من الحظر داخل بريطانيا وأيرلندا بسبب مواقفها السياسية، بعدما تأكدت الحكومتان أنهما أمام صوت نسوي لا يهادن، وغير مستعد للدخول في مساومة على حساب فلسطين وناسها وشعبها وذاكرتها وتاريخها المضيء.

الدخول

سجل عن طريق

هل نسيت كلمة المرور؟

أدخل عنوان بريدك الإلكتروني المستخدم للتسجيل معنا و سنقوم بإرسال بريد إلكتروني يحتوي على رابط لإعادة ضبط كلمة المرور.

شكرا

الرجاء مراجعة بريدك الالكتروني. تمّ إرسال بريد إلكتروني يوضّح الخطوات اللّازمة لإنشاء كلمة المرور الجديدة.