إنّ أيّ كتابة عن غزّة اليوم ستظلّ ناقصة! فاللغة لا تتّسع لوصف أهوال ما آلت إليه أحوال الغزّيين في القطاع بعد مرور أكثر من ألف يوم من حرب الإبادة الجماعية الهمجية المستمرّة بأوجه مختلفة، والتي خلّفت كوارث إنسانية غير مسبوقة في التاريخ الحديث لِعظم الخسائر البشرية والمادّية، حيث يُقدر عدد الشهداء الذين وصلوا إلى مستشفيات القطاع أكثر من 73000 شهيد منذ بدء العدوان الإسرائيلي في السابع من أكتوبر/ تشرين الأوّل 2023م، فيما لا يزال نحو 10000 شخص في عداد المفقودين، بينهم شهداء تحت الأنقاض، وآخرون مجهولو المصير. بينما تجاوزت نسبة الدمار الشامل 90% تقريبًا من القطاع، وسيطر جيش الاحتلال على أكثر من 80% من مساحته عبر الاجتياح والعمليات العسكرية، في ظلّ استمرار إبادة شعب وثقافة وعمران؛ بالقصف الوحشي، والتطهير العرقي، والتهجير القسري، والحصار الجائر والتجويع.
ورغم إدراكنا أنّ معركة الأدب والفنّ ستظلّ مع مجاراة هذا الواقع خاسرة، إلّا أنّ ذلك لا يعني عدم طرق جدران الخزان، وهو ما دعانا للوقوف على واقع وآفاق المشهد الثقافي والفنّي في غزّة اليوم، فكان أن توجّهنا إلى عدد من المبدعات والمبدعين من الكتّاب، وصنّاع الأفلام، والفنّانين، في شتّى حقول الثقافة والأدب والفنون، طارحين عليهم/ نّ الأسئلة التالية: كيف يبدو لكم المشهد الثقافي والفنّي في غزّة تحت وطأة الحرب؟ وهل بقي للعمل الثقافي والفنّي مساحة تتحرّك فيها من بين ركام الحرب؛ في ظلّ غياب شبه كامل للمؤسّسات الثقافية والفنّية الرسمية والأهلية؟ وهل ترون أنّ الثقافة قادرة على الصمود والاشتباك مع الواقع في مثل هذه اللحظة المفصلية، بعد أن بات البقاء على قيد الحياة في حدِّ ذاته فعل مقاومة وقد دُمّرت البيوت بالكامل، أو تعرّضت لأضرار جسيمة، ومُسحت المكتبات عن الوجود، وأُحرقت الكُتب، وطاول المحو معظم مقرّات المؤسّسات الثقافية والفنّية؟ ومن بعد، إلى أيّ حدٍّ استطاعت مظاهر الحرب رسم ملامح أفق ثقافي وفنّي جديد قادر على التأثير والتغيير في الواقع الفلسطيني والعربي والعالمي؟ وكيف هو السبيل إلى عودة الحياة الثقافية والفنّية إلى القطاع كما كانت عليه قبل الحرب؟
هنا الجزء الأوّل، ويليه جزء ثان وأخير:
القاصّ والروائي ورسّام الكاريكاتير الدكتور عاطف سلامة:
الثقافة لم تسقط ووجدت لنفسها أماكن أخرى
المشهد الثقافي والفنّي في غزّة اليوم لا يمكن فصله عن مشهد الموت والدمار؛ فقد سقطت المؤسّسات والمراكز والمسارح والمكتبات، وتبعثرت الكتب تحت الركام، لكنّ الثقافة نفسها لم تسقط. ربّما فقدت مكانها التقليدي، لكنّها وجدت لنفسها أماكن أخرى: في الذاكرة، في الحكاية، في الصورة، وفي النصّ الذي يُكتب تحت القصف. لقد أثبتت الحرب أنّ الثقافة ليست ترفًا مؤجّلًا إلى ما بعد النجاة؛ بل هي إحدى وسائل النجاة ذاتها. وما دام الإنسان الغزّي يكتب ويرسم ويحكي ويغنّي، فهو يقول إنّ محاولات محو المكان لم تنجح في محو الإنسان. وهذا ما حاولتُ أن أفعله في تجربتي خلال الحرب، من خلال الرواية والمسرح والكاريكاتير إلى القصّة القصيرة؛ ففي أعمال مثل: "الأسيرة"، و"ملّف مصنّف سرّي"، وفي مجموعتي القصصية "حوار بين قذيفتين"، لم أتعامل مع الحرب بوصفها حدثًا عابرًا، بل بوصفها واقعًا يعيد تشكيل الإنسان والذاكرة والأسئلة والمصير.
أظن أنّ أهمّ ما يفعله المثقّف الفلسطيني حاليًا، هو أن يكون شاهدًا لا يكتفي بوصف الخراب، بل يحوّل الألم إلى معرفة، والدم إلى ذاكرة، والركام إلى سؤال. فالمعركة ليست على الأرض وحدها، وإنّما على الرواية أيضًا: من يملك حقّ كتابة ما حدث، ومن يحفظ أسماء الذين رحلوا، ومن يمنع أن يتحوّل هذا الخراب إلى أرقام عابرة في ذاكرة العالم. لقد أنتجت الحرب، رغم بشاعتها، ملامح أفق ثقافي جديد؛ أفق أكثر التصاقًا بالناس، وأكثر جرأة في مواجهة الواقع، وأقلّ اعتمادًا على المؤسّسة. لكنّ هذا لا يعني أن نترك الثقافة لتقاوم وحدها. المطلوب مشروع وطني حقيقي لإعادة بناء الحياة الثقافية: إعادة إعمار المسارح والمكتبات والمراكز، استعادة الأرشيف، دعم الفنّانين والكتّاب، وإعادة فتح أبواب التعليم والإنتاج والنشر. غزّة لا تحتاج إلى إعادة بناء حجارتها فقط؛ بل تحتاج إلى إعادة بناء ذاكرتها الثقافية أيضًا. فالبيت يمكن أن يُعاد بناؤه، أمّا الكتاب الذي احترق واللوحة التي دُفنت والمخطوطة التي فُقدت، فلا تُستعاد إلّا إذا حملها الإنسان في ذاكرته وأعاد إنتاجها. لذلك ستكون عودة الثقافة جزءًا من عودة غزّة نفسها، لا مرحلة لاحقة لها.
المخرج السينمائي سعود مهنا (رئيس مهرجان العودة السينمائي الدولي، ورئيس ملتقى الفيلم الفلسطيني):
قاومنا الإبادة بصناعة أفلام تحت النار
لا يوجد صنّاع أفلام في العالم صنعوا أفلامهم تحت قصف صواريخ وطائرات العدو، لذلك أعتقد أنّ معظم المخرجين، وكلّ من يعمل في المجال البصري في فلسطين، قدّموا تضحيات جسيمة من أجل توثيق الحقيقة وحفظ الذاكرة؛ وخير مثال على ذلك المشهد السينمائي والفنّي في قطاع غزّة، لقد استشهد خلال هذه الحرب المئات من الصحافيين، وعدد من المصوّرين والمخرجين في أثناء القيام بواجباتهم من أجل صناعة الصورة التي تبيّن إجرام الاحتلال.
منذ بداية الحرب على غزّة، قمنا بصناعة عدد من الأفلام الوثائقية والروائية التي تحاكى حياة الإنسان، فصورنا أفلامًا عن الإبادة الجماعية والدمار والنزوح والتجويع والحصار وخيام النازحين، وعن قصص الأطفال والنساء والشيوخ وصمودهم... وهذه الأفلام شاركت في مهرجانات سينمائية عربية ودولية لإظهار صمود الإنسان الفلسطيني وتعنت وإجرام وهمجية الجيش الإسرائيلي. لقد قدّمنا تضحيات وفقدنا أصدقاء استشهدوا بقصف العدو، لكنّنا نشعر بالفخر والاعتزاز لأنّه رغم الموت الذي يلاحقنا إلّا أنّنا نملك إصرارًا وعزيمة لتوثيق الحقيقة عبر أفلام قصيرة وطويلة لفضح جرائم الاحتلال. وليس صناعة الأفلام وحدها التي قمنا بها في أثناء الحرب، بل قمنا بعرض هذه الأفلام في مخيّمات النزوح لكي ندعم الناس نفسيًا، ونحاول أن نخفّف من أحزانهم.
أيضًا، واصلنا فعاليات مهرجان العودة السينمائي الدولي، الذي يؤكّد على حقّ العودة لكلّ قرية ومدينة احتلّتها إسرائيل عام 1948م، وخلال سنوات الحرب الثلاث أقمنا هذه الفعاليات تحت نيران العدو بين خيام النازحين، بحضور آلاف الأشخاص من الأطفال والشباب والشيوخ والنساء والإعلاميين والفنّانين، في مشهد يؤكّد أنّ الإنسان الفلسطيني يحبُّ الحياة والحرّية والانعتاق متحدّيًا جيش الاحتلال. حقيقة قاومنا الإبادة والحصار والنزوح المتكرّر والتجويع بصبرنا وإصرارنا على صناعة أفلام من واقع الحياة المعاشة في ظلّ الحرب، التي دمّرت بيوتنا ومدارسنا والمستشفيات؛ وحتّى الشجر. ولقد وثّقنا ذلك في أفلام ستظلّ شاهدةً على همجية وإجرام الاحتلال، وستبقى وثيقةً مهمّة للباحثين وللأجيال القادمة وللتاريخ.
كذلك قدّم عدد من الفنّانين عروضًا مسرحية بين خيام النزوح وتحت الطائرات المسيّرة في مشهد يتحدّى آلة القتل الإسرائيلية.
شخصيًا، قمت بكتابه وإخراج أكثر من عمل مسرحي للأطفال كلّها عرضت بين خيام النزوح لإسعاد أطفالنا، ولتخفيف قسوة ما شاهدوه وعاشوه في أثناء شهور الحرب الطويلة من قتل ودمار ونزوح وتجويع.
الفنّانة والنحاتة أمل الكحلوت:
الثقافة في زمن الحرب وسيلة للدفاع عن الهوية
إنّ المشهد الثقافي والفنّي في غزّة اليوم يبدو وكأنّه يقف على الحدّ الفاصل بين الفناء والانبعاث. فالحرب لم تستهدف الإنسان وحده، بل طاولت الذاكرة والهوية والفضاءات التي كانت تحفظ الحكاية الفلسطينية وتنقلها من جيل إلى آخر. لقد تعرّضت المراكز الثقافية والمتاحف والمكتبات والأرشيفات ودور النشر، ومقارّ المؤسّسات الثقافية والفنّية، لدمار واسع، كما أُحرقت آلاف الكتب والمخطوطات، وفُقدت مقتنيات فنّية وتراثية لا يمكن تعويضها. وتشير تقديرات حديثة إلى تضرّر ما لا يقلّ عن 164 موقعًا ثقافيًا وتاريخيًا في قطاع غزّة، بينها مبانٍ ذات قيمة تاريخية وفنّية، ومتاحف ومراكز ثقافية ومواقع أثرية. كما دُمّرت أو تضرّرت مكتبات عامّة وجامعية عديدة، وفُقدت مجموعات ضخمة من الكتب والوثائق والمخطوطات. لكنّ المفارقة أنّ الثقافة لم تختفِ رغم كلّ ذلك، بل غيّرت شكلها فقط. ففي ظلّ غياب المؤسّسات الرسمية وشبه انهيار البنية الثقافية، انتقلت الثقافة إلى أماكن أخرى؛ إلى الخيام، وإلى الجدران المتبقية، وإلى الهواتف المحمولة، وإلى دفاتر صغيرة يحملها النازحون معهم. وأصبح الرسم والشعر والتوثيق والتصوير والموسيقى وسائل للحفاظ على الذاكرة ومواجهة محاولات المحو. والحقيقة أنّ البقاء نفسه أصبح شكلًا من أشكال المقاومة. فالإنسان الذي يكتب قصيدة وسط النزوح، أو يرسم لوحة بين الأنقاض، أو ينقذ كتابًا من تحت الركام، لا يمارس نشاطًا ثقافيًا فحسب، بل يدافع عن حقّه في الوجود. ومن اللافت أنّ الحرب أفرزت ملامح أفق ثقافي جديد، يمكن تلخيصه في تحوّلات عدّة؛ تحوّل الفنّ من نشاط نخبوي إلى وسيلة للبقاء والتعبير الجماعي. انتقال الثقافة من المؤسّسات المغلقة إلى الفضاءات المفتوحة والمؤقّتة. تصاعد دور التوثيق الرقمي لحماية الذاكرة الفلسطينية. ظهور أعمال فنّية جديدة تتناول النزوح والفقد والهوية والصمود. تحوّل الفنّان من منتج للجمال إلى شاهد على الأحداث وموثّق لها. ورغم تدمير المؤسّسات والمراكز الفنّية، ظهرت مبادرات ثقافية بسيطة أعادت إحياء بعض الأنشطة. فقد استأنف موسيقيون دروسهم داخل خيام مؤقّتة، وأُقيمت معارض فنّية في أماكن مفتوحة شارك فيها فنّانون شباب لتوثيق تجاربهم خلال الحرب. وهذه المبادرات تؤكّد أنّ الفنّ قادر على إيجاد مساحته حتّى في أكثر الظروف قسوة. أمّا عودة الحياة الثقافية والفنّية إلى قطاع غزّة، فلن تتحقّق بإعادة بناء المباني وحدها، بل تحتاج إلى: إعادة بناء المكتبات والمتاحف والمراكز الثقافية. ترميم الأرشيفات وحفظ ما تبقّى من الوثائق والمخطوطات. دعم الفنّانين والكتّاب والباحثين. إنشاء مشاريع رقمية لحفظ التراث الفلسطيني. إعادة دمج الفنون في المدارس والجامعات. توفير مساحات آمنة للإنتاج الثقافي والإبداعي. وفي النهاية، صحيح أنّ هذه الحرب دمّرت الحجر، لكنّها لم تستطع القضاء على الذاكرة. فالثقافة في غزّة لم تعد مجرّد نشاط اجتماعي، أو ترف فكري، بل أصبحت وسيلة للدفاع عن الهوية، وحفظ الرواية الفلسطينية، وإثبات أنّ الإنسان قادر على إنتاج المعنى حتّى وسط الركام.
المخرج والممثل والناشط الثقافي جمال أبو القمصان:
إعادة إعمار الثقافة جزء أصيل من إعادة إعمار غزّة
يبدو المشهد الثقافي والفنّي في غزّة اليوم وكأنّه يتحرّك بين الركام، لكنّه لم يتوقّف. الحرب لم تدمّر البيوت والمؤسّسات والمكتبات والمسارح فقط، بل حاولت أن تطاول الذاكرة والهوية والقدرة على الحلم. ومع ذلك، بقي الفنّان والمثقّف الفلسطيني يبحث عن مساحة صغيرة ليقول: نحن هنا، وما زلنا قادرين على التعبير. في ظلّ غياب المؤسّسات الثقافية والفنّية وتدمير كثير من مقرّاتها، أصبح العمل الثقافي أكثر فردية وتلقائية، وأحيانًا أكثر ارتباطًا بالحاجة اليومية للناس.
الثقافة اليوم ليست ترفًا، والفنّ ليس منفصلًا عن معركة البقاء؛ عرض مسرحي، أمسية شعرية، فيلم يُعرض في خيمة نزوح، أو مساحة مؤقّتة، يمكن أن تمنح الناس لحظة لاستعادة شيء من حياتهم التي سُلبت منهم. بالنسبة لي، أصبح تنظيم الفعاليات الثقافية والفنّية في هذه الظروف محاولة لاستعادة الإنسان قبل المكان، واستعادة الإحساس بأنّ لنا الحقّ في الحياة والحلم. الحرب، رغم قسوتها، ترسم بالفعل ملامح جديدة للمشهد الثقافي الفلسطيني؛ مشهد أكثر التصاقًا بالناس وبالتجربة اليومية، وأكثر قدرة على تحويل الألم إلى شهادة وفعل إبداعي ومقاومة للطمس والنسيان. لكنّ الثقافة وحدها لا تستطيع إعادة بناء ما هُدّم. عودة الحياة الثقافية والفنّية إلى غزّة تحتاج إلى إعادة بناء المؤسّسات والمكتبات والمسارح والمراكز الثقافية، ودعم الفنّانين والمثقّفين، وفتح المجال أمام المبادرات الشبابية والمستقلّة. والأهمّ أن تكون إعادة إعمار الثقافة جزءًا أصيلًا من إعادة إعمار غزّة، لأنّ إعادة بناء الحجر من دون الإنسان وذاكرته وروحه ستبقى ناقصة.
الفنّان التشكيلي باسل المقوسي:
المساحة لا تُمنح لنا، بل نحن من ينتزعها من قلب الركام
الفنّ في زمن الحرب يصبح وثيقة تاريخية حية تُسجّل الألم، ولكنّها بالقدر نفسه ترفض أن تستسلم لمحو الهوية. المشهد الفنّي اليوم ليس معارضًا بإنارة خافتة، وزوار يرتدون أرقى الثياب؛ المشهد الفنّي هو طفل يجلس بين الركام ليغنّي، وفنّان يمسك بقطعة فحم ليحفر ملامح الصبر على جدار مهدوم. إنّنا لا نرسم لنُعجب أحدًا، بل نرسم لنقول للحي والميت وللعالم أجمع: نحن هنا لسنا مجرّد أرقام في شريط الأخبار، نحن أصحاب حكاية ولغة وروح لا تُباد. الفنّ في غزّة اليوم تحوّل من "رفاهية تعبيرية" إلى فعل صمود وشهادة على الجريمة. عندما تغيب الفرشاة والألوان الزيتية، نلتجئ إلى الفحم المتخلّف عن نيران الطهي، ونرسم على خيام النزوح، وعلى بقايا ورق الدفاتر والورق المقّوى المقصوص من صناديق المساعدات.
المساحة لا تُمنح لنا، بل نحن من ينتزعها من قلب الركام. الشارع والمخيّم هما الغاليري الجديد؛ عندما تغيب قاعات العرض المكيفة، والفرشاة الجاهزة، تصبح جدران الخيام والمباني المهدّمة هي اللوحات. يتحوّل الفنّ من "معروضات" إلى جزء من حياة الناس اليومية؛ يرسم الأطفال، وتُقام الورَش البسيطة تحت ظلّ خيمة، ليُقال للعالم: نحن هنا، وما زلنا نرى الألوان وسط هذا السواد.
نحن الأيدي الناعمة للمقاومة؛ نرسم بالحبّ، لا نرسم بالحرب، نرسم لنحافظ على إنسانيتنا، نرسم رائحة الشهداء. عندما يحاول الواقع محو الملامح والإنسان، تصبح اللوحة، أو الصورة، أو الكلمة، فعل مقاومة حقيقي. نحن لا نرسم لنلفت الأنظار، بل لنندَه على أنفسنا وسط الركام، ولنقول للعالم: نحن هنا، لسنا مجرّد أرقام ولا صور عابرة في الأخبار، والثقافة لا تعيش في برج عاجي، وإن لم تشتبك مع الوجع الإنساني وتلتقط أنفاس الناس ولحظات انكسارهم وصمودهم تفقد جوهرها.
"الوطن ليس فندقًا نتركه عندما تسوء الخدمة"- هذه المقولة تختصر موقفي لمفهوم التشبّث بالأرض والتضحية بالراحة والأمان الشخصي في سبيل البقاء والشهادة على حقيقة الواقع. لا يُقاس الانتماء بما يقدّمه الوطن من رفاهية، بل بما يتطلّبه من ثبات في أوقات الأزمة.
أرى كلّ مكان للنزوح هو إقامة فنّية، وليست نزوحًا. حاولت القيام بإعادة الحياة للقطاع الفنّي، وترميم أرواح الأطفال والشباب الذين عاشوا الأهوال، بورش العمل الفنّية والدعم النفسي، وتفعيل المساحات المجتمعية (حتّى داخل المخيّمات ومراكز الإيواء) لتقديم ورش رسم وأنشطة تفاعلية للشباب والأطفال، لتحويل الطاقة السلبية والخوف إلى تفريغ إبداعي وأمل. وإعادة اكتشاف المواهب لإبقاء الجذوة متقدة لدى أجيال المستقبل لضمان عدم انقطاع السلسلة الإبداعية في غزّة. وقمت بتشجيع فنّانين شباب وفنّانين كبار، وقدمت لهم الإمكانيات البسيطة المتوفّرة في السوق للاستمرار في الرسم، وللعمل مع الأطفال والفتيان.
الفنّ في غزّة ليس مجرّد ألوان على لوحة، بل هو شهادة حياة، وإصرار على أنّ روح هذا المكان عصيّة على الهزيمة والمحو.
الكاتب والباحث ناهـض زقـوت (المدير العام الأسبق لمركز عبد الله الحوراني للدراسات والتوثيق):
بين الخيام أصبح ثمّة مكان للندوات والرسم والقراءة
المشهد الثقافي والفنّي في غزّة مشهد مأساوي، لا يمكن أن تصفه الكلمات لشدّة قسوته، فالمشهد هو جزءٌ من حالة الدمار الذي تعرّض له قطاع غزّة بشكلٍ كامل، أينما تمدُّ بصرك لا ترى غير دمار البيوت والعمارات المتراكمة على نفسها، وبجانبها خيام أصحابها يحاولون العيش في ظلّ الذكريات المقتولة. إلى جانب هذا الدمار، دُمّرت عشرات، بل مئات المراكز والمؤسّسات والجمعيات الثقافية والمعالم التاريخية والأثرية، في محاولة لمحو الهوية الوطنية والتاريخ الفلسطيني، وانعدام قدرة الأجيال القادمة على معرفة تاريخهم وتراثهم الثقافي والحضاري.
وإذا كان هدف الاحتلال الاسرائيلي الإبادة الثقافية، والسعي للقضاء على الذاكرة الجمعية والرموز الثقافية من كتّاب ومبدعين، ومن خلال تدمير المراكز الثقافية والمتاحف والمسارح والمعارض والمكتبات العامّة والخاصّة والجامعية، ومكتبات المدارس، والمساجد والكنائس، ودور النشر والمطابع، إلّا أنّ الثقافة في جوهرها فعل متحرّك إيجابي، لا ينحصر في مؤسّسة أو مركز، بل يمكن أن تُخلق فضاءات أوسع للانطلاق وممارسة العمل الثقافي، فبين خيام النازحين أصبح ثمّة مكان للندوات، والرسم، والقراءة. وفي الفترة الأخيرة، وفي حالات الهدنة، كان ثمّة عشرات الندوات واللقاءات الثقافية والأدبية، وقراءات للكتب. بل تحاول بعض دور النشر أن تعيد نشاطها بنشر بعض الكتب والروايات والقصص القصيرة بنسخ محدودة نظرًا للتكلفة العالية جدًا للورق والطباعة.
الحالة الثقافية في قطاع غزّة تواجه اليوم تحدّيات لإعادة بناء المشهد الثقافي من جديد، واستئناف الأنشطة الثقافية. إنّ ذات المثقّف والكاتب تحاول رغم كلّ الحياة الصعبة والمعقّدة في غزّة أن تثبت حضورها على الأرض، والتشبّث بالمكان كفعل مقاومة، من خلال ممارسة فعل الكتابة والإبداع الفنّي. قد لا أكون مبالغًا؛ في غزّة المُدمّرة تمّ إصدار نحو 20 كتابًا متنوّعًا ما بين قصّة، ورواية، أو سيرة ذاتية، جميعها تحكي ذات الكاتب وانفعالها بالأحداث والوقائع على الأرض، خاصّة حالات النزوح المأساوية، وأوضاع النازحين في الخيام.
إنّ استهداف الاحتلال الإسرائيلي للمراكز الثقافية والحضارية في غزّة لم يكن عبثًا، بل هو فعل مقصود وممنهج لتحقيق أهداف سياسية واضحة، حيث أنّ هذه المراكز ليست مجرّد أماكن للإبداع والثقافة، بل هي أيضًا أدوات فعالة للتعبير عن الذاكرة الجمعية وتحدّي الاحتلال في إعادة رسم الهوية الوطنية الفلسطينية. وغياب هذه المؤسّسات لا يعني غياب الفعل الثقافي، سواء على المستوى المحلّي، أو الإقليمي، فلقد أثّرت حرب الإبادة بشكلٍ كبير في عدد من المبدعين والكتّاب العرب، وقد قرأنا عشرات العناوين لكتب وروايات وقصص تحكي مأساة غزّة، وهنا تتجلّى مسألة التأثير والتأثّر في أوج صورها، ولكنّ هذا لا يعني أنّ ثمّة أدبًا جديدًا قد برز للعيان، أو للقارئ، بل هو إعادة رسم واقع غزّة الجديد من منظور وثائقي أو تسجيلي، لم يُحدث أيّ أثر للتغيير في الواقع العربي، إنّما تقديم رؤية الكاتب لما يَحدث من مأساة يعيشها أهل غزّة. قد نحتاج إلى سنوات لكي نكتب حقيقة ما حدث في غزّة.
الفنّانة التشكيلية فاطمة أبو عودة:
أفرزت الحرب أفقًا ثقافيًا جديدًا أكثر ارتباطًا بالواقع
تعيش الحركة الثقافية والفنّية في غزّة اليوم واحدة من أقسى مراحلها التاريخية، بعدما طاولت حرب الإبادة الإنسان والمكان والذاكرة معًا. دُمّرت المسارح والمراكز الثقافية والمكتبات، وأُحرقت الكتب، وفقد الفنّانون أعمالهم ومراسمهم وأدواتهم، وأصبح البقاء على قيد الحياة هو التحدّي الأوّل. ومع ذلك، لم تتوقّف الثقافة، بل غادرت جدران المؤسّسات لتولد في الخيام، وعلى حجارة الركام، وعلى كراتين المساعدات، وفي دفاتر الأطفال، وبين أيدي الفنّانين الذين صنعوا أدواتهم وألوانهم بأنفسهم، حيث أصبحت كلّ أشكال التعبير الثقافي شاهدًا حيًا على ما يعيشه الفلسطينيون، ورسالة إنسانية تصل إلى العالم رغم محاولات الطمس والإلغاء. وفي ظلّ غياب المؤسّسات الرسمية، حمل الفنّانون والكتّاب مسؤولية استمرار الحياة الثقافية. وقد تجمعنا نحن الفنّانين التشكيليين في غزّة والشتات لنكوّن "مجموعة بينالي غزّة"، ونجوب العالم بأعمالنا، حيث تُطبع اللوحات وتُنشر ويحملها المتظاهرون للتضامن مع غزّة. ومن الأمثلة أنّ شركة Other Press للطباعة والنشر في نيويورك اختارت لوحتي "النزوح إلى رفح" وقصّة اللوحة لتكون واجهة لكتالوغها لعام 2025م. توثّق اللوحة نزوح جدتي عام 1948م، ونزوحنا عام 2023م، في مقارنة مؤلمة بين التاريخين وتكرار المأساة. كما يواصل الكتّاب كتابة القصص الواقعية وتوثيق التجربة الفلسطينية ونشرها عبر منصّات عالمية. وأفرزت الحرب أفقًا ثقافيًا جديدًا أكثر ارتباطًا بالواقع، فظهرت في الأعمال رموز الخيام والركام والمجاعة والنزوح، وكالونات المياه، وعربات نقل الناس، وطوابير التكية، إلى جانب أفلام تحاكي الواقع وتسهم في نقل الرواية الفلسطينية. إنّ استعادة الحياة الثقافية في غزّة لن تتحقّق بإعادة بناء المباني فقط، بل بإعادة دعم الفنّانين والكتّاب، وترميم المؤسّسات، وتوفير مساحات آمنة للإبداع. فالثقافة ستبقى ركيزة أساسية في التعافي، وحفظ الذاكرة، وصناعة مستقبل أكثر عدلًا وكرامة.
الكاتب والروائي عبد الله تايه (الأمين العام المساعد للاتحاد العام للكتّاب والأدباء الفلسطينيين):
الحرص على صون السردية الفلسطينية
أدت حرب الإبادة المستمرّة لما يقارب الثلاث سنوات إلى تعطيل الحياة الطبيعية في جوانبها وتفاصيلها كافة، ومن ضمنها الحياة الثقافية، فقد تمّ تدمير معظم المؤسّسات الثقافية في قطاع غزّة، وطاول الدمار المكتبات العامّة، وآلاف المكتبات الخاصّة التي بقيت تحت أنقاض البيوت المقصوفة، وتعطّلت الندوات واللقاءات الثقافية، وتوقّفت الأعمال المسرحية، ومعارض الفنون التشكيلية، ناهيك عن استشهاد العشرات من الكتّاب والشعراء والفنّانين والموسيقيين والمسرحيين... ومع استمرار القصف والأوامر العسكرية بالنزوح والإقامة في الخيام في حرّ الصيف وبرد الشتاء، كانت الصدمة، وقد حوّلت هذه الحال انتباه الجميع إلى البحث عن مأوى وطعام وشراب وحطب لإنضاج الطعام، والبحث عن أساسيات الحياة التي أصبح معظمها ليس في متناول الجميع للغلاء الفاحش والنزوح، وعدم توفّر العمل ومصادر الدخل. ثمّ بدأت في الأشهر الأخيرة محاولات جادة لبعث الحياة الثقافية في المدن المتبقية وأماكن النزوح، فبدأت الندوات الأدبية تعود إلى الظهور، ونشطت الأفعال الثقافية من اتّحادات ومؤسّسات ثقافية وجمعيات المجتمع الأهلي في أماكن عديدة، وظهرت كتابات روائية وقصصية وشعرية نشرت خارج وداخل القطاع، حيث لم تعد إمكانيات النشر كالسابق، لعدم توفّر مواد الطباعة اللازمة، وأقيمت بعض المعارض الفنّية ومهرجانات سينمائية، ونشطت حركة ترجمة الأشعار التي كتبت في الحرب بالتعاون مع تجمّعات ثقافية عالمية متضامنة مع غزّة وشعبها، وفاز عدد من الكتّاب والكاتبات من غزّة بجوائز أدبية عربية وعالمية، وظهرت بعض التجمّعات الثقافية التي أخذت تمارس أنشطتها الشبابية والأدبية والفنّية في أماكن تواجدها وفي وسط خيام النزوح، وكلّ هذه الأنشطة باتت تؤكّد على إصرار الكتّاب والمثقّفين والفنّانين على مواصلة عملهم في ظلّ هذه الأجواء القاسية والفاقدة للأمان وللإمكانيات، لتثبت مرّة بعد مرّة حرص الجميع على الثقافة والفنون والآداب، والحرص على صون السردية الفلسطينية والهوية، والتطلّع إلى الحرّية والحياة التي تليق بشعبنا.
المخرج السينمائي وسام موسى:
المقاومة الناعمة
المشهد الثقافي والفنّي في غزّة اليوم يبدو كأنّه يتحرّك فوق أنقاض مدينة كاملة؛ فالحرب لم تستهدف الإنسان ومكانه فقط، بل طاولت الذاكرة أيضًا: البيوت، المكتبات، الكتب، المراكز الثقافية، والمؤسّسات التي كانت تحتضن الفنّ والإبداع. ومع ذلك، لم يمت الفعل الثقافي؛ بل تغيّر شكله ومكانه، وبقي حاضرًا في الكتابة والتصوير والموسيقى والفيلم والرسم، وفي كلّ محاولة لتوثيق ما يحدث. بالنسبة لي، الثقافة والفنّ هما شكل من أشكال "المقاومة الناعمة"، لأنّهما يحفظان ما تحاول الحرب محوه، ويمنحان الإنسان الفلسطيني القدرة على أن يقول للأجيال القادمة: كنّا هنا، وعشنا هذه المأساة، وما حدث لنا لن يُمحى. وفي ظلّ غياب شبه كامل للمؤسّسات الثقافية والفنّية الرسمية، كانت المفارقة أنّ معظم الأعمال التي استطاعت الوصول إلى العالم والتعبير عن الواقع الراهن في غزّة جاءت بمبادرات فردية، وبتمويل ذاتي، أو بإمكانات محدودة جدًا. كان الفنّانون والمثقّفون هم من حملوا مسؤولية سرد الحكاية، في وقت غاب فيه الدور المؤسّسي والحكومي الفاعل في توثيق الرواية الفلسطينية وإيصالها إلى العالم. لذلك أعتقد أنّ ما يُنتج اليوم، رغم قسوة الظروف، سيشكل لاحقًا جزءًا أساسيًا من ذاكرة غزّة وأرشيفها البصري والإنساني. فالفنّان هنا ليس مجرّد مبدع، بل شاهد ومؤرّخ أيضًا. أمّا عودة الحياة الثقافية والفنّية إلى القطاع، فلا يمكن أن تبدأ فقط بإعادة بناء المباني؛ بل بإعادة بناء المؤسّسات، واستعادة المكتبات والأرشيف، ودعم الفنّانين والمثقّفين، وتوفير المساحات الآمنة للإبداع، وفتح المجال أمام جيل جديد ليعبّر عن تجربته. غزّة تحتاج إلى إعادة إعمار ثقافتها بقدر حاجتها إلى إعادة إعمار حجارتها، لأنّ استعادة الحياة تعني أيضًا استعادة صوتها وذاكرتها وحقّها في الحلم.
الفنّان التشكيلي مروان نصّار:
مشهد فنّي جديد في مرحلة مخاض
مسألة قراءة المشهد الفنّي والثقافي في غزّة اليوم، في ظلّ الإبادة، تبدو شديدة الصعوبة؛ فمن الصعب وضع محدّدات واضحة، أو الحديث عن استراتيجية فنّية متماسكة، لأنّ شروط الاستقرار التي تسمح بتشكّل أيّ مشهد ثقافي طبيعي قد انهارت بالكامل. نحن أمام حالة ضبابية، ليس على مستوى الرؤية الفنّية فقط، وإنّما على مستوى وجود المؤسّسات، وفضاءات العرض، ووسائل الإنتاج، والتواصل بين الفنّانين، وحتّى القدرة على التخطيط للمستقبل. ما يظهر من نتاجات ثقافية وفنّية اليوم لا يمكن قراءته بالضرورة باعتباره حركة فنّية ذات اتّجاه موحّد، بقدر ما هو استجابات متفرقة لواقع استثنائي. جزءٌ كبيرٌ منه يرتبط بدور الفنّ في دعم المجتمع المدني، والحفاظ على الحدِّ الأدنى من التماسك الاجتماعي والنفسي، بينما تتجّه بعض التجارب الفنّية إلى قراءة الواقع من خلال العاطفة، والصدمة، والفقدان، ومحاولة إثبات الذات ووجودها في مواجهة المحو. لذلك أرى أنّ ما يحدث الآن ليس بالضرورة تشكّل مشهد فنّي جديد مكتمل الملامح، بقدر ما هو مرحلة مخاض؛ مرحلة يحاول فيها الفنّانون أن ينتجوا من داخل الانهيار، وأن يحافظوا على حضورهم وعلى معنى وجودهم. وربّما تحتاج هذه التجارب إلى وقت ومسافة نقدية حتّى نستطيع لاحقًا أن نقرأ ما إذا كانت قد أسّست فعلًا لتحوّلات جمالية وفكرية جديدة، أم أنّها كانت في جوهرها استجابة مباشرة لظرف تاريخي استثنائي.
في النهاية، نحن أمام حالة عجز ناتجة عن غياب منظومة ثقافية متكاملة، وعلى رأسها المؤسّسة الثقافية الرسمية، التي يفترض أن يكون لها دور في تعزيز ما ينتج، واحتضان التجارب، وضمان أرشفة هذا السرد البصري وحمايته من الضياع. كما أنّنا في حاجة إلى مراكمة التجربة الفلسطينية من خلال مسارات بحثية وفكرية ونقدية قادرة على تطوير هذه النتاجات، وتحويلها من استجابات فردية لظرف استثنائي إلى معرفة بصرية متراكمة يمكن أن تسهم مع الوقت في تشكيل هوية بصرية فلسطينية معاصرة.


تحميل المقال التالي...