التجول في دمشق القديمة يقود إلى نتيجة لا تقبل الجدل، بأنها ليست مجرد موقع أثري، بل كائن حيّ يتنفس عبر سكانه، وأسواقه، وبيوته، وذاكرته التي تختزن آلاف السنين. وفي سياق التحوّلات التي تعيشها سورية اليوم، ثمة سؤال يطرح نفسه حول مستقبل هذا الشطر من العاصمة السورية الطاعن في التاريخ. وقد بدأت بعض أحيائه بالتدهور الصامت بفعل انهيار تدريجي للمباني، وتآكل البنية التحتية، وتدخلات عشوائية في العمارة، وهذا أخطر من الدمار المباشر، لأنه غير مرئي، لكنه مستمر.
وفق دراسات علمية، تُعدّ دمشق من بين أقدم المدن المأهولة على وجه الأرض؛ فهي خلاصة حضارات قديمة، وتتكون من عدة طبقات حضرية، من الآرامية إلى الرومانية، فالبيزنطية، فالعربية الإسلامية، فالعثمانية. وقد شهدت وعاشت أكثر من حقبة حضرية غنية ذات بعد إنساني وديني كوني، كبدايات ظهور الديانة المسيحية. منها خرج القديس بولس مبشّرًا، وتم بناء ثاني كنيسة مسيحية على أرضها (حنانيا)، واستقبلت، من بعد ذلك، الإسلام في أول خروج كبير له من الجزيرة العربية. وفيها تأسست الخلافة الأموية التي عاشت 90 عامًا، وعرفت لاحقًا العهدين المملوكي والعثماني، وصولًا إلى الانتداب الفرنسي. وكل ذلك جعل منها هوية سورية مركبة ونموذجًا للتعايش التاريخي وذاكرة حضارية مشتركة. وتعدّ العمارة أحد الشواهد على هذه التطورات، وهي تعكس بوضوح وسهولة أن كل مرحلة تركت لمستها وطابعها مجسّدًا في البنيان المنزلي والديني والتجاري، الذي يتمتع بثراء يمثل عدة أطوار من تاريخ البشرية.
خضع قسم محدود من دمشق القديمة للترميم، لكن الجزء الأكبر بقي على ما هو عليه، ينتظر من ينهض بمهمة صيانته وحمايته من التلف، والإهمال العمراني، والضغوط السكانية، وتراجع الصيانة، وآثار الحرب غير المباشرة، وقسوة الزمن. هذه العوامل مجتمعة وضعت الشطر الأساسي من المدينة في وضع صعب جدًا ودقيق، يتراوح بين البقاء والتآكل البطيء. وإلى ذلك، تُعدّ عملية الترميم صعبة ومعقدة، تتطلب إمكانات مالية كبيرة وخبرات فنية عالية المواصفات. ومهما يكن من أمر، يمكن العمل على ذلك بطريقة منهجية ضمن مشروع طويل الأجل، نظرًا للإرث المعماري الكبير الذي يواجه عقبات تتعلق بأن القسم الأكبر من الأبنية المستهدفة مأهول، أو تشغله ورش تقليدية في الجزء المحيط بمنطقة الجامع الأموي. ومنها، على سبيل المثال، صناعة الموزاييك والمطعّم (الخشب المطعّم بالصدف)، والنحاسيات والنقش عليه، والزجاج المنفوخ (الزجاج المعشّق)، والنسيج الدمشقي (البروكار والأغباني)، وصناعة صابون الغار، وأسواق مدحت باشا، وسوق النحاسين، وسوق الخياطين. وهذا يجعل الترميم فيها أكثر تعقيدًا.
يمكن هنا طرح عدة أسئلة حول إمكانية إنقاذ المدينة القديمة، حول مسألة تمويل عمليات الترميم والصيانة وإعادة التأهيل، وربط كل ذلك بمردود اقتصادي ثقافي حضري يخص الفضاء العام ككل، من دون إغفال نقطة مهمة، وهي الاهتمام العالمي بدمشق القديمة، كونها من أقدم المدن المأهولة في العالم. ولهذا السبب تم إدراجها على قائمة التراث العالمي عام 1979، ما يجعل من الحفاظ عليها مسؤولية تتجاوز المحلية إلى العالمية، من منظور أنها تمثل قيمة رمزية وثقافية عالمية. وقد آن الأوان كي تنال حظها من الاهتمام الكافي، لأن كل ما تم حتى الآن لا يتجاوز الترميم الجزئي والمبادرات المحدودة والخجولة. وقد شملت أعمال الترميم في المرحلة الماضية البنية التحتية، وشبكات المياه، والكهرباء، والشوارع التاريخية. وما تقوم به السلطات الحالية الآن يتركز على مشاريع تجميل وتأهيل وترميم معالم وساحات تاريخية من أجل تحسين الطابع الحضري العام، والمؤكد أنه لا يوجد حتى الآن "مشروع دولي كبير شامل" خاص بدمشق القديمة تحديدًا، وهو ما بات مطلوبًا بصورة ملحّة.
| |
| الإرث المعماري الكبير يواجه عقبات تتعلق بأن القسم الأكبر من الأبنية المستهدفة مأهول، أو تشغله ورش تقليدية في الجزء المحيط بمنطقة الجامع الأموي |
غنيّ عن القول إن عملية الترميم تتجاوز إصلاح حال الحجارة القديمة، بل هي اختبار لقدرة سورية على التحول من ساحة صراع إلى مساحة استثمار. فالمال موجود في العالم، ولكي يأتي إلى سورية يحتاج إلى الثقة التي تشكل مرادفًا للاستقرار. وأول شرط لنجاح مشروع الترميم والصيانة والحيلولة دون تلف هذا الموروث الثمين هو المهنية. والقصد من ذلك أن يتولى المسألة خبراء محليون ومن الخارج، قادرون على مراعاة أهمية المدينة وقيمتها. ثانيًا، البعد عن الحس التجاري، وهذا يعني استبعاد إغراء تحويل المنطقة إلى مركز سياحي بغرض الربح المالي فقط، لأن من شأن ذلك الإساءة إلى وضعها الخاص من خلال التوظيف السطحي للتراث. ويمكن هنا الاهتداء بتجارب عربية ودولية مشابهة، كعمليات الترميم الواسعة في القاهرة الإسلامية ومدينة القاهرة التاريخية، وهي تلك المنطقة التي تضم أحياء النحاسين والغورية والأزهر وشارع المعز لدين الله الفاطمي. وكان رأي اليونسكو أن المدينة التاريخية ليست مباني فقط، وإنما هي مبانٍ وبشر ونمط حياة وتاريخ وتقاليد قائمة منذ مئات السنين. أو ترميم برج بيزا، الذي شُيّد في القرن الرابع عشر الميلادي في إيطاليا، بعد أن عانى من الميل الشديد، وهو ما هدد بسقوطه، حيث تمت معالجة هذا الميل من دون اللجوء إلى فك البرج.
سبق لليونسكو أن عملت في سورية، لكن دورها لم يتجاوز حدود "إدارة الأزمة"، حسب خبير في هذه المنظمة الدولية؛ أي وضع الخطط والتقارير والتوثيق الرقمي وتدريب الكادر، فهي لا تملك القدرة أو الإرادة لتمويل ترميم واسع. وقد تراجعت قدرتها على تمويل مشاريع كبيرة بسبب معاناتها المالية، التي يعود القسط الأكبر منها إلى انسحاب الولايات المتحدة منها. وبهذا المعنى، يبدو دور اليونسكو مساعدًا واستشاريًا ومزوّدًا للخبرة، أكثر منه فاعلًا في إنقاذ الواقع. وتستطيع، في الحد الأدنى الضروري، تثبيت المعايير، ومنع الانهيار العشوائي، والحفاظ على هوية المدينة في لحظة كان يمكن أن تُفقد فيها بالكامل تحت ضغط الإهمال أو الترميم غير المدروس. فاليونسكو، وفق هذا المنظور، ليست عاجزة بقدر ما هي محدودة الدور بحكم ظروفها الخاصة، إذ لا تملك أدوات التمويل بقدر ما تملك أدوات الضبط والتوجيه.
يمكن أن يخضع ترميم دمشق إلى معادلة حماية التراث والاستثمار فيه معًا، وهو ما يتجاوز دور اليونسكو إلى فاعلين دوليين واقتصاديين آخرين. وذلك يطرح سؤالًا حول مصادر التمويل الفعلية التي يمكن أن تنهض بهذه المهمة الصعبة والمعقدة. ويأتي التمويل الدولي في الصدارة، ويشمل الاتحاد الأوروبي، والبنك الدولي، ومنظمات التراث العالمية. إن توفير التمويل ممكن من الناحية النظرية، فالجهات المشار إليها تمتلك موازنات مهمة مخصصة لأعمال شبيهة، وتشكل دمشق بالنسبة لها موقعًا جاذبًا للتوظيف المالي، غير أنها لن تقدم على ذلك من دون تحقيق شروط أساسية تتمثل في استقرار سياسي، وشفافية مالية وإدارية، وشراكة رسمية واضحة تركز على الهدف المنشود.
جهة التمويل الثانية هي دول الخليج العربي، التي باتت تمتلك خبرة في ترميم المدن التاريخية، وقدرة كبيرة على التمويل، مما يرشحها للدخول في مشاريع الترميم. وهناك عنصر يحمسها، هو إعادة تأهيل الأسواق والخانات، لكن ذلك يبقى مرتبطًا بالعلاقات السياسية والتوازنات الإقليمية. ويمكن لسورية أن تعوّل على مشاركة رساميل خليجية، نظرًا لعلاقاتها الجيدة مع دول الخليج، التي تجد السوق السورية واعدة جدًا.
الجهة الثالثة المرشحة للتمويل هي القطاع الخاص السوري، الذي يرى في تحويل بيوت دمشق القديمة إلى مصدر كسب مالي مهم جدًا، ولذلك يطمح لتحويل بعض البيوت إلى فنادق تراثية، بالإضافة إلى إقامة مطاعم ثقافية، ولا سيما أن هذا النموذج تم تجريبه في دمشق، وهناك العديد من المباني التراثية جرى تحويلها إلى فنادق، وهي تعد من بين الأغلى، ومرغوبة جدًا من طرف السياح. هذا بالإضافة إلى المطاعم والمقاهي، لكن ذلك يحتاج إلى قوانين استثمار واضحة وشفافية عالية تبعد سطوة الدولة والسماسرة الذين يدورون في فلكها، ويحاولون الإثراء من وراء العمولات من دون مراعاة الهوية الثقافية للمدينة.
الجهة الرابعة هي الجاليات السورية في الخارج، وبعضها تراكمت لديه ثروات مهمة، ويحتاج إلى تطمينات وضمانات تحمي رأس المال، وتقدم له الإغراءات كي يزول الحذر والشكوك وتسقط المخاوف. ويمكن أن يقوم بذلك رجال أعمال في أوروبا والخليج، الذين بوسعهم القيام بمبادرات فردية أو مؤسساتية. ويمكن لهؤلاء الإسهام في ترميم بيوت محددة ودعم مشاريع ثقافية. وعطفًا على ذلك، يمكن للمجتمعات المحلية القيام بمبادرات ترميم صغيرة وصيانة ذاتية للمنازل والأسواق القديمة، لكنها تظل محدودة ولا تستطيع القيام بمشروعات كبيرة.
لا يتوقف المشروع على التمويل الكبير فقط، وهو غير متوافر حاليًا، بل يحتاج إلى خطة عمل دولية. وهناك جانب قانوني يتعلق بالملكيات المعقدة، بسبب تعدّد الورثة والنزاعات القانونية، بالإضافة إلى المخاطر التقنية التي قد تنشأ نتيجة للعامل الزمني والعمارة المتهالكة في أكثر من مكان، والتي قد يكون الحل فيها هدمها وليس ترميمها. ويعود جانب من العقبات إلى البناء القبيح والعشوائي غير المدروس، الذي تم في المنطقة خلال نصف القرن الأخير، ولا يمكن إزالته من دون مضاعفات، ويمكن لذلك أن يؤدي إلى تشوه عمراني. ويُضاف إلى ذلك الترميم الارتجالي والاستثمار الرخيص لأهداف تجارية.


تحميل المقال التالي...